جسدت الأغنية على الواقع الفلسطيني وعبرت عنه بكل تفاصيله، فنجد أغاني تتحدث عن حب الوطن والاشتياق والحنين له،

من جمال الفكر الثوري الناضج تفعيل كل ما يمكن من أدوات ووسائل تساعد في تعميق الوعي الثوري في نفوس الجماهير، وإيصال رسالة الثورة لكل إنسانٍ داخل الوطن وخارجه، فتنويع الوسائل والأدوات وتفعيلها هو عاملٌ مشجعٌ على بقاءِ الثورةِ حية تنبض، ويضمن عدم جمودها وتقوقعها.

ومن بين الأدوات التي يجب على كل ثورة حسن استثمارها، هي الأغنية بوصفها سلاحًا ناعمًا عابرًا للقلوب؛ لما لها من قوة تأثير في نفوس الجماهير، فهي تبين لهم أن عليهم حب الوطن، ولماذا عليهم أن يحبوا وطنهم؟ وكيف يحبون وطنهم؟ وتحرضهم على ضرورة الدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي، كما في حالتنا الفلسطينية.

فالأغنية الشعبية من التراث الشفهي المنقول من الأجداد للآباء للأبناء؛ لذا تحتل مكانة رمزية ذات قيمة عالية عند الجميع، ويتداولونها فيما بينهم بكل اقتدار وبكل افتخار.

وقد جسدت الأغنية الواقع الفلسطيني وعبرت عنه بكل تفاصيله، فنجد أغاني تتحدث عن حب الوطن والاشتياق والحنين له، وعن الثورة، وعن الغربة، والهجرة، والنكبة، والمخيم، والانتفاضة بكل مراحلها، وعن رجال الثورة بكافة أطيافهم السياسية، كما تضمنت الأغنية الشعبية صورًا واضحة من العادات والتقاليد التي يتحلى بها شعبنا الفلسطيني، إذ تحدثت عن طقوس الزواج، والأفراح والنجاح، والأحزان، والصبر، والكرم، والنخوة، وغلاء المهور، وطقوس الختان، وطقوس مواسم حصاد الثمار، ولعب الأطفال، وبناء البيت، وأغاني تطرقت لأدوات معيشية تركها الفلسطينيون في قراهم التي هجروا منها، وتناولت بطاقة التموين، وبابور الكاز والبيت القديم، وكانون النار في الشتاء، واجتماع الناس حوله، والأواني الفخارية، وأغان تتغزل بالبندقية، وتمدح المقاوم، وتقدح المساوم، ولم يغب الإسلام عن الأغاني الشعبية، وأغان تتحدث عن حصار غزة، وتشيد ببطولات الشهداء والجرحى والأسرى والمرأة الفلسطينية، وهي بذلك تعكس البيئة والحالة النفسية، والعادات الملازمة للشعب الفلسطيني.

ولم تقتصر الأغنية الشعبية على وصف ما حدث في الماضي واستحضاره، أو على وصف ما وقع من حوادث حالية، بل إن بعض الأغاني تتحدث عن رؤية مستقبلية عن الواقع الفلسطيني، وإننا سنحرر بلادنا وسنرجع لها ونطرد الغزاة منها، وقد برز تأثير وضوح الأغاني ذات الصبغة المستقبلية في مسيرة العودة، إذ ظهرت أغنية «راجع مش راح أبقى لاجئ مش راح اظل عايش في الملاجئ»، وقد غنت فيروز أغنية تحمل المعنى نفسه، حين قالت: «سنرجع يومًا إلى حينا، ونغرق في دافئات المنى».

إن الأغنية الشعبية كانت وما تزال شكلًا من أشكال مقاومة الاحتلال، وأذكر أنه في الانتفاضة الأولى كانت قوات الاحتلال تمنع إذاعة الأغاني الوطنية الحماسية في بيوت عزاء الشهداء؛ لأنها تدرك قدرة الأغنية على التأثير في نفوس الجماهير، وتخشى من تحريضها لهم على المواجهة، وكانت قوات الاحتلال تصادر أي اسطوانة تعرف أن بها أغاني وطنية حماسية، لكنها لم تستطع منع انتشارها، أو مراقبتها والحد من تأثيرها؛ لأنها كانت تنتشر كالنار في الهشيم وكان الناس يحفظونها في قلوبهم.

إن الأغنية الشعبية كانت حاضرة في قلب وعقل الفلسطيني أينما حل وارتحل، وأذكر أنه حينما كنا ننظم ملتقيات للجالية الفلسطينية في المغرب، أو في المؤتمرات الطلابية، أو معارض الكتاب، كانت الأغنية الشعبية حاضرة وبقوة؛ لأنها جزء من أدوات التأثير في الآخرين، وكسب تأييدهم للقضية الفلسطينية.

ومن أهم الأغاني الشعبية «ظريف الطول» و«مشعل» و«الميجنا» و«الدلعونا» و«يا حلالي ويا مالي» و«الموال»، ومن أشهر من غنى الأغاني الشعبية، أبو عرب، وشفيق كبها، وعلاء الجلاد، وميس شلش، وسميح شقير، وسناء موسى، ومحمد عساف، وكثيرون.

أختم بأنه حتى الأغنية الفلسطينية لم تسلم من الغطرسة الصهيونية، إذ يحاولون تحريف كلماتها وإعادة تسجيلها بموسيقى عبرية؛ كي توحي بأن هذه الأغنية هي أغنية يهودية عبرية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد