نقلت وسائل الإعلام عن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني قوله: أن إيران تتجه رسميًا لتعيين سفير لها لدى السلطة الفلسطينية، مما يدفع العلاقات لتحسنٍ بصورة كبيرة، وأن شهر أكتوبر 2015 سيشهد زيارة محمود عباس لإيران، ثم جاء تصريح مستشار مجلس الشورى الإسلامي للشؤون الدولية حسين شيخ الإسلام، لينفي ما أعلنه مجدلاني.

 

فما هي الدوافع وراء سعي السلطة الفلسطينية للتقارب مع إيران؟ ولماذا جاء الرد الإيراني لينفي مزاعم الزيارة؟ وهل ستفتح إيران أبوابها لعباس ومنظمة التحرير؟

 

وحتى نصل لإجابة مقنعة على هذه التساؤلات سنستعرض باختصار أبرز محطات العلاقة بين الثورة الإيرانية والقضية الفلسطينية، ومحددات علاقة إيران بالقضية الفلسطينية، وما تمثله القضية من أهمية للأمن القومي الإيراني.

 

(1)

لقد أورثت العلاقات الوطيدة بين إيران الشاه وكيان الاحتلال الصهيوني ردة فعل تجاه التقارب بين الثورة الإيرانية والثورة الفلسطينية، فقد التقى الخميني عام 1968 بياسر عرفات، وكانت بداية الاتصال بين الجانبين، إذ تكفلت حركة فتح بتدريب عناصر من منظمة مجاهدي الشعب الإيراني، وقامت بتزويدهم بالأسلحة، إلى أن نجحت الثورة الإيرانية بإزاحة الشاه عن الحكم في إيران وأَعلنت قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

وبعد عودة الخميني إلى إيران، حضر ياسر عرفات في 17 فبراير 1979 إلى طهران، ورفع العلم الفلسطيني على مقر البعثة الإسرائيلية حيث أصبحت مكتبًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتفاخر عرفات أثناء زيارته الأولى بقوله: “لقد دربت منظمة التحرير الفلسطينية في معسكراتها عشرة آلاف إيراني”.

 

لم يطل أمد العلاقة الدافئة بين فتح والثورة الإيرانية، فقد ساهمت عوامل عدة في فتور العلاقة، منها:

  1. رغبة الإيرانيين في التعامل مع تنظيم إسلامي، نظرًا للخلفية الدينية للثورة والشعارات التي نادت بها.
  2. طغيان التعصب للمذهب الشيعي على سلوك الإيرانيين تجاه أهل السنّة.
  3. تدخل حركة فتح في بعض الملفات الإقليمية العالقة بين إيران والدول العربية، ومنها قضية الجزر الإماراتية الثلاث، سعيًا من فتح لإثبات نفسها عنصرًا فاعلًا يستحق الثقة على حساب الطموح الإيراني.
  4. الحرب العراقية- الإيرانية في عام 1980م.

 

استمرت العلاقات بين المنظمة وطهران في شد وجذب حتى وصولها لنقطة تحول؛ بسبب معارضة إيران لاتفاقية أوسلو عام 1993.

 

وفي سبتمبر 2000 اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، إثر انهيار محادثات السلام في كامب ديفيد، فعادت العلاقات بين إيران والسلطة الوطنية، حين ادعى الاحتلال الإسرائيلي أن القوات الخاصة الإسرائيلية سيطرت في عُرض البحر على السفينة (كارين A) في عام 2002، وهي سفينة تحمل 50 طنًا من الأسلحة إلى قطاع غزة، قال الاحتلال الصهيوني حينها: أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حصل عليها من إيران.

 

ومع تصاعد أعمال المقاومة، ارتفع الدعم المالي لحركة حماس والجهاد الإسلامي، الأمر الذي أزعج السلطة الفلسطينية، واعتبروه مسببًا في الانقسام الذي حدث عام 2007، وزادت لغة التوتر وتبادُل الاتهامات في الإعلام بين السلطة وطهران، ولم تجد العلاقات نقطة التقاء وصولًا إلى يومنا هذا.

 

(2)

تخضع العلاقة بين إيران وتعقيدات القضية الفلسطينية لمحددين رئيسيين يمثلان جوهر السياسات الإيرانية تجاه القضية الفلسطينية؛ هما ثوابت الثورة، ومصالح الدولة “الأمن القومي”، فالنظام الإيراني يريد صك معادلة تبقيه لاعبًا أساسيًا في القضية الفلسطينية دون الإضرار بمصالحه القومية.

 

يضع البعد الثوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية فلسطين وقضيتها، ودعم المقاومة؛ في مقام إستراتيجي مهم، مما جعل القضية تحتل مكانة مميزة في سياسة إيران الخارجية على مستوى منظومة القيم الأيديولوجية، وعلى مستوى السياسات والأدوات المستخدمة للتعامل معها، الأمر الذي دفع إيران لمعارضة عمليات التسوية؛ فأصبحت معارضًا رئيسيًا في الإقليم للعلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يعترف بوجودها.

 

كما أن دعم القضية الفلسطينية يشكل مصدرًا مهمًا جدًا من مصادر مشروعية الثورة الإسلامية، وشرعية نظام الحكم في إيران، فإن أي تغييرات إستراتيجية على أهداف السياسة الخارجية الإيرانية تجاه القضية الفلسطينية – في ظل غياب أي تحول في السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط – من شأنه أن يُفقِد الثورة الإسلامية معناها ويضع الجمهورية الإسلامية في خطر أخلاقي مما سيعيد إيران لهويتها أثناء حكم الشاه.

 

(3)

تكمن مصالح إيران الإستراتيجية وأمنها القومي في الحفاظ على نفوذها في المنطقة، وبقاء واستمرار القوة الإيرانية، وفرض إرادتها كطرف رئيسي في معادلة توازن القوى وصياغة شكل نظام الأمن الإقليمي، ومن أهم ما يحقق ذلك هو الاستمرار في تطوير برنامجها النووي، والثبات على سياساتها تجاه الاحتلال الصهيوني المتمثلة في استمرار تقديم الدعم لحركات المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، سعيًا منها لتهديد المشروع الغربي في المنطقة المتمثل في الدولة الوظيفية الصهيونية.

 

ولضمان المصلحة القومية، عملت إيران على التحرك في مختلف ساحات التأثير والتأثر التي يمكن أن تخدم التوجهات الإيرانية في المنطقة، استنادًا للإرث التاريخي، مستخدمين قوتهم الناعمة.

 

(4)

إذًا فمصلحة إيران تقتضي التعامل مع من يحمل لواء المقاومة المسلحة في فلسطين، حتى وإن كان تنظيمًا غير إسلاميٍّ، نظرًا لاعتبارات أيديولوجية وثورية وسياسية وأمنية، دون أن تُغفل أهمية العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع الإقليم والعالم، الأمر الذي أدى للانفتاح المتبادل بين إيران والغرب خصوصًا بعد الاتفاق النووي.

 

أما السلطة الفلسطينية، فهي تنظر لإيران الآن على أنها دولة يمكن الاستفادة منها بعدة مجالات؛ منها السياسي والاقتصادي، بعكس النظرة السابقة التي كانت توجه لإيران بأن لها اليد في توتير الساحة الفلسطينية وتقوية خصوم السلطة السياسيين الفلسطينيين من حركات المقاومة الإسلامية.

 

وترى السلطة، أن الفرصة سانحة الآن لقطع الطريق على حركة حماس في علاقتها الفاترة مع إيران؛ سعيًا لزيادة الخناق عليها وزعزعة روابط الثقة بينها وبين حلفائها التقليديين أملًا في إرباك مواقفها، وكان ذلك نتيجةً لغياب إدراك السلطة لجوهر العلاقات بين إيران وقوى المقاومة، الأمر الذي وضحته إيران بأن: علاقتها بحركة حماس علاقة إستراتيجية، مؤكدةً أن الخلافات قد وُضعت جانبًا فيما يتعلق بالموقف المتباين إزاء الأزمة السورية، بل جاء التأكيد على الترحيب الإيراني بزيارة وفد حماس وأن هناك ترتيبات تعد لذلك.

 

(5)

لا شك أن إيران في تطورات متلاحقة على المستوى السياسي الخارجي والداخلي، مما يتطلب انتهاجَ سلوكٍ سياسيٍ قد يكون مغايرًا لما عُهد عنها فيما قبل، إلا أنه لن يمس الثوابت، وسنرى إيران منفتحةً على العديد من الساحات الجديدة، وقد يكون من تلك السياسات اعتماد السفير الإيراني في الأردن، مجتبى فردوسي بور؛ سفيرًا غير مقيمٍ لفلسطين، وقد يُستقبل محمود عباس في طهران في إطار إثبات انفتاح إيران الخارجي، إلا أن دعم فصائل المقاومة سيبقى ضمن أولويات طهران وإن تضاءل قليلًا نتيجة بعض التطورات السياسية والاقتصادية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد