أمي العزيزة، والدي العزيز.. يا كل أحرار العالم

بعد ثمانية وثلاثين يومًا هي عدد أيام معركة الأمعاء الخاوية التي أخوضها وإخواني أكتب لكم..

سامحيني أماه، لا أريد أن أوجع قلبك، ولكني أكتب كلماتي لأدخل بعض الطمأنينة إلى قلبك، وأصف لكم أيها الأحرار حالنا، علكم تحركون ساكنًا وتهبوا لنُصرتنا.

وصلنا الآن إلى طريق ليس أمامنا فيه أي خيار إلا التقدم إلى الأمام وإكمال معركتنا، معركة الأمعاء الخاوية، مع السجان، والتي بدأناها في يوم السابع عشر من أبريل (نيسان) الماضي، حتى الالتفات إلى الخلف الآن لا مجال فيه، وإلا فإنه سيكلفنا الكثير. اضطررنا إلى لجوئنا لمعركة الأمعاء الخاوية بعد أن استنفذنا جميع السبل، ولم يعد لدينا أية طريقة أخرى لمقاومة الاحتلال وممارساته القمعة، ولفت انتباه العالم إلى قضية الأسرى الفلسطينيين، ومطالبهم العادلة.

وباسم جميع إخواني الأسرى أقول: نحن مؤمنون أنه لا يوجد بين أيدينا الآن ما نخسره غير هذا الجسد الفاني الذي بات هزيلًا لا يقوى على الحركة، ليس فقط نتيجة الإضراب عن الطعام، وإنما أيضًا لطول احتجازه خلف قضبان الأسر في ظروف تفت العضد، وأطمئنكم أن إرادتنا صلبة كالصخور رغم إعياء الجسد، وأننا مستمرون في إضرابنا حتى تتحقق مطالبنا العادلة والحصول على بعض حقوقنا باعتبارنا أسرى في سجون محتل ظالم متغطرس، أما إذا ما تطور الحال واصطفانا الله عز وجل الى جواره، فهذه شهادة طالما تمنيناها وانتظرناها وطلبنا من الله أن يمنَّ علينا بها.

وحتى لا يعتقد البعض أننا نطلب المستحيل أخبركم أن مطالبنا تتلخص في الآتي:

إنهاء سياسة الاعتقال الإداري، والعزل الانفرادي، ومنع زيارات العائلات وعدم انتظامها، وإدخال الكتب والصحف والملابس والمواد الغذائية والأغراض الخاصة للأسير مع الزيارات، وإعادة التعليم في الجامعة العبرية المفتوحة، والسماح للأسرى بتقديم امتحانات الثانوية العامة بشكل رسمي ومتفق عليه، وتأمين معاملة إنسانية للأسرى خلال تنقلاتهم بالبوسطة، ووقف الاعتداءات والاقتحامات لغرف وأقسام الأسرى، تحسين العلاج الطبّي للأسرى المرضى وإنهاء الإهمال الطبي المقصود الذي نتعرض له، ووقف سياسة التفتيش والإذلال لأهالي الأسرى خلال الزيارات على الحواجز، والسماح بتجميع الأشقاء أو الآباء مع أبنائهم في سجن واحد، السماح بزيارات مفتوحة ودون شبك للحالات الإنسانية من الأهل، والسماح بالتصوير مع الأهل مرة كل خمس سنوات وليس مرة واحدة في العمر كما كان سابقًا، والسماح بالاتصال التلفوني للأسير مرة كل شهر.

وبعد ما يزيد عن خمسة أسابيع من الإضراب عن الطعام أصف لكم حالة الأسرى المضربين عن الطعام:

أصبحت أجسادنا نحيلة، وتستطيعون القول إن بعضنا الآن أصبح هيكلًا عظميًا تغطيه طبقة من الجلد، نعاني البرد طوال الوقت رغم حرارة، ولم نعد نقوى على الوقوف أو القيام بأي مجهود بدني، فالدوار الشديد يكون بانتظارنا عندما نحرك أجسدنا، وهناك من أخذ يدخل في إغماءات متكررة أجبرت السجان على أخذه للمشفى، كما ويشكو كثيرون من ضعف الرؤية وزغللة العيون وازدواج في الرؤية، أضف إلى ذلك تشنجات عضلية مؤلمة وتقيؤ وصعوبة في ابتلاع الماء، وأصبحت جلود كثيرين منا جافة ومشققة، وتكثر فيها البقع الحمراء.

وأصبح التركيز الذهني من المسائل التي يصعب الاستمرار بها، وأخذ بعضنا يهلوس طوال الوقت، ويتصور حدوث أشياء ليست موجودة في الوقع، وأصبحنا جميعنا ننسى بشكل لا يمكن وصفه.

يقوم الجنود أحيانًا بمحاولات لتغذية البعض منا قسريًا، وذلك بأنهم يدخلون أنبوبًا بلاستيكيًا رفيعًا إلى مريء الأسير، عبر أنفه، مرورًا بحنجرته، ثم يقومون بحقن سوائل تحتوي على فيتامينات ومواد غذائية أخرى قسريًا بعد أن يقيدوا الأسير في مقعد خاص يشبه كرسي الإعدام، وقد حدث أحيانًا أن أسرى قد أصيبوا بالاختناق بسبب دخول الأنبوب في القصبة الهوائية بدلًا من المريء، وهنا تكمن خطورة التغذية القسرية.

وفي نهاية رسالتي أقول: أتمنى أن تصل رسالتي لأكبر عدد من الناس، ليس داخل فلسطين فقط، وإنما خارجها أيضًا..

فيا أحرار العالم هبُّوا، ونظموا الوقفات والمسيرات الداعمة لمعركتنا والتي تطالب الاحتلال وتضغط عليه للاستجابة لمطالبنا، وأطلب منكم أيضًا أن تقاطعوا المنتجات الاسرائيلية، لما في المقاطعة الاقتصادية من تأثير كبير ربما لا تتصورون تأثيره في غطرسة الكيان المحتل وجبروته.

وأطلب من الجمعيات الحقوقية أن تستقصي أحوالنا، وتفضح الانتهاكات التي يمارسها المحتل بحقنا.

أمي، أبي.. إن كتب الله لي الشهادة، هذه وصيتي أرجو إنفاذها:

1. أوصيكم بتقوى الله وابتغاء مرضاته، فهو رأس كل أمر، وأن ترضوا عني وتدعوا لي ولإخواني.

2. أن تحكوا قصتي وقصة أسرى الكرامة لجميع الصغار وتكرروها حتى يحفظوها عن ظهر قلب، ويفتخروا بنا ويسيروا على دربنا في حب فلسطين وافتدائها بكل ما يملكون.

3. أن تُوزع نصف أملاكي على أصحاب الحق الشرعي في الإرث، أما النصف الثاني فيتم التبرع به لبناء غرف صفية في إحدى المدارس.

4. أوصي أن تودع جميع كتبي في مكتبة البلدية لتبقى صدقة جارية عن روحي.

وأقول في نهاية رسالتي ما قال الشهيد عبد الرحيم محمود رحمه الله:

ســأحمل روحــي عـلى راحـتي وألاقــي بهـا فـي مهـاوي الـردى

فإمــا حيــاة تســر الصــديق وإمــا ممــات يغيــظ العــدى

أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

من سجن هاداريم

ابنكم المشتاق أ. ي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد