شهدت الخلافات الفلسطينية في الآونة الأخيرة، ومنذ ما يقارب أحد عشر عامًا، صدودًا وتهجمًا وعداوة بين تنظيميين فلسطينيين، وكانت تعتبر خلافات حادة يصعب على المواطن الفلسطيني أن يتوقع حلها، أو يتصور أنه من الممكن حلها، ودارت الأيام والساعات على هذا الخلاف مع عدم وقف نزيف الفتن والحقد والعداوة بين الفصيليين، واستغلال هذا الخلاف من قبل أصحاب المصالح، ومن أهمهم “إسرائيل” التي لابد أن تكون هي النقطة التي يلتقي فيها التنظيمان في وجه العدو الحقيقي، وهو إسرائيل المحتلة لأراضينا، والتي تنسب كل حقوق الشعب الفلسطيني لها على كافة الأطر المحلية والدولية والإقليمية.

تعصب فكري وذهني لأصحاب المصالح من الفصيليين لأوهام وغايات لا تصب في مصلحة الشعب أو المواطن الفلسطيني الذي طالما ذاق معاناة الانقسام، والحصار المفروض عليه من قبل إسرائيل طوال السنوات الماضية، دون بذل أي جهد من أحد أطراف الخلاف في الوقوف مع الشعب الفلسطيني في وجه المحاصر ووجه العدو، كانت توجهاتهم وانشغالات بعضهم على مناصب ومصالح ومكانات ونفوذ فصائيلية لا معنى لها في وجدان الشعب المنهك أو المحاصر.

ازداد فقدان الأمل عند الشعب الفلسطيني أو الرعاة أو الحاضنين للقضية الفلسطينية، سواء الأطراف المحلية والدولية والإقليمية؛ لما لمسوه من فشل في مصالحات منها مصالحة مكة بين فتح وحماس، ومصالحة الشاطئ كذلك، التي طالما استشعر المواطن من خلالها بإحساس عودة الأخوة، ووجود أب يطرح له حزنه وفرحه وطلبه وأمنيته، وأن يحقق له الحرية المسلوبة منه بسبب الخلاف القاهر لقلوب الجميع باستثناء القلوب المتحجرة الميتة.

سمعنا في الأيام القليلة الماضية عن اتفاق مصالحة جديد برعاية من جمهورية مصر العربية النافذة الوحيدة لقطاع غزة، والراعية الأم والكبرى للقضية الفلسطينية من سنوات، وهي الحاضنة الكبرى للشعب الفلسطيني، حيث تواجد وفد من حركة حماس برئاسة مكتبه السياسي ومسؤول الحركة في قطاع غزة ونائبه وبعض أعضاء المكتب من الداخل والخارج معلنيين عن حل اللجنة الإدارية الحكومية في قطاع غزة، داعيين الرئيس محمود عباس إلى تولي مهام حكومته في قطاع غزة مساواة بالضفة الغربية دون إنقاص أي من الحقوق للشعب الغزي، وتعتبر هذه الخطوة مبادرة من إحدى فصائل الخلاف كبداية مبشرة، حيث الراعي المصري استدعى وفدًا من حركة فتح برئاسة عزام الأحمد وتلاه الخبر والمبادرة الأولى بالقبول من الفصيل الآخر “فتح”.

تناثرت الأقاويل والمسموعات والمصادر عن طبيعة هذا الاتفاق الذي أنهى خلاف سنوات، واتضحت علامات التعجب والاستهجان والاستفسار على أوجه المواطنيين في شقي الوطن في المحافظات الشمالية والمحافظات الجنوبية عن بنود الاتفاق، وهل ستتم المصالحة أو كما سبق وعهدناهم بعدم الجدية، وإنما هي بالونات اختبار، أو لكسب الوقت، أم هي فعلًا حقيقية وستحقق ما يتمناه أبناء الشعب والرجوع إلى الحديث بلغة واحدة، وهي لغة الأخوة والقوة في وجه العدو الحقيقي المحتل الإسرائيلي.

تنازلات من قبل الفصيلين تحدث لأول مرة من فصيل حماس بالاستغناء عن جميع مطالبها التي طالما كانت شوكة في حلق المصالحة، وتمسكت على مطلبين أساسيين هما المقاومة ودمج الموظفين، وهما مطلبان ليسوا من حق حركة حماس وحدها، وإنما هما حق للمواطن الفلسطيني ككل، وليس لفصائل ولا لحركات أو حكومات كذلك، لأن المقاومة حق مشروع في مواجهة المحتل طالما مستمر في اغتصاب أرضنا وتهجير عوائلنا، وخوض حروب قاسية بحقنا، وهي للحفاظ على كرامتنا بالمقاومة، بشقيها السلمي والعسكري، حتى زوال آخر محتل من أرضنا.

أما بخصوص دمج الموظفين الذين طالما عينتهم حركة حماس بعد أحداث الانقسام الغاشم في 2007م، وتنحي عدد كبير من الموظفيين الحكوميين الأساسيين بقرارات من رؤسائهم بالجلوس وعدم تقديم أية خدمات، سواء في حقيبة التعليم والصحة والقضاء والأمن وغيرها، فلجأت حركة حماس إلى تشغيل عدد من الموظفين، والاستعانه ببعض الموظفين العاملين ما قبل الانقسام لاستمرارية الحياة ومتطلباتها في القطاع كحق للمواطن الفلسطيني بكافة الحقائب، وعملوا طوال هذه السنوات بمعاناة عدم تلقيهم أدنى حقوقهم، وهي الرواتب، ومقاضاتهم سلفًا لضمان استمرارية العمل وعدم تنحيهم عن تقديم الخدمة لأي مواطن أو محتاج أو طالب للعلم أو لمريض ولغير ذلك من أمور المعاش، للحفاظ على أدنى حقوق البشر والحفاظ على كرامتهم، وهذا المطلب بدمج الموظفين ليس لحركة حماس، وإنما هو لكافة الشعب الغزي، لأبنائهم ولأسرهم ولشعبهم.

تفاؤل مبطن بالخوف والحرص من عدم تحقيق ما صرح به بعض مسؤولي الفصيليين من تفاهم وانسجام وحرص على القضية الفلسطينية وتوافقات على المتطلبات التي طرحت على الطاولة، والتي يجهلها المواطن، وعلى أي أساس بنيت، وما هي المتلبطات أو الشروط؟ وهل سيحقق أدنى حقوقهم؟ من ملف الكهرباء والمعبر والمشاريع الصغيرة، ومتطلبات الشباب التي طالما حرم منها، وأصبحت أسمى غاياتهم، ونسيانهم القضية الأم والأسمى، وهي تحرير أرض فلسطين، والحصول على الاستقلالية دون قيود، وغيرها من ثوابت للفلسطينيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد