الأسير عز الدين الحمامرة

أنا إنسان، أغضب إذا رأيت أمي على الحاجز تضام، وأهتز بكل جبروتي لأصوات الرضع والثكالى على أنقاض بيوتهم في غزة، أنا حرّ أحمل القانون في كل صفحة من عقلي وأعرف أنني إنسان أستحق العيش بكرامة، إنه إنسان أسير في دولة تدعي أنها تحكم بقوانين الإنسانية.

الأسير عز الدين خالد الحمامرة ولد عام 29 يوليو 1978م من قرية حوسان، تخرج في مدرسة ذكور حوران، تخرج من جامعة الزيتونة الأردنية تخصص الحقوق، عمل لمدة عامين متدربًا وانتسب لجامعة القدس لمتابعة الماجستير الذي أنهى منه فصلًا واحدًا قبل اعتقاله في 7 مارس 2004، كان نشطًا مؤثرًا لإبراز القضية الفلسطينية وتداعيات الظروف المحيطة بها.

على حاجز يفصل بين قرى بيت لحم الفلسطينية حوسان ونحالين وبتير كانت تتلقى النساء الفلسطينيات أسوأ معاملة، ترافق حينها ضرب غزة وصمت العالم والإنسانية، الأمر الذي نهش عز الدين فقرر الانتقام للأبرياء والنساء اللوائي يعانين من الجند الإسرائيلي.

القناص الملثم الذي دوخ المحتل، قام بتنفيذ عدة عمليات فدائية أدت إلى مقتل العديد من الجنود الإسرائيليين بالتعاون مع مجموعة من الشباب الفلسطيني الذين كان يتواصل معهم وهو ملثم ولم يكن يعرف هويته أحد.

كانت عائلته تتوقع نبأ استشهاده، فقد خطط لأكبر عملية خطف حافلة صهيونية من أجل إبرام صفقة لتبادل أسرى فلسطينيين، كان أول استشهادي بحزام ناسف، عزالدين كان ينوي الشهادة ولكن إرادة الله عز وجل اختارته للأسر.

لم يتوقف عز الرجال، في شتاء 2014، كانت والدة عز الدين وشقيقته يحملن تصريح زيارة الذي يصدر مرة كل ستة أشهر، تبدأ الزيارة الساعة الرابعة صباحًا بالتعاون مع حافلة من الصليب الأحمر، إذ يتم تفتيش النساء بأبشع أساليب القهر والإذلال، يدويًا وباستخدام ماكينات حديثة مثل التي تستخدم في المطارات والحدود.

أثناء التفتيش كانت إحدى الفتيات من بيت لحم قدمت لزيارة والدها الأسير، فتمّ تفتيشها بشكل عار من قبل المجندات الإسرائيليات، وعلم الأسرى بذلك، ومن لها إلاك يا عز الدين، على السماعة طمأن والدته ثم أخبرها أنه حصل حادثة مع فتاة من بيت لحم، ويريد هو والأسرى محاسبة الضباط الإسرائيليين عليها، أغلق السماعة وضرب الجنود المتواجدين ثم فتح الباب وأمسك مدير السجن وضربه فبدأت أجراس الإنذار ووحدات التدخل السريع، أطلقوا غازًا وهاجموا أهالي الأسرى، وتم إعلان حالة استنفار، فقام بقية الأسرى بإغلاق القسم الموجود به عز حتى لا يتم ضربه من الجنود، واتفقوا على نقله فقط إلى العزل الانفرادي، وتم منعه من الالتحاق بالجامعة وزيارة المحامي، وزيارة عائلته، ولكن ما فعله عز الدين جعل التفتيش يأخذ منحى آخر ولم تفتش النساء بعدها عراة ولم يلمس أجسادهن المجندات بعدها.

إنها ستة عشر عامًا من الكفاح والثبات، وضع فيها في الصحراء تحت شمس تموز الحارقة عام 2010، بقي الليث بعنفوانه فعرينه في قلبه لا ينكسر، جرحه وألمه اعتقال والده المرحوم خالد الحمامرة على معبر المقبلين بين الأردن وفلسطين، وكبلوا رجلا مسنًا وشدّوا وثاقه على كرسي ووضعوه أمام الأسير ليقهروه، وهو الفارس يحمل القهر سيفًا، في نفس العام استُدعيت الأم المتألمة على عذاب ولدها الأسير الذي أراد الثأر لكرامة النساء على المعابر وصرخات الثكالى في غزة ونحيب أطفال جعلهم الاحتلال الإسرائيلي يصبحون طاعنين في الألم والعذاب، ثم أسر شقيقه وسام الحمامرة في نفس العام، بتهمة إكمال العمل الإرهابي بغير دليل ولا بينة.

تم اعتقال الأسير المحامي عز الدين الحمامرة بشكل همجي من بيته بعد منتصف الليل بشكل مرعب لعائلته، ولم يستدل عليه الاحتلال الإسرائيلي إلا من خلال إجراء فحص «DNA».

ثلاثة أشهر عاشت عائلته المجهول لمصير ابنهم، وبدون سابق إنذار هدم الاحتلال منزل عائلته التي لم تحظ منه بإبرة، وخلال الهدم كان الضابط المسؤول يوجه أقذر الشتائم والألفاظ لعائلته، فما كان من والدة عز الدين فخر النساء ومثيلاتها إلا القول: البيت من حجر وإحنا الي بنبني الحجر. ولم تذرف دمعة ولم تطلق صرخة ترجٍّ.

كان عز الدين يتعرض كل يوم لتسع لجان تحقيق وضباط مخابرات إسرائيلية في إحدى المرات قام الضابط بتمزيق شعر رأسه ليأخذ منه كلمة اعتراف وما همس لهم حرفًا.

كانت تتم المحاكمات بطريقة استفزازية، ففي إحدى المرات كانت المتطرفة أرفا رحبعام زئيفي القاضية قالت له: لو في إعدام بإسرائيل لحكمتك ولم أتردد.

كما قال له القاضي: بما إنك دارس قانون ليش ما استخدمت القانون ضد إسرائيل؟ فأجابه الأسير عز الدين: إسرائيل تعتبر نفسها فوق القانون، وأي قانون هذا الذي يقتل الأطفال والنساء ويهدم البيوت ويسلب الأراضي! وفي آخر محاكمة قال له القاضي الإسرائيلي: سأكون حريصًا على عدم رؤيتك للشمس مدى حياتك.

وبعد أكثر من 50 جلسة تمّ إصدار الحكم عليه بتسع مؤبدات كان خلالها هو من يترافع عن نفسه.

من لا يعرف عز؟

شاب كالبدر في تمامه، خلوق حسن السمعة وعلاقاته طيبة مع الجميع، خلال سنوات الأسر قضاها في الجد والاجتهاد، مدرس معتمد لدى وزارة شؤون الأسرى في القانون الدولي لمرحلة البكالوريوس، رياضي بامتياز، جسد كالنخيل شامخ مفعم بالنشاط والقوة، حتى في فترات الإضراب عن الطعام لم ينقطع عن نشاطه الرياضي، حماك الله يا عز الرجال.

إن أول قانون في الطبيعة هو: لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، ماذا تتوقع دولة إسرائيل من الشباب الفلسطيني الذي يستيقظ صباحًا ليهان وتذلّ كرامته وتذبح حريته على الحواجز التي بين القرية والقرية؟ هل يعاقب المرء لغيرته على نسائه، وانتقامه لاستصراخ أطفال يتم وشيوخ وثكالى من أبناء وطنه؟

إن الأسير عز الدين لم يحظ بوداع والده قبل وفاته، أي إنسانية هذه التي تحرم الأسير من أبسط حقوق الإنسان، تحرمه من نور الشمس وتنفس الصعداء في حضن عائلته، أعيدوا له وطنه، واجعلوه يعيش فيه كما يطمح، فرجل رؤيته حرة وفكره واضح جلي، يعرف موضع خطاه، يستطيع فهم لغة التعايش والحوار لو أنّ إسرائيل تتقنها، إلى متى سيقبع خيرة الشباب في سجون الاحتلال يموتون ألف مرة كلّ يوم، لأنهم أرادو الحفاظ على وطن سمح وكرامة حرة، أيّ إنسانية هذه التي تحرم الأسير من الحياة لأنه أراد الحياة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد