تعيش القضية منذ ثلاثين عامًا حالة تيه عام، وتضارب بين البرامج، وهنالك أربع محطات رسخت هذا التيه وزادت تعقيداته.

– محطة أوسلو: أوسلو أتت بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وتزامنت مع النمو الأول لحركات المقاومة الإسلامية، وهنا بدأت حالة التناقض الوطني والاستقطاب الداخلي الفلسطيني.

– محطة انتخابات 2006: وهنا ازداد المشهد تداخلًا بعد فوز حركة حماس ودخولها مؤسسات السلطة.

أولًا؛ لأن منهاج الحركة مناقض لمنهاج السلطة المنبثقة عن أوسلو، ثانيًا رفض السلطة تسليم الحكومة صلاحياتها، ابتدأ الاقتتال الداخلي، وهو ثاني أسوأ تجليات حالة التناقض خلال الثلاثين سنة الماضية.

محطة 2007: حين سيطرت حركة حماس على قطاع غزة عسكريًّا، وهذا نقل حالة التناقض الوطني إلى حالة تمايز واضح، الضفة تسيطر عليها فتح، وغزة تسيطر عليها حماس.

محطة العقوبات على غزة: وعقوبات السلطة على غزة كانت أسوأ تجليات حالة التناقض الوطني، لسببين:

الأول؛ أنها عقوبة جماعية لكل ما هو داخل قطاع غزة، واستعمال الشعب ومعاناته أداة للابتزاز بين طرفي الانقسام.

الثاني؛ اضطرار القوى في غزة للتعامل مع أطراف خارجية تعاملًا خارج أطر ومؤسسات السلطة الرسمية، وهذا عمق حالة التمايز، ومهد لفكرة الاستغناء عن مؤسسات السلطة الرسمية تمامًا.

ما الحل إذن؟

أنا هنا لا أطرح الحل بل أرسم المسار الواجب اتباعه – حسب وجهة نظري – للوصول إلى الحل الذي يخرجنا من حالة الاستقطاب الداخلي والتناقض الوطني:

1. الحل يبدأ من أعلى

مشكلة كل اتفاقات المصالحة وجولاتها، وسبب فشلها جميعها أنها تطرح خارطة طريق تبدأ من من أسفل لأعلى؛ أي من تفاصيل المؤسسات وصولًا لمنظمة التحرير، وإعادة بنائها، وهنا نضيع في التفاصيل وفوضى السلطات؛ فيتوقف التطبيق أمام عقبات التفاصيل.

والانتخابات المطروحة ستكون فاشلة أيضًا على غالب الظن؛ لأنها تسير في المسار ذاته الذي فشل خلال 13 سنة من جولات المصالحة، ومحاولات خلق التوافق.

مشكلتنا الوطنية، والتي نتج منها الانقسام، ليست مشكلة تفاصيل، بل مشكلة منهاج وطني وخلاف حول الإجابة عن الأسئلة الأساسية، التي تكون المنهاج الوطني الفلسطيني.

فأي خارطة طريق جادة لإنهاء حالة الفوضى في الواقع الفلسطيني، يجب أن تبدأ من منظمة التحرير.

2. البداية الناجحة للحل يجب أن تبدأ بانتخاب المجلس الوطني لمنظمة التحرير، وأن يكون الانتخاب من الكل الفلسطيني، بما فيهم فلسطينيو الشتات؛ لأن منظمة التحرير الممثل الشرعي للكل الفلسطيني، وليس لأهل الضفة وغزة والقدس فقط.

3. يجب أن نعي أن المشكلة في تناقض البرامج الوطنية، وليست مشكلة إدارة مؤسسات، ولا مشكلة التجاوزات التي حصلت من أطراف الانقسام للقوانين الدستورية.

4. بعد انتخابات المنظمة وتشكيل مجالسها، تضع هذه المجالس برنامجًا وطنيًّا واحدًا يسير فيه الجميع.

5. البرنامج الوطني الواحد لا يعني «إما، أو»، بل يمكن للبرنامج الوطني الواحد أن يزاوج بين جميع البرامج الوطنية القائمة.

6. صياغة البرنامج الوطني الواحد يبدأ بتحديد حدود القضايا الإشكالية الأساسية بالإجابة عن عدة أسئلة.

أهم هذه الأسئلة

ماذا نريد كفلسطينيين؟

وما الثوابت؟

وما ترتيب هذه الثوابت حسب الأولوية؟ وإجابة هذا السؤال ضرورية للإجابة عن السؤال التالي المهم جدًّا:

ما حدود المرونة التي يمكن تقديمها في الثوابت إذا أتت فرصة الوصول لحل نهائي للقضية؟

وبعد تحديد أرضية الثوابت ننطلق نحو الإجابة عن الأسئلة التطبيقية:

ما الأدوات التي ستتبناها المنظمة للوصول إلى التحرر؟

كيف يمكن للبرنامج الوطني أن يزاوج بين البرامج الحالية؟

والبرامج الحالية وصلت لنتائج ومنجزات مهمة؛ فالمقاومة وصلت لمنجزات عسكرية وأمنية مهمة، والسلطة وصلت لمنجزات مهمة على صعيد السياسة الدولية.

كيف سنبني على هذه المنجزات داخل إطار واحد لا أطر متفرقة ومتناحرة؟

وبناء على هذه التفاهمات على المنظمة صياغة ميثاق وطني جديد وواضح المعالم.

7. يجب استفتاء الشعب في القضايا الجوهرية الخلافية.

8. يجب إشراك النخب الفلسطينية العلمية، والثقافية، والأكاديمية، في صياغة البرنامج الوطني الفلسطيني.

9. بعد الانتهاء من خلق الأرضية الواحدة، يجب إعادة النظر في الشكل الحالي للسلطة الفلسطينية، سواء من ناحية البناء المؤسساتي، بحيث لا تتكرر أخطاء الماضي من فساد واستحواذ، أو من ناحية معنى السلطة ذاتها، هل هي سلطة أم دولة، وهل وجودها أجدى لمسار القضية أم حلها.

10. بعد الاتفاق والتقرير في شأن السلطة وفي تفاصيلها، تصدر المنظمة مرسوم الانتخابات لينتخب الشعب المؤسسات التي تقرها المنظمة داخل جسد السلطة، وهنا أنبه لضرورة إنشاء هيئة تابعة لمنظمة التحرير لمكافحة الفساد داخل مؤسسات السلطة.

11. لا أؤيد وجود المستقلين كمستقلين داخل منظمة التحرير؛ لأن الفعل الوطني تحت الاحتلال يحتاج لحركات واضحة المنهاج والرؤية.

المستقلون فرادى جهدهم مبدد، وفي كثير من الأحيان تستميلهم القوى السياسية القائمة.

فعلى المستقلين تشكيل تيارات أو حركات جديدة، ذات مناهج واضحة وإصلاحية، وهذه التيارات والحركات الجديدة مهمة لإنعاش الحالة الوطنية، ولزيادة الضغط على الفصائل القائمة؛ لكيلا تبقى المسائل الوطنية رهينة البرامج الحالية المتصارعة.

بالنسبة لي أرى هذا المسار هو المسار الوحيد لإعادة إنعاش القضية، وتصويب الكوارث التي حدثت في الثلاثين سنة الأخيرة، وإنهاء حالة صراع البرامج القائم بين الفصائل الفلسطينية.

أما الانتخابات التي تبدأ من داخل مؤسسات السلطة، فهي انتخابات لا معنى لها، وربما تزيد من حالة الانقسام وحالة التيه الفلسطيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد