في الفترات السابقة شكلت الانتخابات الفلسطينية رؤية محصورة ما بين العاطفة والتمركز العائلي والديني، حيث استطاعت حركة حماس جلب الأصوات العديدة تحت شعار (التغيير والإصلاح) والعمل العسكري ضد الاحتلال في السنوات التي سبقت انتخابات 2006م، ودخل الشعب الفلسطيني منعطفًا وتحولًا من خلال دخول الإسلام السياسي في الحياة الفلسطينية، واستبشر الشعب خيرًا وعلقوا الأمنيات بإحداث تغير جذري بعد الوعود الرنانة من أصحاب القامات المنتخبة، ولكن كانت الوعود سرابًا بلا مأوى من خلال تربع المصلحة الحزبية على المصلحة العامة، مما أدخل الفلسطينيين بحياة تسبح في نفق مظلم ليس له آخر من خلال إجراءات حركة حماس ضد أبناء الشعب عامة.

وقد تعززت القناعة للشعب الفلسطيني لصندوق الاقتراع، حتى لا يتكرر الاستخفاف بعقول هذا الشعب تحت حجج وشعارات واهمة، كما سبق في تجربة حماس، فالانتخابات مطلب لتغيير العقول والوجوه، وجزء من الشروط الدولية التي أقرتها اتفاقية أوسلو، والتحدي الأكبر هو: كيف نجعل من الانتخابات عرسًا واحتفاء بالمشهد الفلسطيني الديمقراطي؟ فالناخب يريد انتخابات نزيهة لإحداث تغيير جذري لإزالة الطبقة المادية الحاكمة، ولإخراج النظام السياسي من ويلات الانقسام الأسود طوال 14 سنة عجافًا، فالمشكلة ليست في شخوص المجلس التشريعي، أو بالقوائم المشتركة أو غير المشتركة، بل المشكلة في تدوير وتوجيه الحاكم الذي يتشبث بالكرسي بآلة وأجندة خارجية تحت ذرائع وستار عقائدي لتضليل الناخب.

وللخروج من المأزق اجتمعت الفصائل على مدار السنوات السابقة للاتفاق على إنهاء الانقسام الأسود في العديد من الدول العربية بدون جدوى، بل زاد القهر والظلم أهل غزة اجتماعيًّا واقتصايًّا وسياسيًّا، ما جعل الفقر والبطالة ملازمًا يحل ضيفًا يتربع في كل بيت غزاوي، فالاقتصاد أصابه الشلل وإن تحرك يتحرك ببطء، فالحالة الاقتصادية تعد من العوامل المؤثرة في الرغبة الملحة في تصويت الناخبين بعد تجربة أربعة عشر عامًا، فحماس التي تحكم القطاع هي أمام تحديات وصعوبات يفرضها الواقع بعد أن تجاهلت الشعب، لأن الشعب هو رمانة الميزان ويستطيع التغيير بالطرق السلمية القانونية من خلال صندوق الاقتراع.

فدور الفصائل الأخرى الفلسطينية مغيب للغاية في الفترات السابقة، وتسعى الآن الفصائل بأطيافها إلى إعادة تدوير الوجوه لعناصرها، وهذا الأمر يصطدم مع الواقع الذي عاشه الشعب الفلسطيني طول السنوات العجاف في القطاع، فتبديل القبعات لن يجدي مع الناخبين شيئًا، وعليه يحب التغيير في الإستراتيجيات التي تتبناها الفصائل لتلبية رغبة الشارع في التغيير، وإدخال عناصر شابة وأكاديمية، وإقصاء جميع الوجوه التي تربعت بكراسيها.

فالانتخابات شيء أساسي للفلسطيني وأمر ملح للتغيير من خلال إشراك الكفاءات العلمية الجديدة، حتى لا يبقى مصير الشعب الفلسطيني بيد عدد من الأفراد كانت مصالحهم المادية هي السمة الغالبة، فقد تحمل القطاع ما لا يستطيع أحد أن يتحمله فهل لا يستحق أن يكون له ممثلون جادون للخروج من عنق الزجاحة؟

فصندوق الانتخابات يعد المخرج للخروج من هذه الأزمات، فحركة حماس لا ولن تسلم السلطة بدون انتخابات، لذلك ومن خلال قراءة المشهد العام يتضح أن الانتخابات هي مخرج لأزماتها وخروجها وتسليم السلطة بطريقة قانونية، ولكن لا يمكن لهذه الانتخابات أن تنجح إلا بإزالة حالة الانقسام والتوافق بين الأطراف والقبول بنتائج الانتخابات لضمان تسليم السلطة لمن ينتخبه الشعب.

فالانتخاب حق شرعي لكل فلسطيني يدلي بصوته لمن يحمل اللواء وينقذ ما يمكن إنقاذه بعد تجربة أربعة عشر عامًا، وهنا ماذا جنينا في هذه الفترة؟ فيجب أن يدرك الفلسطيني ماذا جنى من تجربة حكم غزة قبل أن يصل صندوق الاقتراع ليغير للأفضل حسب رؤيته لتأمين حق العيش للأجيال القادمة من بعده.

ولعل الإقبال الشديد على التسجيل في سجل الناخبين بعد المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس الفلسطيني، محمود عباس أبو مازن، والذي وصل لنسب مرتفعة مقارنة بالانتخابات السابقة، هذا يدل على استفتاء كبير لعملية التغيير، فالشعب أوعى مما يتصور أي إنسان ويستطيع أن يصل ويضع صوته في المكان المناسب بدون تردد فالتصويت حق وتعبير شخصي، يُقدر فاعله ويُدان تاركه.

فإرادة الشعب يجب أن تتجلى من خلال انتخابات نزيهة بالاقتراع، حيث يعد التصويت وسيلة أساسية للأفراد للتعبير عن حالته، فإن البرنامج الناجح هو الذي يحقق مصداقيته حاضرًا ومستقبلًا، بدلًا من استخدام الشعارات الرنانة المخدرة التي لا تغني ولا تسمن من جوع، فكلمة أخيرة لمن يسمع لتلك الشعارات ألا تأخذه الجلالة بإثارة مشاعره من حملاتهم الواهية من أي مشروع حضاري للتغيير نحو مستقبل واعد، فالشعب الفلسطيني يريد من يُمثله لا من يُمثل عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد