عيشٌ رغيدْ، نومٌ هانئ،رضىً وسعادة،

قليلٌ من الحرية مع كثيرٍ من الحبّ والآمال..

كل هذه المعاني نُسخت من ذاكرة ذاك الشابّ، عندما باغت أولئك الأشرارُ سكينةَ مضجعه وسُبات منزله، في منتصف ليلٍ مظلمْ.                                                                                                                                                                             انتزعته همجية العدوّ من دفءٍ كان يعيشه بين أحضان أحلامه، وحبًّ يجده دومًا متربّعًا في مآقي أحبابه، لتجرَّ ثقله إلى اللاشيء، واللاعالم، واللاحياة!                                                                                                                                        وبعدها، يصبح في تعداد أولئك المنسيين خلف قضبان الحديد المتصدية، مكبلين بأغلالٍ غُرِست في ضلوعهم حتى جفّ عليها لحومٌ ودماء!                                                                                                                                                                 في بقعةٍ من الكون، إن زارها خيطٌ من نور، استطاع أن يرى خياله فيقيم معه صداقةً مؤقتةً، ويسنحُ لبؤبؤ العين أن يريح اتساعه الذي طال حتى كَــــلّ! و إن لم تخطئ الأنوار نافذته،يعيش حياة الأموات في قبورهم المظلمة، فيبدأ بمصارعة أشباح العتمة، ويناجي ربَّه في الظُلُمات علّه يخرج من بطن العبودية؛ ليرسوَ على شاطئ الحرية البعيد.

 مثل هذه التجربة، ذاقها ربعُ أبناء وطني الحر الذي لم ير يومًا حرية؛ طفلًا كان أو شيخًا، رجلًا أو حتى امرأةً، تحت أسقف السجون وفي غياهب الأسر، ففي بلدي لم يعد السجن مسكنًا يُزجُّ فيه أصحاب الكبائر والجرائم الفاحشة، لم يعد متعلقًا بالخبث والبذاءة، بل بات يعج بأصحاب الحق، حُماة الإسلام، أربابُ السيف والقلم، حتى يحمي العدو أباطيله من أن تُفتتن بالحقّ.
حتى الأبرياء القاصرون! لا غريب في هذا، ففي بلدي يغزو التناقض كل أمر، فهل تسلم منه قضية السَّجن؟

وأيُّ جرمٍ هذا الذي ارتكبه ابن هذه الأرض، ليندثر في تلك البقعة الضيقة المنسية، أيُّ خِطأ هذا الذي آل به إلى أن يصبح كائنًا منسيًا منعزلًا حيًا بلا حياة وميّتًا بلا موت؟! وحيدًا لا تقتحم غربته سوى خفافيش الظلام أو غربان البين لترمي له بحفنة من شيء يلتهمه فيبقيه جارًا للحشرات القذرة التي تتبختر على جدران كئيبة! تزيّن تلك البقعة الموحشة حبالٌ من أوهن الخيوط بلون رماديّ يناسب عمق الظلام المتفشي في كل الأركان الحقيرة.

ألهذا الحدّ كان العقل الإنساني لا يعرف الإنسانية، فينهب أرضًا بشعبها ويبتكر أساليب العقاب ويتفنن بألوان العذاب من سجنٍ وعزل، وتعذيب جسدي ونفسي، وشبح وضرب، واغتصاب، وتهديد حرمان، وإهمال طبي…بلا انتهاء! يعيثون بأجسادهم فسادًا، فيجعلونها حقولَ تجربةٍ لعقاقيرهم الطبية، وليدوّنوا في كتبهم: «هذا العقار جُرب على أكثر من ألف أسير وظهرت النتائج الآتية».

عندما يكون حب الوطن الفطري مدعاةً للأسر، ومسوغًا مقنعًا لحرمان الرضيع من لبن الأمان، هنا يصبح السجن أمرًا عاديًا لا غرابة فيه، لا بد أن نتكيف مع هذا الكائن الشنيع، ونغير مفاهيمنا حوله، فنجعله شيمة للأبطال وسمتًا للرجال،علها الحياة قد اختارت ذاك البطل ليكون منسيًا، ليكون جرمًا صغيرًا ينطوي على نفسه فيقتل بداخله عالمًا أكبر! ولكن طال هذا العزاء، فمنذ أن وقع وعد بلفور المشؤوم وحرمات أجسادنا تنتهك، لم نلبث يا الله يومًا أو بعض يوم، بل لبثنا مائة عام نقارعُ أعداءك في أرضنا، فلم تبقَ عائلة فلسطينية إلا وذاقت مرارة الأسر وعذابات الفراق.

 أحد عشر ألف أسير،أو زد عليه وعظّم الأوجاعَ تعظيمًا! منذ تلك النكسة وحتى عامنا هذا، في كل يوم يكبر هذا الرقم ويصعد العداد، ليقرأه مذيعٌ إخباري بأجزاء من الثانية، ألهذا الحدّ بات الرقم رخيصًا؟ هنا، كل رقم يحمل في طياته حياة، حياةً تنتظر بعيدًا خارج الأسوار، متسمرةً موضعها، حتى إذا خرجوا، دبّت في أجسادهم ثانيةً..وأيُّ حياةٍ تلك التي سيبقى عودها مخضرٌّ، وجذورها راسخة في ربيع الدهر اليانع، لا بد وأن الشيب قد غزا أعوامها، والأسقام تغلغلت فيها عضوًا فعضوا، سفلًا وعلوا، حتى خرّت على سرير الموت، فتموت قبل صاحبها!

منسّيون هم، تموت حياتهم، تذبل زهرة شبابهم، يحدث بهم ما يحدث، الأمر سّيان! لن يجذبوا الأنظار إلا بمعركةٍ للأمعاء الخاوية، يحرّمون على أنفسهم كل ما هو حلٌّ لهم ليستقطبوا بها أذهان كل من له يد ولا يمدُّ يده. أو بثورةٍ احتجاجية، تستدعي لقمعها «النحشون» – وهي وحدةٌ تعدُّ من أقوى وأكبر الوحدات الإسرائيلية، شُكلت خصيصًا لمكافحة ما يسمى بأعمال الشغب وتُستدعى لقمع تمرد الأسرى، فيكونون بذلك قد جنوا على أنفسهم ولاقوا ما لم يكن في الحسبان!

إلى متى يا وطني، إلى متى ستبقى نداءاتنا لا تسمن ولا تغني من جوع؟!

متى ستقرع صرخاتنا آذان النائمين،متى ستحضر ضمائرهم الميتة؟!

متى ستُسمَع طرقاتنا على جدران الصمت والعار العربيّ؟

متى ستنهض الجهود لتثبت أن تحرير الإنسان مقدم على تحرير الأوطان؟

هل سنترك الحبل على غاربه وينتهي المطاف بتحقيق هدف الاحتلال البشع بسلخ ملف الأسرى عن القضية الفلسطينية وتسميته بمسميات زائفة! بدلًا من أن يتصدّر الملفات كافة، ويكون من ثوابت القضية الفلسطينية وجزءًا لا يتجزأ من مسيرتها؟!

لا نريد سلامًا ولا اتفاقياتٍ يضرب العدو بها عرض الحائط!

نحتاج إلى مواقفَ وطنية وقومية صادقة، تثمّن حصاد التضحية والصبر لكل مغيّب، ولا تضع السلاح عند احتدام المعركة.

ألا يكفي أنهم ضحّوا بكل ما لديهم ليعلّموا العالم أجمع كيف يكون النضال والتحدي لأبشع احتلال عرفه التاريخ؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد