المصالحة ليست إلى مربع الصفر بل إلى ما دون ذلك.

عن أي مصالحة تتحدثون؟ بربكم لا تستخفوا بعقولنا، ندرك حجم المؤامرة التي تحاك ضد حركة المقاومة الإسلامية حماس والقضية الفلسطينية برمتها، وندرك أيضًا أن الحركة في وضع لا تُحسد عليه، ولم يسبق لها أن واجهت حصارًا وخناقًا بهذا الحجم في ظل تزايد الصراعات الراهنة في المنطقة.

وتدرك الحركة أن الهجمة عليها هذه المرة ليست كسابقاتها وستكون مختلفةً شكلًا ومضمونًا، وتدرك أنها في مأزق يصعب التعامل معه دون حذرٍ شديد وخطوات مدروسة بعناية وعمق، وعن دراية تامة بحيثياتها وخباياها ومآلاتها، ولو كان بإمكان الحركة أن تجد لها متنفسًا واحدًا بالمئة لما ذهبت للمصالحة بهذا الشكل، وفي هذا التوقيت تحديدًا دون سواه الذي تكالب عليها فيه القريب قبل الغريب.

وعلينا ألا نوجِّه أي لوم للحركة بقبولها المصالحة مهما كان حجم التنازلات، طالما أنها لم تساوم على سلاحها، فإذا ساومت على سلاحها فهذا يعني أنها سلَّمت نفسها بنفسها لحبل المشنقة طوعًا وليس كراهيةً، ولن تجد وقتها من يقف معها ويترحم عليها، وإذا كنا بصدد أن نلوم أحد فعلينا أن نلوم أنفسنا لأننا خذلنا المقاومة وصفقنا للأنظمة المهترئة، فمن المعيب أن تكون منبطحًا بلا حد وتلوم غيرك لأنه اضطر رغمًا عنه أن يقدم تنازلات ليست جوهرية وثمينة حتى اللحظة، فسلاح المقاومة هو الجوهري والثمين، وما سواه من تنازلات ليس له قيمة.

وعلى أولئك الذين يصفقون للمصالحة بحرارة شديدة باعتبارها إنجازًا عظيمًا، وأنها البداية لإنهاء الانقسام الذي عانى منه الفلسطينيون في الضفة والقطاع أن يتريثوا قليلًا، فالواقع خلاف ذلك والقادم أسوأ، لأن من يرعى المصالحة ويتحكم بزمامها يسعى للتخلص من الحركة ومن كل أشكال المقاومة، ويسعى للتطبيع مع المحتل، فالراعي للمصالحة والمحور الذي يتبع له والمحتل الصهيوني تلتقي مصالحهم قلبًا وقالبًا.

ومن يعتبرون أن حركة حماس تسير بخطى ثابتة، وأن المخابرات المصرية سترضخ لها وتنصفها وتناصر القضية، أقول لهم: لا يقول ذلك إلا من فقد صوابه، ويبقى السؤال هل نسيتم ما فعلت المخابرات المصرية بالمصريين في رابعة والمنصة والحرس الجمهوري والنهضة وسيناء وغيرها؟ لم ترحم أبناء شعبها وخيرة شبابها حتى ترحم غزة وأهلها، وهل نسيتم أن المخابرات المصرية تحركها حبّات الأرز؟ وهل تدركون كيف ساهمت المخابرات المصرية بوأد الثورات وتآمرت على ليبيا واليمن وسوريا، فعلت ذلك إرضاءً لمن يدفع الأرز؟

وقبل هذا كله تآمرت على العراق بفضل حبّات الأرز، فلم يعد العراق عراقًا يافعًا مزدهرًا كما عرفناه سابقًا، وما نعرفه اليوم عراقًا مقسمًا أضاعوا حضارته وأمجاده وأعادوه لما قبل التاريخ، يبدو أن الشعوب العربية قلوبها مقفلة، وعقولها قاصرة، وذاكرتها مثقوبة، وتنسى بسرعة فائقة، ولا تسعفها لقراءة الواقع وربطه بالماضي والحاضر والمستقبل، ولا يمكن أن يكون القاتل يومًا ما مصلحًا ومتسامحًا، ويستحيل أن يكون الخائن لأمته وأرضه وأرضها مدافعًا عنها، فمن أباد المصريين في الميادين في وضح النهار سواءً أقام بالتنفيذ المباشر، أو من خلال تقديم الخدمات اللوجستية من حبّات الأرز هم اليوم جميعهم يساندون المصالحة ويدعمونها بقوة، ماذا حصل ليفعلوا ذلك؟ وجمعيهم ينبذ حماس ويختلف معها ويسعى للتخلص منها بأي ثمن كان؟

أتوقع أن هؤلاء وضعوا خطة جهنمية من خلالها سيجدون لهم منفذًا أو حجةً لإبادة الحركة عن بكرة أبيها في وسط النهار، سيحصل السيسي وقتها على أفخم أنواع حبّات الأرز إذا نجحت الخطة للخلاص من الحركة، ولتسوية القضية كما يريدها الاحتلال، وبالتأكيد سيكون المنفذ لهذا الخطة الجهنمية خير أجناد الأرض، السيسي ومحوره سيختلقون الحجج الواهية وقتها لاجتياح غزة بذريعة إنقاذ أهلها وسكانها من هذه الحركة الإرهابية التي لم تلتزم بالوثيقة وتعرقل بنودها، وأن هذه الحركة فتحنا لها أبوابنا ومددنا لها أيدينا وقدمنا لها الكثير لكنها ترفض ذلك وتبحث عن المناصب ولا تعنيها المصلحة.

سيكون هذا كمقدمة للتنكيل بالحركة وذريعة لهم ليفعلوا ما شاؤوا بها، ما يحدث مؤامرة بكل المقاييس لتصفية القضية برمتها وليس الحركة وحدها، ولا يمكن أن تُصفى القضية وتأخذ قضية القرن التي يسعى لها السيسي ومحوره بالتنفيذ دون تصفية الحركة من جذورها، وأخيرًا إذا حدثت المصالحة ستكون في شهورها الأولى من أفضل ما يكون، هكذا يريد محور الانقلاب أن تكون حتى يشعر الناس بالراحة والنعيم بعد الحروب التي خاضوها مع المحتل وعانوا من مرارتها، وربما يخطط محور الشر أبعد من ذلك، وبعد عام من المصالحة ستكون الحركة لقمة سهلة للإجهاز عليها، وستكون الفرصة مواتية لمحور الشر لتنفيذ مخططاتهم دون أن تواجههم أي عقبات عندما تصفى كل حركات المقاومة، وفي مقدمة هذه الحركات حركة حماس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد