يُعاني الشعب الفلسطيني من الانقسام السياسي منذ سنوات طويلة واكبت الاستعمار البريطاني مرورًا بالكيان الصهيوني إلى يومنا هذا، وقد ظهرت معالم الانقسام في كثير من المنعطفات التاريخية، أكانت مرتبطة بالغير مثل الموقف من الاستعمار وسبل مواجهته، أو كانت مرتبطة بالشأن الداخلي مثل الموقف من إنشاء الدول العربية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم الموقف من عملية التسوية واتفاقيتها، والنظام السياسي المبني عليها، وحتى الموقف من شكل المقاومة لدولة الاحتلال، بين المقاومة المسلحة أو الشعبية أو السلمية.

وقد تجلّى الانقسام في أبرز معالمه بعد الأحداث الدامية التي حصلت في قطاع غزة يونيو (حزيران) 2007، والتي أفضت إلى سيطرة حركة حماس ذات الأغلبية النيابية على القطاع، وسيطرة حركة فتح على الضفة الغربية المحتلة.

ومنذ هذا التاريخ حصلت محاولات كثيرة سعت لرأب الصدع وإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني في داخل فلسطين وخارجها، كان الفشل السمة الغالبة عليها، رغم تسجيل بعضها اختراقات مهمة، مثل اتفاق القاهرة 2011، واتفاق الشاطئ 2014، والذي تشكلت بناءً عليه حكومة التوافق الوطنية برئاسة رامي الحمد الله، والتي فشلت حسب حماس، وأُفشلت حسب فتح في القيام بمهامها تجاه قطاع غزة.

حتى السابع عشر من سبتمبر (أيلول) 2017، حين أعلنت حماس حلّ اللجنة الإدارية والتي شكلت ذريعة السلطة في فرض عقوبات مختلفة ضد قطاع غزة، والتقت حماس وفتح في القاهرة، ثم التقت الفصائل لاحقًا، وتم وضع جداول زمنية محددة من أجل قيام الحكومة بمهامها تجاه قطاع غزة.

إلا أنه – وحتى اليوم – تشهد المصالحة تعثرًا كبيرًا في مسيرتها، حيث تتمسك فتح بما تسميه تمكين الحكومة، وترد حماس بأن الحكومة غير جدية في رفع العقوبات أو دمج الموظفين، فيما لا يزال قطاع غزة يرزح تحت أسوأ مراحل الحصار قسوة، حيث ازدادت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية سوءًا حتى مقارنة بما قبل اتفاق المصالحة الأخير.

هذا الواقع المُزري، وفي ظل حالة من الترقب لإمكانية اندلاع مواجهة مفتوحة مع الاحتلال الصهيوني لعدة أسباب، تجد حماس نفسها أمام ضرورة التحرك باتجاه تغيير الأوضاع بما يضمن لها تحسين الأوضاع المعيشية في قطاع غزة، وتمتين الجبهة الداخلية أمام الاحتلال، إضافة إلى التحديات الجسيمة التي تحدق بالقضية الفلسطينية والمرتبطة بقرار ترمب بخصوص القدس، ومحاولات فرض صفقة القرن عبر الولايات المتحدة وبعض الدول الإقليمية.

يحمل هذا المقال التساؤل الرئيس التالي:

ما هي خيارات حركة حماس في ملف المصالحة الفلسطينية؟

المحور الأول:

محددات تحكم رؤية حركة حماس تجاه المصالحة الفلسطينية:

1- الشعب الفلسطيني في قطاع غزة

يرزح الغزيون تحت حصار محدق منذ 11 عامًا، وهم بذلك يدفعون ثمن انتخابهم لحركة حماس، واحتضانهم للمقاومة الفلسطينية، لذلك تسعى جهات الحصار المفروض على القطاع ( إسرائيل، السلطة الفلسطينية، مصر)، لدفع الغزيين نحو الثورة في وجه حماس، وبذلك تؤتي مخططاتهم ثمارها.

لذلك تعتبر حركة حماس أن تمتين الحاضنة الشعبية أحد أهم مهامها، وأحد أهم الاعتبارات التي يجب أخذها بالحسبان عند تحديد رؤيتها تجاه المصالحة.

2- التحديات التي تمر بها القضية الفلسطينية

منذ مجيء ترامب إلى البيت الأبيض وتقاطع توجهاته اليمينية المتطرفة من طموحات الأمير السعودي بتولي سدة الحكم في البلاد، والتي تتفق مع الأطماع التوسعية لنظيره الإماراتي، وكذلك رغبة الرئيس المصري بلعب بلاده دورًا إقليميًا يغطي على فشله الداخلي، إضافة إلى تأكيد اعتماده صهيونيًا وأمريكيًا في موقعه في الرئاسة المصرية، فإنه تم تحديد القضية الفلسطينية كهدف أساس التقت عنده المصالح من أجل تتميم ما أسماه الرئيس المصري خلال لقائه نظيره الأمريكي صفقة القرن.

وتعتبر حماس أن أحد أهم الأسباب التي دفعت هذه الأطراف إضافة إلى الاحتلال، لهذا الحد من التغول غير المسبوق تجاه القضية الفلسطينية، هو تردي الموقف الفلسطيني الرسمي بسبب السقف السياسي المتدني للسلطة وفشل خيارها بالمفاوضات مع الاحتلال، ورأت أن المصالحة الفلسطينية من الممكن أن تزيد من قوة الموقف الفلسطيني الرسمي، رغم ملاحظاتها الجوهرية عليه، وقد قال القيادي في حماس يحيى السنوار، إن حركته تعمّدت دعم موقف الرئيس الفلسطيني قُبيل كلمته في الاجتماع الدوري للجمعية العامة للأمم المتحدة 2017.

3- الموقف التنظيمي الداخلي للحركة

أعلنت حركة حماس منذ سنوات أن أُطرها التنظيمية اتخذت قرارًا حاسمًا بالمصالحة الفلسطينية، وتم تعيينها كخيار استراتيجي للحركة، وقد ساهمت الانتخابات التنظيمية مؤخرًا في تجديد دماء القيادة التنفيذية للحركة، إضافة إلى تركزها في ساحة واحدة وهي غزة؛ ما ساهم في سرعة وعملياتية اتخاذ القرارات الاجرائية التي ساهمت في ترجمة القرار المبدئي بضرورة المصالحة مع حركة فتح.

4- الفصائل الفلسطينية عدا فتح وحماس

سعت حماس إلى إشراك الفصائل الفلسطينية في تفاهمات المصالحة الثنائية، ومن الواضح أن الحركة تسعى إلى إشراك أو على الأقل إطلاع الفصائل على مجريات المصالحة، رغم أن هذه الفصائل لا تساهم بشكل عملي في تحمل جزء من المسئوليات تجاه قطاع غزة، علاوة على أنها تفضّل اتخاذ مواقف رمادية وسطية في أغلب الأحيان.

5- الموقف المصري والإقليمي

من المهم لحركة حماس أن تُراعي الموقف الإقليمي عمومًا والموقف المصري بشكل خاص، لاعتبارات الأوزان السياسية وطبيعة الجغرافية، والتحكم المصري بأي إمكانية لتحسين الظروف المعيشية للقطاع بعيدًا عن الاحتلال.

وقد قدّمت حماس لمصر تنازلات كبيرة، أهمها حل اللجنة الإدارية، وهي معنية في بوضعها في صورة أي إجراء تتخذه الحركة في ملف المصالحة، خصوصًا أن العلاقات الثنائية شهدت تحسنًا في الأشهر الأخيرة على خلفية العمل المشترك على حدود سيناء غزة، رغم أن هذا التحسن لا ينفي توتر العلاقة مبدئيًا بين الطرفين.

المحور الثاني

سيناريوهات متوقعة يمكن أن تتخذها حركة حماس

السيناريو الأول: حكم حماس:

ويعني أن تقوم حركة حماس بممارسة مهامها في إدارة قطاع غزة، لسد الفراغ الناتج عن عدم قيام حكومة التوافق عن بمهامها، مع العلم أن حماس تأخذ بعين الاعتبار التالي:

أ‌. ضمان أنه في الإمكان تقديم تحسينات معيشية ملموسة لسكان قطاع غزة.

ب‌. يتم تشريع أداة الحكم عبر المجلس التشريعي الفلسطيني صاحب الولاية القانونية الممتدة.

ت‌. مراعاة الموقف المصري الجوهري.

الفُرص:

قد يكون هناك استعداد شعبي (نسبي) مع تنصل حكومة التوافق من مهامها.

اللجنة موجودة سلفًا وقادرة على مباشرة عملها بشكل سريع.

هناك قرار من المجلس التشريعي الفلسطيني بإنشائها.

التحديات:

ذريعة لفرض مزيد من العقوبات ضد قطاع غزة.

العودة إلى مربع الانقسام مرة أخرى.

ثقل ومسئولية مالية وسياسية كبيرة على حماس.

الموقف الفصائلي سيكون سلبيًا منها، وقد يتم مهاجمة حركة حماس.

السيناريو الثاني: حكم تشاركي

1- لجنة فصائلية:

بحيث يتم التوافق مع الفصائل الرافضة لتنصل حكومة التوافق من مهماها، والتشارك معهم في تشكيل لجنة إدارية فصائلية تدير شئون القطاع.

2- لجنة تكنوقراط:

مكونة من مجموعة من الخبراء والفنيين، وليس لهم انتماءات حزبية واضحة، ولا يحصلون على مسمى وزير.

الفرص:

تعزيز لمفاهيم الشراكة الوطنية.

عدم تحمل حماس مسئولية القطاع لوحدها.

حشد أنصار الفصائل خلف قرارات اللجنة.

قد تكون مقبولة لدى مصر وحتى الاحتلال( في حالة التكنوقراط).

التحديات:

تؤسس لانفصال حقيقي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ممكن أن تجلب مزيدًا من الإجراءات العقابية ضد قطاع غزة.

صعوبة تشكيلها لعدم رغبة الفصائل الوازنة تحمل مسئوليات إدارة القطاع الصعبة، وعدم قدرة الفصائل مواجهة غضب منظمة التحرير، وبالتالي حرمانها من المخصصات المالية.

3- حكومة وحدة وطنية:

المُضي في ملف المصالحة الفلسطينية، وعدم فقدان الأمل فيها، وصولاُ لهدف إشراك فتح بما لا يُلغي وجود حماس، وبمشاركة الفصائل الأخرى، وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

الفرص:

تحقيق عملي لمفهوم المصالحة الوطنية الفلسطينية.

ضمان رفع العقوبات عن قطاع غزة، وتحسن الوضع المعيشي للمواطنين.

قوة الموقف الفلسطيني السياسي.

التجهيز لانتخابات شاملة، تجدد الشرعيات الفلسطينية.

التحديات:

عدم رغبة فتح بهذا الخيار.

ضغوطات إسرائيلية تسعى لإفشال تشكيل حكومة وحدة وطنية.

السيناريو الثالث: الخروج من مشهد الحكم:

1- تسليم كل شيء لحكومة التوافق:

ويعني التحلل الكامل من كل مسئوليات الحركة في المجال الحكومي، وتسليم كامل المؤسسات والمقرات الحكومية لحكومة التوافق، ورفع اليد بشكل كامل، وإعلان عدم تدخل الحركة بأي شيء مرتبط بالعمل الحكومي.

الفرص:

عدم مسئولية الحركة عن الواقع المعيشي في قطاع غزة.

كسب الرأي العام، على اعتبار أن الحركة قدمت كل ما يمكن وما لا يمكن من أجل المصالحة.

تحسين الوضع المعيشي ورفع العقوبات.

فتح الاحتلال للمعابر مع قطاع غزة.

التحديات:

تخلي حكومة فتح عن موظفي القطاعين المدني والأمني.

وصول التأثيرات السلبية لمقدرات المقاومة في قطاع غزة.

2- إحداث فراغ أمني وسياسي:

وهو يعني إعلان عدم المسئولية عن قطاع غزة، وعدم تسليمها لأي طرف، وتحميل مسئولية ما يجري فيها إنسانيًا وأمنيًا للجهات التي تسببت في هذا الوضع.

الفرص:

 استنفار اهتمام كل الأطراف المعنية، بما في ذلك الاحتلال ومصر.

يؤكد على رغبة حماس في التخلي عن الحكم.

 يشكل ضغطًا على أطراف الحصار، مخافة انفجار الأوضاع.

التحديات:

 مغامرة غير محسوبة العواقب، وقد لا يمكن السيطرة لاحقًا على الأوضاع.

 قد يكون مفهومًا لدى الأطراف المعنية أنها مناورة من الحركة، وبالتالي عدم الاكتراث.

حدوث تراجع في الخدمات المقدمة للمجتمع، والتي هي في حدها الأدنى أصلًا.

الخُلاصة:

يبدو أن الوصول إلى مصالحة حقيقية، بعيد المنال، وذلك لاعتبارين مهمين:

الأول: أن هناك اختلافًا في فهم المصالحة لدى طرفي القضية، بحيث تعتبر حماس أن المصالحة تقتضي الشراكة الوطنية والسياسية، دون الحاجة لتقديم تنازلات مرتبطة بخطها السياسي وخصوصًا المقاوم، فيما ترى فتح بأن المصالحة تعني التسليم الكامل من طرف حماس، وإرجاع الوضع إلى ما كان عليه في غزة قبل يونيو (حزيران) 2007، وفرض رؤيتها السياسية والأمنية والإدارية على المشهد في قطاع غزة، لذلك تكرر دائمًا الحديث عن تمكين الحكومة، والسلاح الواحد والسلطة الواحدة.

الثاني: أن سنوات الانقسام أثبتت أنه ورغم وجود قرارات نظرية لدى الطرفين بضرورة تتميم المصالحة، إلا أنهما لا يلجآن للتعاطي الإيجابي مع ملفاتها، إلا في ظروف استثنائية، كما حصل من فتح عام 2011، وحصل من حماس عام 214، وعام 2017، ولذلك فإن البيئة الداخلية والإقليمية هي التي تفرض نفسها أكثر من الرغبة الذاتية، وعليه فإن أي تبدل في البيئتين الداخلية والإقليمية يصحبه تبدل في المواقف تجاه المصالحة الفلسطينية، ما يبقيها تراوح مكانها، وفي أحسن الظروف الانتقال من مربع إدارة الانقسام إلى مربع إدارة المصالحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد