كالعادة دائمًا هناك رغبة فلسطينية في إنهاء الانقسام والسير على طريق الوحدة الوطنية، وهذا ما شاهدناه على مرور سنوات كانت أشبه بالكابوس للشعب الفلسطيني عامة، وعلى وجه الخصوص سكان قطاع غزة الذي يعتبر المتضرر الأول من الانقسام سنوات طويلة، وتتبادر إلى مسامعنا المصالحة، وإنهاء الانقسام، ولكن سرعان ما يُصبح هذا الأمر حُلمًا للفلسطينيين.

وتحول هذا الحُلم رماد حُرق بأنانية من أطراف وجدت مصالحها الحزبية أكثر أهمية من مجتمع كاد يأكل التراب. يمكن القول بأن هناك عوامل متعددة تدفع باتجاه تعزيز نجاح المصالحة منها، التصريحات الإيجابية لكلا الطرفين، وظهور نوايا جدية في إنهاء الانقسام، إضافة الى أن تدني المستوى المعيشي لسكان قطاع غزة، ويتضح لنا أن التدخل المصري اليوم بات أقوى من سابقه في تصريحاته ومتابعته الدائمة للأحداث المتعلقة بالمصالحة.

لن ننكر رغبة الطرفين الصادقة ونواياهم الجدية في إنهاء الانقسام وإعادة اللحمة الوطنية، وتحقيق الوفاق الوطني والسير على طريق تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني من خلال الشراكة الوطنية، ويظهر لنا ذلك من خلال التصريحات المنقولة عن كلا الطرفين. بدأت فعليًا مسارات المصالحة من التخطيط إلى التنفيذ، وإن كانت تسير بوتيرة بطيئة الآن، وخلال الأيام القادمة على صعيد كافة الخطوات المقرر تحقيقها، وذلك يعود لاعتبارات سياسية محسوبة مسبقًا. الخطوة الأولى قد نُفِذت وسُلمت المعابر للسلطة الفلسطينية، وكانت حماس راضية وبقلبٍ صافٍ وكلمات جذابة ومُثقلة بالتفاهم من تسلم السلطة للمعابر وباركت الجهة المصرية هذه الخطوة, وتم تسليم الوزارات في القطاع، وهناك زيارات مستمرة من قِبل وزراء السلطة للقطاع.

نحن الآن في خضم أجواء وتحركات فعلية للمصالحة، ونحن نشاهد أعين صادقة وكلمات جديرة بالثقة من الطرفين لإنهاء هذه التشتتات ومحاولة النهوض بسكان قطاع غزة، وإعادة اللحمة لأرجاء الوطن الذي عانى من تشرذمات الوضع مرارًا وكانت المصالحة دائمًا تراوح مكانها كأنك تسير على درج متحرك.

بدأ الجانب المصري يظهر بحلة جديدة, ويحاول بكل ما تيسر له إرفاق الطرفين في صورة واحدة والظهور بقوة أمام الأطراف الدولية وإثبات فاعلية الدور المصري في تحقيق الوفاق بين أبناء البيت الفلسطيني، ويتضح ذلك من خلال مشاركة الوفد المصري خلال تسلم السلطة الفلسطينية المعابر ورسالة الرئيس عبد الفتاح السيسي لكلا الطرفين بضرورة محاولة إنجاح المصالحة بكل السبل والوسائل، وفي إطار ذلك يمكن أن نعتبر المصالحة الجديدة القائمة على الدعم المصري هذه المرة أقرب إلى الجدية، وإن كانت هناك مخاوف من العودة إلى نفس الدائرة المغلقة، والسير بنفس مسار المصالحات الماضية، ولكن هذه المخاوف يمكن أن نتلاشاها بالتفاؤل.

يعاني سكان القطاع ويلات الحصار ومشكلات جمة، وأبرزها مشكلة موظفي القطاع ومعاناة عائلاتهم معهم، والبطالة، أصبح هناك جيوش من الخريجين ولا فرص أمامهم، دفعت البطالة الكثير منهم إلى التفكير بالهجرة، مشكلة الكهرباء، والحصار المفروض من قِبل السلطة الفلسطينية، ومشكلة المياه غير الصالحة للشرب وغيرها من المشكلات، كانت دافعًا قويًا لحماس للالتزام بخيار المصالحة، وكلماتها إما مصالحة أو مصالحة، ولا خيار آخر.

الاجتماعات القادمة في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية ستكون بمثابة اجتماعات مصيرية لاستكمال اتفاق المصالحة والسير خطوات إلى الأمام في مسار التنفيذ، التوقعات تُشير إلى أن تكون هناك مرونة سياسية من قِبل الأطراف الفلسطينية بالتعامل مع الأجواء القادمة، ولاسيما فيما يتعلق بتقديم التنازلات، استيضاحًا لذلك ستكون هناك خطوات مرحلية قادمة بحيث سيتم في الاجتماع المقرر عقده في منتصف الشهر الحالي، تقييم ما تم إنجازه في القضايا التي تم الاتفاق عليها كافة، وبحث جميع بنود المصالحة الواردة في الاتفاق.

من المتوقع أن تكون هناك مرونة سياسية فلسطينية وتنازلات من الأطراف الفلسطينية لسير خطوات المصالحة بانسيابية أكبر في مناقشة موضوع تمكين الحكومة الفلسطينية والتعامل مع أزمة موظفي حركة حماس، وأيضًا فيما يتعلق بموضوع إعادة بناء الأجهزة الأمنية في قطاع غزة من خلال تضمين العنصر الفتحاوي، أيضًا التماشي مع الديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسطلة وستكون هناك خطوة للاتفاق على استراتيجية الانتخابات الفلسطينية القادمة.

الأطراف الفلسطينية اليوم أكثر حرصًا وقراءة لتطورات الأوضاع الدولية وخطة ترامب لإحداث السلام الدولي، صفقة القرن، والتي أعتبرها بداية لتصفية المشروع الفلسطيني بإحداث سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لذا علينا التخلص من عقدة اتفاقية أوسلو بأنها معرقلة لتحقيق سلام في البيت الفلسطيني.

يمكن القول بأن (حادثة النفق) والرغبة الإسرائيلية الواضحة في إبقاء التشرذم في المجتمع الفلسطيني كان من المتوقع بأن تبعثر أوراق المصالحة، ولكن الطرف الفلسطيني (حماس) أبدى حماسة واضحة بأنه عازم على عدم السير بطريق يمكن أن يجعل من المصالحة أمرًا ثانوي وسيتم الرجوع له لاحقًا، بل أصبحت مجبرة على تحقيقها، كيف لا وأصبح الشعب الفلسطيني عامة وعلى وجه الخصوص قطاع غزة يعاني من ويلات وويلات اقتصادية جمة أرهقت كاهل الحكومة داخل القطاع، ولا سيما الحصار الذي أكل سنوات من حصاد الفلسطينيين، وأرهق كاهل القيادة، وأثقل الغزيين، وقتل آمالهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد