يشكل المسجد الأقصى واحدًا من أبرز ميادين التفاعل، على الصعد الفلسطينية والعربية، لما يعانيه من تهويدٍ واقتحامات شبه يومية، وفي سياق قراءة مستويات هذا التفاعل وأشكاله، نقدم في هذه السلسلة من المقالات، قراءة عامة لهذا التفاعل، فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا، وأخيرًا على المستوى الرسمي الدولي، ونحاول عبرها تسليط الضوء على أبرز نقاط التفاعل بالتوازي مع تقديم قراءة عامة لتطوره أو تراجعه.

ويظلّ التفاعل الفلسطيني مع شؤون الأقصى وما يعانيه من اعتداءات دائمة، مؤشرًا بالغ الأهيمة، إذ يؤسس المسارات الأساسية للعمل الفلسطيني، وهي مسارات تبدأ من رفد القدس والأقصى بالمكون البشري، ولا تنتهي بإظهار معاناة المقدسات والمقدسيين من التهويد وما تقوم به أذرع الاحتلال في المحافل الدولية والمنظمات ذات الصلة. وفي هذه المادة يمكننا وضع ثلاثة مستويات أساسية للتفاعل الفلسطيني:

الأول: التفاعل السلبي، وهو تفاعل بالتصريحات والبيانات فقط، من دون أي انعكاس على الأداء والفاعلية، وهو ما تقوم به السلطة الفلسطينية عامة.

الثاني: تفاعل سياسي وميداني، ولكنه محدود وخاضع لظروف مختلفة خاصة في الضفة الغربية والمناطق المحتلة الأخرى، وهو تفاعل الفصائل الفلسطينية.

الثالث: تفاعل ميداني كبير، والتحام مباشر مع الاحتلال، وهو تفاعل المقدسيين وفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948.

وفي ما يأتي نستعرض أبرز محطات التفاعل الفلسطيني مع الأقصى في عام 2020.

الفصائل الفلسطينية رفضٌ حاسم لـ«صفقة القرن»، ودعوات متكررة لمواجهة اقتحامات الأقصى

أمام محاولات إدارة ترامب إنهاء القضية الفلسطينية بشكلٍ كامل، شكل رفض «صفقة القرن» أبرز المواقف التي وحدت مخلتف الفصائل الفلسطينية، مع مطالباتها المتكررة للسلطة الفلسطينية بإطلاق يد المقاومة في الضفة الغربية المحتلة للدفاع عن القدس والأقصى، محذرة من أن السماح للمستوطنين باقتحام المسجد الأقصى سيؤدي إلى انفجار الأوضاع، مع التمسك المستمر بالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وبأن المسجد الأقصى حقٌ إسلاميٌ خالص.

وتُظهر المعطيات أن اقتحامات المسجد الأقصى أبرز ما تفاعلت معه الفصائل، ومن أبرز المواقف الصادرة عن حركة حماس، في 7 يناير 2020 أن الحركة دعت إلى تصعيد المقاومة والتصدي لاقتحامات الأقصى، وحذرت من انفجار الأوضاع، مع استمرار أذرع الاحتلال اقتحامها للأقصى. وفي 29 مايو (أيار) 2020 دعا إسماعيل هنية الملك الأردني عبد الله الثاني، وقادة الدول العربية والإسلامية، إلى تحمل المسؤولية الدينية والتاريخية تجاه ما يجري في المسجد الأقصى. وفي كلمة له بمناسبة يوم القدس العالمي في 20 مايو 2020، دعا هنية الأمة الإسلامية إلى وضع خطة شاملة لمواجهة الخطر الذي يهدد مدينة القدس.

ومن مواقف حركة فتح البارزة، إدانتها اعتداءات الاحتلال الدائمة على المسجد الأقصى، ومطالبة الفلسطينيين بضرورة الرباط في الأقصى، وأداء الصلوات فيه، للتصدي للاحتلال ومستوطنيه. ورأت فتح أن محاولات اقتحام المسجد الأقصى دليل على استخفاف «إسرائيل» بالأمة العربية. ودعت الشعب الفلسطيني إلى رصّ الصفوف، وتعزيز الوحدة الوطنية.

ولم تكن مواقف الفصائل الفلسطينية مختلفة عن مواقف حركتي فتح وحماس، إذ كان رفض صفقة القرن وما تضمنته من استهداف للقدس والأقصى، إضافةً إلى إدانة انتهاكات الاحتلال بحقهما، والدعوة إلى تصعيد المواجهات مع الاحتلال. ومع أن غالبية التفاعل كان عبر البيانات والتصريحات لقادة هذه الفصائل، يسجل لها تنظيمها العديد من الفعاليات الشعبية، المتفاعلة مع ما يجري في الأقصى، ومشاركتها في المسيرات والمهرجانات والوقفات التضامنية والندوات والإضرابات نصرة للأقصى. وعلى الرغم من التفاعل الشعبي الجيد، شكلت التدابير الصحية لمواجهة كورونا، وعدم سماح السلطة الفلسطينية لتطور هذا الحراك الشعبي، عوامل أعاقت تطور الفعل الشعبي الفصائلي، خاصة في الضفة الغربية المحتلة، ولم تستطع الفصائل الاشتباك مباشرة مع الاحتلال، أو تغيير قواعد الاشتباك في الأقصى في عام 2020.

السلطة الفلسطينية عجز الأداء وأزمات لا توقف التنسيق الأمني

لم تكن مواقف القيادة الفلسطينية بعيدةً من حالة العجز تجاه ما يجري في القدس والأقصى، ويظهر هذا العجز في خطابها ومواقفها وأدائها. فعلى الرغم من إدانة السلطة لما تقوم به سلطات الاحتلال من تهويد واعتداء ورفضها اقتحام المسجد الأقصى، إلا أنها لم تترجم هذا الرفض إلى خطوات عملية على أرض الواقع، وبقي هذا الرفض حبيس البيانات والتصريحات الرسمية.

وعلى الرغم من أن إرهاصات «صفقة القرن» بدأت بالظهور منذ دخول ترامب إلى البيت الأبيض، لم تتخذ السلطة أي إجراءات عملية لوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال أو لمواجهة التغول الأمريكي، ولم يكن قرار تجميد أي اتصال مع الاحتلال صادرًا عنها، بل صدر عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في شهر مايو 2020، وتضمن «إنهاء العمل بالاتفاقيات والتفاهمات التي تنكرت لها إسرائيل، بما في ذلك التنسيق الأمني الذي تمّ وقفه اعتبارًا من تاريخه»، وأكدت اللجنة إنهاء العمل بالاتفاقية الأمنية مع الإدارة الأمريكية الحالية.

وعلى الرغم من الوعود المتكررة بإيقاف التنسيق الأمني ردًا على انتهاكات الاحتلال صرح وزير الشؤون المدنية الفلسطيني حسين الشيخ في 8 يونيو 2020 لصحيفة نيويورك تايمز، أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية «ستستمر في الحفاظ على القانون والنظام»، ومُحاربة ما وصفه بـ«الإرهاب»، ومنع «العنف والفوضى»، مشددًا على أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية لن تسمح بـ«إراقة الدماء». وأعلن أن قوات الأمن الفلسطينية ستعتقل أي فلسطيني في الضفة يريد تنفيذ عملية فدائية ضدّ جيش الاحتلال، وأنهم سيحذرون الاحتلال إن كان الفدائي في المناطق المحتلة. ما يجعل إيقاف التنسيق ليس إلا محاولة لحفظ ماء وجه السلطة، في مقابل استمراره عمليًا، لخدمة الاحتلال ومصالحه.

المقدسيون وفلسطينيو 48: خط الدفاع الأول عن القدس والأقصى

يظل الفلسطينيون في القدس والمناطق المحتلة عام 1948 أبرز فاعل في الدفاع عن القدس والأقصى، إذ يشكلون خط الدفاع الأول في وجه اعتداءات الاحتلال، واقتحامات مستوطنيه، وعلى الرغم من تصعيد أذرع الاحتلال هجمتها بحق العنصر البشري في الأقصى، استطاع الفلسطينيون ابتكار أدوات جديدة للدفاع عن الأقصى، ما أربك الاحتلال، وعرقل مخططاته، فقد حول الفلسطينيون في المناطق المحتلة قدرتهم على الوصول إلى الأقصى، إلى أداة لرفد الأقصى بالعنصر البشري.

وشكلت أبرز هذه الأدوات نقل مبادرة «الفجر العظيم» من المسجد الإبراهيمي إلى المسجد الأقصى، إذ دعا الحراك الشبابي في القدس إلى تكثيف الوجود في مصلى باب الرحمة، يوم الجمعة 10 يناير 2020، حيث أدى آلاف المقدسيين صلاة الفجر في الأقصى، وبعد انتهاء الصلاة جاب المصلون أحياء البلدة القديمة مهللين مكبرين، وانسحبت قوات الاحتلال إلى الشوارع الجانبية. وهو ما تكرر في 17 يناير 2020، حيث أدى آلاف المصلين صلاة الفجر، على الرغم من العقبات التي وضعها الاحتلال؛ وبحسب وسائل إعلام عبرية، تفاجأ الاحتلال بحجم الاستجابة لهذه الحملة. وبعد توقف هذه المبادرة خلال مدة إغلاق الأقصى بسبب انتشار وباء كورونا، عادت في 5 يونيو 2020 تحت عنوان «جمعة تجديد العهد».

وإلى جانب الدور الجماهيري في الدفاع عن الأقصى، كان للعديد من الشخصيات دورٌ فاعل في هذا الحشد الجماهيري، وفي تعرية ما تقوم به أذرع الاحتلال ومنظماته المتطرفة، وتعرض هؤلاء الرموز للاستهداف والاعتقال والإبعاد بشكل متكرر في عام 2020، من أمثال الشيخ رائد صلاح، وخطيب الأقصى الشيخ عكرمة صبري، ورئيس مجلس الأوقاف في القدس الشيخ عبد العظيم سلهب، ونائبه الشيخ ناجح بكيرات، والمحامي خالد زبارقة، إضافةً إلى العشرات من المرابطات والمرابطين، الذي يرابطون في الأقصى بشكلٍ دائم، ويواجهون الاحتلال وتغول مستوطنيه.

أخيرًا، قراءة التفاعل الفلسطيني ليس من باب محاكمة أطراف ومدح أطراف أخرى، بقدر ما هو محاولة لقراءة جوانب القوة والضعف في سيرورة التفاعل الفلسطيني مع ما يجري في المدينة المحتلة، خاصة أن تفاعل الجهات الثلاثة التي تناولها المقال، قادرٌ على إحداث نقلة نوعية في حجم هذا التفاعل وتأثيره، ما ينعكس إيجابًا على واقع المسجد الأقصى، ويدفع الاحتلال ليتراجع عن مخططاته واعتداءاته، بل يمكن أن يعيد رسم خريطة المواجهة مع المحتلّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد