تعتبر تلك المواجهات الدائرة الآن في الأرض المحتلة مواجهات مثقولة بأسباب قيام الانتفاضتين السابقتين لها وأهدافهم أيضًا، حيث إنهم فشلوا في تقديم الهدف النهائي من الانتفاضة وهو التحرير، كما سطر الفلسطيني أيضًا مبادئ المقاومة والالتفاف حول علم واحد وهو العلم الفلسطيني.

كما نجد أن في أحد جوانب تلك المواجهات العنيفة أسباب الأحباط الذي تم تشكيله على مدار سنوات عديدة لتكون حائطًا صلدًا يقف في مواجهة التراجع.

هذا التراجع الذي يتمثل في حالة التأخر السياسي غير الملائم لمجريات الأمور على أرض الواقع، مما صنع إحباطًا بين صفوف الجماهير المنتمين لفكر الانتفاضة، فجعل هذا الفكر يتأخر عن المرتبة الأولى، مما سمح بتقدم خيارات أخرى مثل المفاوضات.

أما عن الواقع الذي نتحدث عنه، فهو أننا نرى أن المدينة المقدسة تُسحب من محيطها العربي والإسلامي تحت وطأة سلطة الاحتلال من خلال عمليات التهويد التي يجريها الاحتلال للحجر قبل الشجر، حيث إنه وبعد آلاف السنين أصبحت هناك قدس شرقية وأخرى غربية، حيث لم يقف المحتل على تغير الجغرافيا بل طال هذا العفن الأسماء العربية التاريخية حيث عملت حكومة الاحتلال على طمس أسماء القرى والمدن الفلسطينية وعبرنتها.

إذ تمثل ذلك جليًا في أول ثلاث سنوات للنكبة حيث قررت لجنة حكومية احتلالية تغيير أسماء 194 موقعًا فلسطينيًا، وفي السنتين التاليتين (1951-1953) وبعد أن أُلحقت اللجنة بديوان رئيس الوزراء وانضم إليها 24 من كبار علماء التاريخ والتوراة، تم تغيير 560 اسمًا، وما زالت المحاولات سارية حتى اليوم. وما رافق ذلك من عمليات الاستيطان الكبرى وعمليات التهجير التي طالت الكثير من الفلسطينيين والتوسع في بناء جدار الفصل العنصري الاستيطاني.

كل تلك المجريات عملت على زيادة الاحتقان لدى الفلسطينيين، وما زاد الأمر سوءًا، بل يثير الأمر امتعاضًا هو أن في الآونة الأخيرة تصاعدت وتيرة الدعوات المماثلة لدعوة الحاخام «يهودا غليك» الذي توعد كثيرًا وبشر بقرب تحويل المسجد الأقصى إلى هيكل في وقت قريب.

كما تزعم العديد من عمليات الاقتحام الممنهجة للأقصى، كما صار الاعتداء على المصلين أمرًا يوميًّا، وتزايدت قرارات منع فئات عمرية من الدخول للحرم، وغلقه تارة وإخلاؤه تارة أخرى مما شكل حالة فريدة من التعبئة الفكرية المناهضة لأي شيء سوى التحرير.

إن الأسباب التي تؤدي إلى إحباط التطلع إلى التحرير، يمكن أن تكون هي نفسها التي تؤدي إلى الجهة المقابلة، يتأتى ذلك على نسق نظرية التعبئة الفكرية التي من شأنها تقديم النموذج الأفضل من الانتفاضة.

وفي أثناء ذلك أدلى رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس» بخطابه الذي لوح فيه بإنهاء التزام السلطة باتفاقية أوسلو ما بين السلطة الفلسطينية وكيان الاحتلال، حيث كان ذلك الخطاب بمثابة إشارة البدء، إذ إن في تبعاته إنهاء التنسيق الأمني ما بين الاحتلال والشرطة الفلسطينية، ما كان يعتبر عائقًا أمام وصول الجماهير المنتفضة إلى أماكن التماس مع جنود الاحتلال والاشتباك معهم.

إن العشوائية في تنفيذ عمليات الطعن والدهس للصهاينة الآن، هو التنظيم المتقن الذي لا يستطيع أن يجابهه الاحتلال، حيث إن وخلال الفترة المنصرمة، ضُرب عمق الاحتلال الأمني من خلال تغلغل عمليات الطعن والدهس المتفرقة إلى قلب المستوطنات والمدن المحتلة.

بل ما يزيد الأمر تخبطًا في حسابات المحتل، هو أن الإحصائيات تقول إن النسبة الأكبر للمستهدفين من عمليات الطعن التي تُنفذ من النقطة صفر هي لجنود الاحتلال وقوات الشرطة، هذا ما يعكس في طياته مسافة الإنزال الفكري خلف خطوط العدو، وما يطرح للانتفاضة حسابات أخرى.

وفي هذة الفترة كثيرًا ما يطرح الخلاف القائم حول التسمية التي يجب أن تلحق بما يحدث في فلسطين، هل هي انتفاضة، أم هبة جماهيرية شاملة؟

والأصل في الموضوع أن الانتفاضة عندما تولد تلحق بها عوامل الاستمرار ومقوماته، أما الهبة الشعبية فيكون أساسها سببًا أو عدة أسباب، حيث ينطفئ وهجها وقت القضاء على تلك الأسباب، فإن المواجهات التي تخرج من تحت عباءة كل تلك السنين، والتي تخرج من تحت وطأة أجهزة السلطة الفلسطينية المتواطئة مع الاحتلال المنسقة معهم أمنيًّا، والتي تفرز من الشهداء الكثير كل يوم، والتي يكون شعارها القدس، وقبلتها ومصدر قوتها ووجهتها المسجد الأقصى، حتمًا هي انتفاضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد