إذا أردت أن ترسم شخصية مثالية في مخيلتك أو أن تصمم بطلًا كرتونيًا تضع فيه كل الصفات المحببة للإنسان كالطيبة والشجاعة والمحبة والإقدام لن تجد أفضل من شخصية رزان النجار، هذه الفتاة الفلسطينية صاحبة 21 عامًا التي ولدت لأسرة لاجئة متوسطة الدخل في مخيم خزاعة شرق محافظة خان يونس ودرست المراحل الأولى من تعليمها في مدارس وكالة الغوث الدولية إلى أن وصلت المرحلة الجامعية وتخصصت في مجال التمريض لكنها لم تستطع إكمال دراستها نظرًا لوضع العائلة الاقتصادي الصعب.

رزان المتطوعة الشهيدة!

تطوعت رزان في مؤسسات طبية قبل أن تشارك ميدانيًا في مخيم العودة شرق خان يونس ضمن مسيرة العودة وكسر الحصار، ورغم وضعها الاقتصادي الصعب إلا أنها لم تتوان لحظةً عن أداء دورها بل وأن تشتري المواد الطبية للمصابين على حسابها الشخصي، إلى أن حلَّ يوم استشهادها في الأول من يونيو (حزيران) لتكمل بذلك 63 يومًا قضتها في إسعاف المصابين وإنقاذ الجرحى من مناطق التماس الأولى، حيث أصابتها طلقة قناص محتل خلال محاولتها إنقاذ أحد الجرحى والذي ظهر منهارًا في إحدى المقابلات ويصرخ «يا ريتني كنت أنا ولا أنتِ يا رزان».

ضجت بعدها وسائل التواصل الاجتماعي بالكثير من المقابلات والصور التي التقطت لرزان خلال تطوعها في مخيم العودة، مقابلات صورت معها لدورها الإسعافي البارز والواضح في مخيم العودة، وفيديوهات أخرى تظهر مهارتها في الخطابة وإلقاء الشعر، وصور لها وهي تتابع أحوال المصابين وأخرى تشارك زملاءها لحظات من التعب والمرح والألم والأمل.

المتتبع لهذه المواد الإعلامية يلاحظ بوضوح الثقافة العالية والشجاعة الملفتة التي كانت تتمتع بها رزان، حيث تذكر في عدة مقابلات أنها لم تتطوع لنيل مقابل وظيفة أو كلمة شكر، وأنها لا تخرج من بيتها يوميًا قبل أن تنال رضى والديها وأنها فقط تنتظر أن يتحقق حلم الجماهير بالعودة لأراضيهم متجاهلة حلمها الشخصي وهي التي كانت على موعد مع الزفاف بعد عيد الفطر كما ذكرت إحدى زميلاتها في مقابلة مكتوبة.

زفاف مؤجل!

الزفاف! على من؟ عزّت، ذاك الشاب المكلوم الذي كان مصاحبًا لرزان في معظم أوقاتها كما يظهر في الصور المنتشرة، كان قريبًا جدًا منها، تضع الشاش للمصاب فيساعدها في لفه، تمسح الجرح الدامي فيأتي بالماء أو المحلول لإزالته، تذهب لإنقاذ مصاب بالقرب من السياج فلا يكون إلا بجانبها، وهذا ما يفسر ارتماءه على قبرها مقبّلًا إياه مناجيًا الله أن لا يكون هذا إلا كابوسًا يصحو منه عما قريب، لكن الحقيقة التي ستصدمه قريبا أن رزان الجميلة صاحبة القلب النابض صارت شهيدة مجسدة تراجيديا الرومانسية الفلسطينية.

رزان والتغريبة الفلسطينية!

مثلت رزان عبر هذه المحطات معظم سمات الشخصية الفلسطينية، فهي الفلسطينية الوطنية الجميلة اللاجئة الفقيرة المسعفة المتطوعة المتعلمة المثقفة المثابرة الشجاعة الباذلة المحبة الصديقة الصدوقة المصمّمة المنتمية الراضية المرضية… والشهيدة!

هذه هي حياة الفلسطيني الذي يحلم بحياة كريمة ويسعى إلى أن يحقق أمنياته البسيطة التي لا تتعدى أساسيات الحياة، هذا هو مطلب الجماهير المحتشدة على الحدود بعيدًا عن كل اختلاف حزبي أو امتعاض فصائلي، هذه هي الطريقة التي يحب الفلسطيني أن يشكل بها أحداث يومه، أحداث ترسخ بشكل غير معقول الإيمان المنقطع النظير للإنسان الفلسطيني؛ إيمانٌ مطلق بنيل حريته مهما طال الوقت، مهما ساء الوضع، ومهما تاهت البوصلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد