أغاني المهد

لدى كل شعب أغانيه الخاصة التي تغنيها الأمهات لأطفالهن قبل النوم، أغانٍ هي في الغالب ذات رتم بطيء هادئ تصاحبها تربيتات حنون مهدهدة من يد الأم على ظهر طفلها، لتلك الأغاني ولا شك تأثير مهم على لاوعي الطفل وإدراكه للعالم. فكما يخبرنا الأطباء المختصون في علم نفس وسلوك الأطفال فإن الطفل في سنوات حياته المبكرة يكون أشبه بالإسفنجة التي تمتص كل ما يعرض عليها من مؤثرات العالم الخارجي فكيف إن كانت تلك المؤثرات أغنية بصوت أمه؟

وكما لكل أمهات الدنيا أغانيهن التي يغنينها لأطفالهن في المهد فللأم الفلسطينية أغانيها الخاصة، أغانٍ قد تبدو كلماتها ومعانيها مختلفة تمامًا عما تغنيه باقي الأمهات حول العالم، كلمات أبعد ما تكون عن عالم الطفولة، ربما هي تنفيس لكل ذلك البخار المتصاعد في رأسها طوال 60 عامًا من الصراع، ليس فقط صراعها كمرأة مع عالم لا يزال يصر على غبن حقوقها ولكنه بالإضافة لذلك صراع آخر مع الاحتلال مع الموت مع الأسر مع سقف جدران بيتها البارد في المخيم.

هبت النار والبارودِ غنى
أطلب شباب يا وطن وتمنى
وهبت النار من عكا للطيرة
كمشة صغار ربيوا عالحصيرة
وهاي صاروا كبار وما نسيوش الديرة
ومين اللي ينسى فلسطين الجنة

لا يعرف تمامًا من هو مؤلف هذه الأغنية الشعبية الفلسطينية، أغنية رغم أنها تتحدث عن الأطفال والجنان إلا أن رائحة البارود والنار والثورة تطغى عليها، ما زلت أتذكر دقات قلبي وأنا ذات الست سنوات وأنا اسمعها بصوت أمي الحنون الرخيم قبل النوم وكفها الدافئ يربت عليّ في دقات رتيبة منتظمة، تلك الكلمات التي من المفروض أنها تغنيها كما كل الأمهات من أجل نوم طفلها كانت تخلق في مخيلة ذلك الطفل عوالم مسحورة من جبال وأنهار وفردوس مفقود اسمه فلسطين، وأصوات المعارك وصور الأبطال التي يراها يوميًّا على التليفزيون. لكن هذا ليس موضوعنا.

وهبت النار كرامة كرامة
الفلسطينية ومع كل النشامى
طلوا فدائية وويله اللي يتعامى
فجر الحرية بالدما يتحنى

وأطلب شباب يا وطن وتمنى

أغنية أمي كانت تخبرنا وكالعادة بأن الوطن يطلب فدائيين يطلب نشامى شباب رجال بسواعد مفتولة وأعين ملتمعه لتتداعى في ذهنك كطفل عشرات من الصور والأيقونات الفدائية محمد جمجوم، يحيى عياش، عبد الله البرغوثي، والعشرات والعشرات من الرجال الملثمين مع بنادقهم، لكن وعلى ما يبدو فإن نساء فلسطين كن يعرفن ما هو أفضل.

وهبت النار بشاير بشاير
وهالشعب واحد مش عيل وعشاير
بدمه جاهد وتحمل خساير
وع الثورة عاهد تنحرر موطنا

دلال مغربي

في عام 2008 بدأ العالم (أو على الأقل الأجيال الجديدة) يكتشف لأول مره قصة تلك الفتاة العشرينية ابنة مخيم صبرا للاجئين الفلسطينيين في لبنان على إثر عملية تبادل الأسرى التي تمت آنذاك بين حزب الله وإسرائيل.

من هي دلال مغربي؟

ولدت دلال في إحدى المخيمات الفلسطينية القريبة من بيروت عام 1958 لأب فلسطيني وأم لبنانية كانت أسرتها قد نزحت عام 1948 من مدينة يافا الساحلية التي تقع اليوم ضمن بلدية تل أبيب، تلقت تعليمها في مدرسة يعبد ثم في مدرسة حيفا التابعه لوكالة غوث اللاجئين ثم عملت ممرضة لبعض الوقت، وحتى أثناء وجود دلال على مقاعد الدراسة كانت قد التحقت ككثير من بنات جيلها آنذاك بالحركة الفدائية الفتحاوية حيث تلقت عدة دورات عسكرية وتدربت على حمل السلاح وحرب العصابات.
قامت دلال بأخذ هذه الصورة في الليلة السابقة للعملية في استديو قريب من منزلها وخلافًا لجميع صورها المنشورة تبدو فيها شابة عادية من مخيم صبرا 20 عاما عمرها آنذاك وكانت صورتها الأخيرة قبل استشهادها

قالت لشقيقتها إنها ترغب أن تبدو فيها عروسًا لفلسطين.

فرقة دير ياسين

كان عام 1978 عاما سيئًا على الثورة الفلسطينية فقد تعرضت إلى عدة ضربات وفشلت لها عدة عمليات عسكرية وتعرضت مخيماتها في لبنان إلى مذابح، وأصبح هناك ضرورة ملحة للقيام بعملية نوعية وجريئة لضرب إسرائيل في قلب عاصمتها، فكانت عملية كمال العدوان التي وضع خطتها القائد أبو جهاد. وكانت تقوم على أساس القيام بإنزال على الشاطئ الفلسطيني والسيطرة على حافلة عسكرية والتوجه إلى تل أبيب لمهاجمة مبنى الكنيست الذي كان في حينه هناك، كانت عملية فدائية استشهادية جريئة وغير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي كله عملية كوماندوز فلسطينية خلف خطوط العدو وفي قلب إسرائيل.

تشكلت الفرقة الانتحارية التي عرفت بفرقة دير ياسين من 14 مقاتلًا منهم يمني ولبناني وأوكلت قيادة الفرقة إلى دلال مغربي.

العملية

في صباح يوم 11 آذار 1978 نزلت دلال مع فرقتها الفدائية، ركبت مجموعة دير ياسين سفينة نقل تجارية تقرر أن توصلهم إلى مسافة 12 ميلًا عن الشاطئ الفلسطيني ثم استقلت المجموعة زوارق مطاطية تصل بهم إلى شاطئ مدينة يافا القريبة من تل أبيب حيث مقر البرلمان الهدف الأول للعملية، غير أن رياح البحر المتوسط كانت قوية في ذلك اليوم فحالت دون وصول الزوارق إلى الشاطئ في الوقت المحدد لها، وهو الأمر الذي دفع بالزورقين المطاطيين إلى البقاء في عرض البحر ليلة كاملة تتقاذفها الأمواج حتى لاحت أضواء تل أبيب ووصلوا إلى الشاطئ في منطقة غير مأهولة ونجحت عملية الإنزال والوصول إلى الشاطئ ولم يكتشفها الإسرائيليون.

نجحت دلال وفرقتها في الوصول إلى الشارع العام المتجه نحو تل أبيب ثم تجاوزت مع مجموعتها الشاطئ إلى الطريق العام قرب مستعمرة (معجان ميخائيل) حيث تمكنت دلال المغربي ومجموعتها من إيقاف حافلة كبيرة بلغ عدد ركابها ثلاثين راكبا وأجبروها على التوجه نحو تل أبيب، في الطريق استطاعت المجموعة السيطرة على حافلة ثانية ونقل ركابها إلى الحافلة الأولى وتم احتجازهم كرهائن ليصل العدد إلى 68 رهينة.

يروي من نجا من العملية أن دلال أخرجت من حقيبتها علم فلسطين وقبلته بكل خشوع ثم علقته داخل الحافلة وهي تردد:

بلادي… بلادي… بلادي ** لك حبي وفؤادي

فلسطين يا أرض الجدود ** إليك لا بد أن نعود

ربما تكون هذه أغنية اخرى من أغاني المهد، مهد دلال، ربما سمعتها من أمها ذات يوم.

المعركة

عند هذه المرحلة اكتشفت القوات الإسرائيلية العملية فجندت قطعًا كبيرة من الجيش وحرس الحدود لمواجهة الفدائيين وسعت لوضع الحواجز في جميع الطرق المؤدية إلى تل أبيب لكن الفدائيين تمكنوا من تجاوز الحاجز الأول ومواجهة عربة من الجنود وقتلهم جميعًا الأمر الذي دفع بقوات الاحتلال إلى المزيد من تكثيف الحواجز حول الطرق المؤدية إلى تل أبيب غير أن الفدائيين استطاعوا تجاوز حاجزًا ثانيًا وثالثًا حتى أطلوا على مشارف تل أبيب فارتفعت روحهم المعنوية أملًا في تحقيق الهدف، لكن قوات الاحتلال صعدت من إمكاناتها العسكرية بمزيد من الحشود لمواجهة ثلاثة عشر فدائيًّا تقودهم فتاة أطلوا من خلف الشتات بأسلحة خفيفة صمدت في وجه دباباتهم، فتمركزت الآليات العسكرية المدرعة قرب نادٍ ريفي اسمه (كانتري كلوب) وأصدر إيهود باراك قائد الجيش اليوم المواجه للعملية آنذاك، أوامره بإيقاف الحافلة بأي ثمن.

جرت معركة عنيفة استمرت لساعات طويلة بين فرقة دير ياسين بقيادة دلال مغربي وقوات النخبة الإسرائيلية بقيادة إيهود باراك الذي سوف يصبح بعدها وزيرًا للدفاع الإسرائيلي ثم رئيسًا للحكومة الإسرائيلية عن حزب العمل، نجحت خلالها في اختراق عدة كمائن للجيش ومقاتلته بأسلحتها البسيطة التي استخدمتها في آن واحد. أصيبت دلال واستشهد ستة من المجموعة وبدأ الوضع ينقلب لمصلحة الجيش خاصة وأن ذخيرة المجموعة بدأت في النفاذ.

كانت قوات الاحتلال خلال هذا المشهد تطلق قذائفها غير مبالية باليهود الرهائن المحتجزين في الحافلة، فسقطوا بين قتيل وجريح وظهر للمجموعة أن الوضع أخذ في التردي خاصة وأن دلال أصيبت إصابة بالغة.

استشهدت دلال المغربي ومعها أحد عشر من الفدائيين بعد أن كبدت جيش الاحتلال حوالي (30 قتيلا وأكثر من 80 جريحًا) كرقم أعلنته قوات الاحتلال، أما الاثنين الآخرين فتقول الروايات إن أحدهما نجح في الفرار والآخر وقع أسيرًا متأثرًا بجراحه.

أقبلت قوات الاحتلال بشراسة وعنجهية على الأسير الجريح تسأله عن قائد المجموعة فأشار بيده إلى دلال وقد تخضبت بثوب عرسها الفلسطيني، لم يصدق إيهود باراك ذلك فأعاد سؤاله على الأسير الجريح مهددًا ومتوعدًا فكرر الأسير قوله السابق: إنها دلال المغربي.

تركت دلال المغربي التي بدت في الصورة وباراك يشدها من شعرها وهي أمام المصورين وصية تطلب فيها من رفاقها المقاومة حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.

وهنا أستطيع أن أتذكر ترنيمة ثانية لأمي كانت هي الأكثر حزنًا:

يما مويل الهوا يما مويليا

ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا

ومشيت تحت الشتا والشتا رواني

والصيف لما أتى ولع من نيراني

بيضل عمري انفدى ندر للحرية

يما مويل

يا ليل صاح الندى يشهد على جراحي
وانسل جيش العدا من كل النواحي

والليل شاف الردى عم يتعلم بيا

يما مويل الهوا

بارودة الجبل أعلى من العالي

مفتح درب الأمل والأمل برجالي

يا شعبنا يا بطل أفديك بعينيا..

هذا المقال مهدى بمناسبة يوم المرأة العالمي إلى روح دلال وأخوات دلال من النساء المناضلات ومهدى أولا وأخيرًا إلى أمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد