إن اللاجئين الذين تركوا أوطانهم خلفهم، هم الأكثر ضعفًا في عالمنا اليوم، هم الذين تقطعت بهم السُبل وتُرِكوا بدون مكان يستطيعون المُطالبة فيه بحماية حقوقهم، يائسون وبلا حماية، بل غالبًا ما يفتقرون حتى للاحتياجات الأساسية للمضي قدمًا في الحياة، هم بلا أوطان.

وقد كان هذا هو الحال الذي يُعاني منه الفلسطينيون المقيمون في لبنان على مدى العقود السبعة الماضية خاصة، فهم محصورون في اثني عشر مخيمًا للاجئين في جميع أنحاء البلاد، وأكثر من 250,000 فلسطيني اليوم لا يحملون جنسية أي دولة مُعترف بها.

ترسم كلمات نزيه شبايتا – أحد المُقيمين في مخيم عين الحلوة للاجئين – مشاعر اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بصراحة تقشعر لها الأبدان، حيث يقول: «الوطن هو بيتك حتى ولو كنت تعيش تحت أشجار الزيتون». ملاحظته المفعمة بالعاطفة تترك انطباعًا عميقًا داخل أي شخص لم يفكر يومًا في معنى أن تكون شخصًا «بلا وطن». يضيف نزيه «ليس لدينا وطن، نحن لاجئون هنا».

نزيه شبايتا – وهو مهندس فلسطيني – مجرد واحد فقط من المئات من سكان المُخيم ذوي التعليم الجيد، ذلك المُخيم الذي لا يسمح القانون لسكانه بالعمل حتى ولو سائقي سيارات أجرة في لبنان.

هناك الأطباء والمهندسون والمحامون الذين – وعلى الرغم من كل الصعوبات التي واجهتهم في حياتهم – كانت لديهم القدرة على الحصول على منح دراسية لنيل درجة البكالوريوس في لبنان أو في الخارج. ومع ذلك، فلا يمكنهم ممارسة مهنهم بغض النظر عن مدى أهليتهم. شرح نزيه وضعهم في إيجاز، وقال: «نحن ممنوعون من العمل، كي لا نتنافس مع اللبنانيين هنا». خلال ثمانية وستين عامًا في المنفى، ولدت وترعرعت أجيال جديدة في هذه المخيمات بدون أي تحسن بشأن الحقوق والحريات المدنية والاجتماعية، المجتمع الذي يضربه الفقر مع الأزقة الضيقة والمنازل التي تم بناؤها فوق بعضها البعض من الممكن أن تُعطيك لمحة عن الظروف البغيضة السائدة في المخيمات. تلك المُخيمات مُهملة وفي حالة يُرثى لها، وبعيدة كل البعد عن توفير الاحتياجات الأساسية للسكان، فالمنازل هناك تفتقر لوجود البنية التحتية الأساسية؛ في ظل غياب الكهرباء، والمياه العذبة، والمعالجة المناسبة لمياه الصرف الصحي، مما يُشكل تهديدًا مستمرًا على صحة السكان. وفي نفس الوقت، فقد منعت الحكومة بناء أية هياكل دائمة في المخيمات، حتى لا تُشجع على استقرار اللاجئين بشكل دائم، كما يشمل هذا الحظر صيانة أية مبانٍ قديمة، وهذا يُفسر المظهر البائس للمخيمات.

أما بالنسبة لشباب عائلات اللاجئين، والذين تقل جدًا احتمالات التعاقد معهم لوظائف اعتيادية في لبنان، فغالبًا ما يرتحلون لبلدان اُخرى تاركين عائلاتهم خلفهم، يُضاف هذا التشتت في العائلات إلى المأساة التي يعيشها هؤلاء على مر السنين.

مما لوحظ خلال تلك العقود السبعة – وتدعمه العديد من التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان كذلك – فالحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن السلطات اللبنانية تصر على تقييد حقوق الإنسان، والحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والحريات للاجئين الفلسطينيين في حين يتم إعاقة اندماجهم في المجتمع بسبب عوامل اجتماعية وثقافية مختلفة، بالإضافة للنظام السياسي والطائفي الممزق.

مختلف المشاكل المرتبطة بالسياسات الموجهة إلى اللاجئين في لبنان يمكن التغلب عليها عن طريق التعديلات القانونية. وبسبب اشتراك لبنان في العديد من إعلانات حقوق الإنسان والمواثيق والاتفاقيات الدولية، فهي مُلزمة بالوفاء بالتزاماتها القانونية والإنسانية المُحددة بموجب هذه العقود. ومع ذلك، فأي نوع من الحماية المؤسسية والأُطر التي ستوضع موضع التنفيذ يجب أن تكون قد بُنيت على أساس إنساني حقيقي سواء على مُستوى المجتمع أو على مُستوى الدولة. يجب على المجتمع اللبناني أن يؤمن أساسًا – وقبل أي شيء آخر – أن بيئة مليئة بالهدوء، والمحبة، والرحمة فقط هي ما يمكنها إفادة وتحسين وضع البلد، وللحصول على مثل هذه النتيجة الجيدة، فعليهم اختيار التضامن بدلًا من الانقسام، والوحدة بدلًا من العداء، والتعاون مع كل التركيبة السكانية المختلفة في المجتمع بدلًا من نبذ بعضهم.

في الواقع، لا تزال الولاءات على أساس طائفي تقسم لبنان بشكل خطير، كما تقسم الشرق الأوسط بأكمله، ولذا يُشكل دمج اللاجئين الفلسطينيين – ومعظمهم من السنة – في المجتمع اللبناني خطرًا على التوازن الهش الموجود بالكاد بين المجموعات الطائفية في البلاد. هذا هو السبب في أن تحسين جودة حياة اللاجئين يعتمد في الأساس على تسوية هذه القضايا الطائفية بين مختلف طبقات المجتمع. وغنيٌ عن القول، أن التمييز ضد أفراد الطوائف المختلفة أو ضد المسيحيين لن يحمل أية نتائج جيدة على الإطلاق، ولكنه فقط سيجلب الصراعات والتوتر ويقوض الرخاء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع. الانقسامات واضحة ويمكن التعرف عليها بسهولة في جميع أنحاء المنطقة. لذا، فمن الأهمية بمكان أن تنأى لبنان بنفسها عن تلك الآفة، وتُرحب بالمجتمع الفلسطيني كما هو.

وإن لم يحدث هذا، فستبقى لبنان بلدًا ضعيفًا مع تقلبات اجتماعية واقتصادية تخفق في تحقيق الازدهار لجميع السكان، وعدم القضاء على مثل هذه السياسات المتناقضة سيُبقي لبنان بعيدة عن تطلعاتها بأن تُصبح نموذجًا للوطن العربي الحديث من حيث الثقافة، والتعبير، والفن. وهذه السياسات ستقوم فقط بعزل، وإحباط، وتقليل أي رخاء اقتصادي مُحتمل لكلٍ من اللاجئين والمجتمع اللبناني ككل، بينما تعليم هؤلاء اللاجئين ودمجهم في المجتمع، سوف يؤثر بإيجابية على الاقتصاد اللبناني، لأن الكثير من اللاجئين – في نهاية المطاف – يمكنهم أن يُسهموا في تحسين مستوى المعيشة والناتج المحلي الإجمالي للبلد ككل.

كما أنه لا ينبغي أبدًا أن ننسى أن الفلسطينيين واللبنانيين أمتان تتشاركان في نفس الجغرافيا، ولكونهما جيرانًا، فإنهما يرتبطان بروابط تاريخية وثقافية متشابهة فيما بينهما، وبالمثل ينبغي أن تجتمع هذه الروابط مع المبادئ الأساسية من الحب والاحترام والتفاهم والوئام والتعاون.

ولتحقيق الرخاء لجميع الأفراد الذين يعيشون داخل حدود لبنان، يجب على الأغلبية أن تبدأ في التركيز على القيم المشتركة، بدلًا من تضخيم الخلافات. وبمجرد وضع التجارب المؤلمة للماضي جانبًا، سيكون من الممكن الحفاظ على المجتمع قويًا ببناء أساسه على التضامن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد