ملخص عام

قبل عام تقريبا انطلقت هبة القدس، وأثخنت تلكم الهبة في الإسرائيليين، وذلك في أعقاب حرق الشاب محمد أبو خضير، وتوقع كافة المراقبين اندلاع الأوضاع ثانية في القدس؛ بسبب السياسات الرسمية، وتوحش وتغول المستوطنين، الذين باتت شوكتهم أشد في الحكومة الراهنة، وكان تشديدهم على اقتحامات يومية للمسجد الأقصى قد توجت باقتحامات سياسيين يمينيين ووزراء أدت إلى مواجهات داخل الأقصى مع المرابطين والمرابطات، أفضت إلى إخراج المرابطين وطلبة مصاطب العلم عن القانون مطلع أكتوبر الماضي، علما أنَّ هذه المجموعات ليست جمعيات مسجلة.

حتى كتابة هذه السطور سقط أكثر من 78 شهيد فلسطيني، وأكثر من عشرة آلاف مصاب بإصابات مختلفة، مقابل مقتل 11 إسرائيليا، وأكثر من 257 مصاب معظمهم بإصابات متوسطة فما فوق. ومن أهم النتائج الفورية لهذه الانتفاضة أنها أكدت حقيقة (ليست مدينة موحدة) وأن الاحتلال يجب أن يزول، وعلى إسرائيل أن تختار بين دولتين لشعبين أو دولة فصل عنصري، وكان حاخامات الطائفة الأرثوذكسية  قد توجهوا للفلسطينيين بعدم قتلهم أبنائهم؛ لأنهم ليسوا من دعاة اقتحامات المسجد الأقصى، وهو ما يحمل معاني كبيرة تؤكد وتبين الشرخ السياسي والأيديولوجي داخل المجتمع والحالة السياسية الإسرائيلية.

 

خلفيات هذه الانتفاضة.

هناك مجموعة من الأسباب المباشرة وغير المباشرة لاندلاع الانتفاضة .

أولا: أسباب مباشرة.

يمكننا من خلال المتابعة للواقع الفلسطيني والإسرائيلي رصد مجموعة من الأسباب تقف وراء هذه الانتفاضة نشير إلى أهمها (ذي الصلة المباشرة):

1-الاعتداءات المباشرة اليومية على المسجد الأقصى والمطالبة المباشرة بتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا.

2-الاعتداءات الجسدية على المصلين وسدنة المسجد الأقصى ومنع الآلاف من المصلين دخول المسجد، فضلا عن مصادرة الهويات ومنع العشرات من أهل القدس من دخول المسجد.

3- السياسة الضرائبية التي انتهجتها بلدية القدس في العامين الأخيرين بتوجيهات مباشرة من الحكومة الإسرائيلية بحق التجار المقادسة .

4- سياسات الإفقار وهدم البيوت ومصادرة الأراضي في القدس والضفة الغربية.

5-الحرب المستمرة والمتصاعدة التي يمارسها الاحتلال بواسطة مؤسستي التأمين الوطني ووزارة خارجيته ضد المقدسيين من أجل سحب الهويات، وما نتج عنه من انعدام الاستقرار في حياة المقدسيين.

6-المعاناة المستمرة والمتصاعدة من الجدار والحواجز الاحتلالية، وكل ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على حياة المقدسيين (لا سيما حاجز قلنديا).

7- التهديد بسحب هويات المقدسيين خلف الجدار – الحديث عن ما لا يقل عن 100 الف مقدسي( لا سيما كفر عقب ومخيم شعفاط – وفقا لتصريحات نتنياهو مؤخرا)

8-حرق محمد أبو خضير وبيت آل الدوابشة.

9- توحش المستوطنين  وإفسادهم في الأرض وحمايتهم رسميا وقانونيا.

ثانيًا: في المقابل هناك أسباب غير مباشرة راكمت الغضب الفلسطيني وأدت إلى اندلاعها ومن هذه الأسباب:

1-التعاون الأمني الفلسطيني/الإسرائيلي وانتشار حالة الإحباط فلسطينيا في القدس والضفة.

2-البطش الإسرائيلي الرسمي وقوننة التنكيل وتحول الاحتلال إلى ابرتهايد.

3-سوء الأحوال المعيشية والاقتصادية في القدس ومناطق السلطة.

4- موجة من التشاؤم تعم الشارع الفلسطيني في ظل انسداد أفق المصالحة  الفلسطيني وتصلب الموقف الإسرائيلي وازدياد وتيرة الاستيطان في مناطق الضفة والقدس.

5-إعادة اعتقال الأسرى المحررين في صفقة وفاء الأحرار، سواء من قبل السلطة أو قوات الاحتلال.

 

التحليل العام.

من الضرورة أن نشير في هذا التقدير إلى أن هذه الانتفاضة تتميز بخمسة مميزات منحتها، حتى هذه اللحظات، نوعا من الألق والوهج:

1-إنها شبابية متجاوزة للحالة الفصائلية .

2- إنها ممتدة على طول الوطن الفلسطيني وترتفع وتنخفض تبعا للأوضاع الخاصة في كل منطقة جغرافية.

3- انخراط القطاع النسائي الشبابي في هذه الانتفاضة.

4-  التفاهم الشبابي الميداني على أرض المواجهات، واعتماد ما تيسر من أدوات للمقاومة كالسكين والمولوتوف والسيارة.

5- الميديا ودورها التفاعلي.

 

هذه المميزات للانتفاضة أربكت الجانب الإسرائيلي الذي اعتاد تحميل جهة محددة المسئولية وضربها بيد من حديد ، وهو ما أدى إلى هستيريا في القرارات والإجراءات وصل حد القتل على الشبهة والشك، وأدخل الاحتلال في آتون جرائم الحرب والقتل بدم بارد، وسن قوانين أقل ما يقال فيها إنها ذات طابع إرهابي.

 

النتائج الفورية للانتفاضة

 

1-حالة الرعب التي باتت تتأصل باستمرار وبوتيرة تصاعدية في كافة مكونات المجتمع الإسرائيلي.

2-الشرخ العميق الموجود أصلا بين مكوناتهم بدأ يتعرى، خاصة في ظل إعلان مجموعة من أحبار الطائفة الحاريدية بشقيها السفاردي والأشكنازي حرمة الصعود إلى المسجد، وتوجيههم بيانا رسميا باللغة العربية إلى الفلسطينيين مفاده أنَّ عليهم أن لا يوجهوا سكاكينهم إليهم؛ لأنهم ضد اقتحامات المسجد. واتهام العلمانيين الحكومة الراهنة أنها تتجه بالدولة إلى الدمار من أجل مصالح ضيقة وإرضاء لشهوات المتدينين الصهاينة.

3-الهجرة العكسية، بالذات من الشباب، والأسر الناشئة، وعوائل وحيدة المعيل، إلى استراليا وكندا.

4-تدخل أمريكي؛ كمحاولة لتخفيف حالتي الاحتقان والمواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

5- اعتراف إسرائيلي رسمي وشعبي أن القدس مدينة محتلة وليست موحدة.

6- تدهور المستويات المعيشية والحياتية لمجموعات عديدة من الإسرائيليين.

 

السيناريوهات المستقبلية المتوقعة للانتفاضة.

1-توقف الانتفاضة عبر اتفاقات تبرم بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبرعاية أكثر من طرف إقليمي ودولي.

2- استمرار الانتفاضة كما هو حالها بوتيرة منخفضة تستمر ولا تنقطع.

3-عسكرة الانتفاضة ودخول السلاح،  عبر استعمال الأسلحة النارية، لكن دون رعاية فصائلية.

4-عسكرة الانتفاضة تحت مباشرة ومسئولية الفصائل.

في هذا السياق لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّل ردود أفعال الاحتلال الإسرائيلي والسياسات التي ستنفذ على أرض الواقع في المستقبل القريب أثر كبير على السيناريوهات المستقبلية المتوقعة، وهو موضوع منفصل عن هذه الورقة، في التحليل لهذه الانتفاضة سنجد أننا أمام خمسة محددات تحدد واقع ومستقبل هذه الانتفاضة بناء على السيناريوهات المذكورة :

آ-محدد الإرادة .

ب- محدد الوعي

ت- محدد المادة ” المال” .

ث- محدد السيولة الوطنية الفلسطينية[1].

ج- محدد الأدوات

Untitled1

النتائج العامة

مما سبق يمكننا القول بأن الانتفاضة الفلسطينية في ظل المحددات: الإرادة والوعي والمحدد الوطني الذي يشهد ارتفاعا مضطردا في الأيام الأخيرة بسبب الانتفاضة ذاتها برسم أنها مغذية إيجابيا لهذه الروح سيحول دون توقف الانتفاضة نهائيا بقدر ما أنها ستستمر، ولكن بوتائر مختلفة يحكمها في ذلك الواقع الذي سيؤول إليه المسجد الأقصى، ومدى تعاون السلطة الفلسطينية وأقطار عربية مع الاحتلال في المجالات المختلفة وبالذات الأمنية، ومن الواضح أن استمرار الانتفاضة، ولو بوتيرة منخفضة، مرتبط أساسا بعوامل بمحددات الوعي؛ لأهمية الانتفاضة وحجم الخسائر التي ستدفع، ومرتبط بوعي ضرورة الإبداع في وسائل هذه الانتفاضة وبالإرادة التي يتمتع بها الفلسطينيون عموما، والشباب الفلسطيني وقود هذه الانتفاضة.

 

من الضرورة بمكان الإشارة إلى أنَّ التأكد من نتائج الانتفاضة هو بحد ذاته سيؤدي إلى استمرارها، بل توسع آفاقها، وخلق إبداعات ستتراكم نحو التحرير، وإذا ما تأسس فلسطينيا صندوق أو لجان تكفل أسر الشهداء بحياة كريمة، وكذلك أسر المعتقلين والمصابين فإنَّ هذه الانتفاضة ستستمر بوتائر مختلفة، وهو ما سيرهق الأمن والاقتصاد الإسرائيلي ومن يدعمها إقليميا ودوليا.

 

وستكون هذه الانتفاضة بفضل وتيرتها المعتمدة سياسة النفس الطويل والعمل الدؤوب ودخول العديد من التطبيقات وصفحات التواصل ستمنح هذه الانتفاضة بعدا شرعيا عالميا للشعب الفلسطيني وانتفاضته على الاحتلال، وسيدفع الاحتلال الإسرائيلي للبت بين أن يكون دولة احتلال وابرتهايد على غرار جنوب أفريقيا: دولة عنصرية تحكم أغلبية، بحيث تكون الضفة والقدس تحت السيادة الإسرائيلية، أو دولة تسعى للانفصال عن الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس، ولذلك فإنه وبناء على المحددات المذكورة والتحليل القائم فإننا نتوقع استمرار الانتفاضة بوتيرة منخفضة تستمر، ولا تموت، قد تتوقف لمدة، ثم سرعان ما تنطلق محدثة دويا هائلا، لا يحتمله الاحتلال الإسرائيلي، يتراكم لتحقيق المصلحة الفلسطينية والعربية العليا.

———————————————————————————————————————————————-

[1]-السيولة الوطنية مصطلح يطرحه كاتب هذه الورقة كتعبير عن الحالة” الوطنية”  العامة والخاصة التي يعيشها الفلسطينيون  والادوات المستعملة وطنيا بغض النظر عن الجهة او المجموعة المستعملة لهذه الاداة او تلك شريطة ان تكون هذه الادوات والوسائل المستعملة هدفها التحرر وكنس الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد