كأملٍ جديد يطل على ملف المصالحة الفلسطينية، قدمت حركتا فتح وحماس توقيعًا جديدًا، يُضاف إلى سلسلة ممتدة من التوقيعات والاتفاقات التي تمّت بينهما ولم تُطبّق حتّى، هذا الأمل كُتبت حروفه على الأوراق الرسمية، وجرى توقعيه باتفاقٍ تم بين الحركتين، أمَّا الجديد الذي أضاف التفاؤل هذه المرة هو أن رعاية هذا الاتفاق غير متوقعة لأنها تُركيَّة، الأمر الذي أغضب العرب بالطبع!

فلم يستطع هؤلاء الذين لم يكتفوا بالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي أن يلجموا أنفسهم بعد الخذلان الكبير الذي ألحقوه بنا كفلسطينيين، بل قادوا حملة غضب «تويتري» عبّر عن سَخَطٍ سياسي بحتْ على اختيار الفصائل الفلسطينية لتركيا ملاذًا أخيرًا لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني، والذي بات في خطرٍ كبير بعد التسابق العربي المؤلم للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
ومؤكِّدًا الأثر البالغ الذي أحدثته التغيرات الإقليمية عامة والوسط العربي خاصة في مُجريات القضية الفلسطينية، فإن حديثنا هنا عن العامل الأكبر والأهم الذي يعوق الطريق أمام حل جوهري لها، وهو الانقسام الفلسطيني وتطورات المُصالحة الفلسطينية.

بدأ الأمر في 26 يناير (كانون الثاني) 2006م في مؤتمر عقدته اللجنة المركزية للانتخابات الفلسطينية، حيث أعلن فيه رئيس اللجنة د. حنّا ناصر فوزًا كاسحًا لحركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتحابات التشريعية بـ76 مقعدًا مِن أصل مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني البالغ عددها 132 مقعدًا مقابل 43 مقعدًا لحركة فتح التي امتنعت عن المُشاركة في الحكومة التي كُلفت حركة حماس بتشكليها من قبل الرئيس محمود عباس.

دبّت الاحتفالات بفوز حركة حماس في الضفة الغربية وغزة، الأمر الذي كان له حساسيته آنذاك؛ كون اليد الأمنية للسلطة الفلسطينية كانت تلاحق عناصر حماس وغيرها، فكان للسلطة ما لها وعليها ما عليها في ذلك الوقت المؤلم والذي يعلمه الجميع.

أمّا ما شكَّل الصدمة للشعب الفلسطيني هو رفض السلطة الفلسطينية لنتائج الانتخابات ومحاولتها لتغيير المجريات، الأمر الذي لم تتقبله حماس وبدأ الصف الفلسطيني بالانقسام حتَّى أصبحت السلطة يدًا حاكمة في الضفة الغربية، وحركة حماس يدًا حاكمة في قطاع غزة.

ومن هُنا بدأ العالم ينظر نحو ملف سُمي بـ«المصالحة الفلسطينية» والتي لم تتم منذ ذلك الوقت رغم المحاولات الكثيرة لتطبيقها وإتمامها، فكان للانقسام البغيض أثر كبير في المشروع الوطني الفلسطيني ككل، ناهيك عن حالة الاقتتال الداخلي والاشتباك الذي لم يكن للصالح الفلسطيني أبدًا، ما جعله فرصة للاحتلال الإسرائيلي استفاد منها بشكلٍ كبير.

ومنذ ذلك الوقت انطلقت القيادة السياسية لكل من حركتي فتح وحماس لسلسلة ممتدة من اللقاءات والاستضافات من دول عربية وغيرها من أجل إنهاء حالة الخلاف وترتيب البيت الفلسطيني من جديد، وكانت مصر والسعودية في الطليعة حتى تم الوصول إلى «اتفاق مكّة» بين أطراف الانقسام والذي جرى توقعيه بتاريخ 8 فبراير (شباط) 2007م برعاية الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز.

كشعب فلسطيني دبَّت الفرحة في أوداجنا وبتنا آملين بإنهاء حالة الاقتتال وأن تتصافى القلوب ونعود شعبًا واحدًا لنا عدو واحد وهو الاحتلال الإسرائيلي، لكن للأسف لم يصمد هذا الاتفاق وعادت الأحداث لنقطة الصفر من جديد، وتجددت الاشتباكات التي انتهت بالسلطة يدًا حاكمة في الضفة الغربية، وحركة حماس يدًا حاكمة في قطاع غزة.

فأصبح الانقسام الفلسطيني عنوانًا لانقسامين آخرين أحدمها سياسي بين فتح وحماس وتوجهاتهما، وآخر جغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة يوم 14 يونيو (حزيران) 2007م.

وتوالت بعد ذلك المُبادرات الرامية إلى إنهاء الانقسام البغيض وتحقيق المصالحة الفلسطينية فمن اتفاق مكة تلاها مباردة صنعاء مارس (آذار) 2008م ومن ثم مباردة السنغال بالعام نفسه، وصولًا إلى «الورقة المصرية» عام 2009م، وإعلان القاهرة ما سُمي بـ«وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني» عام 2011م، ومن ثم إعلان الدوحة عام 2012م وكلها باءت بالفشل!

بل إن تطورات هذا الانقسام الأسود جعل من السلطة الفلسطينية تُجري الانتخابات المحلية الفلسطينية بالضفة الغربية دون إتاحة المجال لمشاركة قطاع غزة في أكتوبر 2012م.

صفقة القرن.. إعلان تصفية القضية!

منذ إعلان ترامب لما أسماه بـ«صفقة القرن»، ومشاعرنا كفلسطينيين تحركت باتجاه الغضب الشعبي الذي يرفض أي مخطط لإطاحة قضيتنا العادلة، كيف لا نغضب وهُم من يريدون تقسيم الأراضي الفلسطيني ومنح أكثر من 30% من مساحة الضفة الغربية المُحتلة أصلًا إلى كيان الاحتلال؟! والأمر لم يتوقف إلى هذا الحد، بل إن الخطر بات يحدق بالقضية من كل جانب، فقد قامت بعض الدول العربية بإعلان تطبيع كامل مع الاحتلال الصهيوني في خطوة تستوجب علينا كشعب فلسطيني أن الوقت قد حان لعقد اتفاق وطني موحَّد لمواجهة هذا الخطر الكبير.

ولعلّ الفُرقاء الفلسطينيين قد شعروا بالموجة الكبيرة التي تترصد بالقضية، فباتوا على قدمٍ وساق مِن أجل إتمام المصالحة الفلسطينية، فقد عقد رئيس السلطة محمود عباس اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، والذي لم يعقد منذ سنوات طويلة، شاركت فيه حركة حماس والجهاد الإسلامي.

وجرى اختيار تركيا لاجتماعات عقد المصالحة الفلسطينية وإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، ليبقى السؤال هل ستصدق الفصائل الفلسطينية في عقد اتفاقية وطنية للمصالحة الفلسطينية وتنفيذ تفاهماتها على أرض الواقع هذه المرة؟
وإن فشلت هذه الجهود، متى يكون الوقت المناسب للمصالحة الفلسطينية إن لم يكن الآن؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد