قامت إحدى وكالات الأنباء العالمية الإخبارية ذائعة الصيت ببث برنامج كان مقدمه شابًا فلسطينيًا من قطاع غزة يتناول عدة موضوعات مختلفة مثلًا عن محاولة دولة الامارات العربية المتحدة العبث بأمن دولة قطر والمساهمة في عمل انقلاب هناك حتي يتم تحييد الدور الذي تلعبه الإدارة القطرية، والذي يمثل اختلافًا فجًا وغير عادي في تشكيل السياسة الخليجية العامة في المنطقة العربية، بل الإسلامية أحيانًا وهذا ما لم أتناوله.

ولكن التقرير الإخباري الأخير الذي بث على هذه الفضائية والذي تناول موضوع غاية في الحساسية، وهو أمر سلاح أحد أذرع وفصائل المقاومة بفلسطين، ألا وهي حركة المقاومة الإسلامية حماس، والتي باتت تمثل تحديًا صارخًا، ونموذجًا فريدًا، ورائعًا ومحيرًا، ولغزًا كبيرًا في العالم الإسلامي في مواجهة الاحتلال الصهيوني والإمبريالية العالمية.

المادة الوثائقية الإخبارية الأخيرة التي حملت عنوان (الصفقة والسلاح)، والتي أذيعت مؤخرًا حملت مجموعة من المكونات المختلفة التي لها دلائل عدة فهي ما بين الرسائل والمعلومات والتاريخ والتنبؤات بمستقبل فلسطين والعالم الإسلامي.

الرسالة الأم في هذا الصدد كان مفادها أن المقاومة لا تقهر، وأن إسرائيل أوشكت على الانتهاء والاندثار والتلاشي، وهي الآن تعاني من الموت السريري البطيء، وما الوضع الحالي بالنسبة لها إلا جسدًا موضوعًا على أجهزة التنفس الاصطناعي، وتعاني من موت المخ إكلينيكيًا، وتنتظر قرار الموت الرحيم حتى يواري جسدها الهش الثرى، بعد أن عبثت بالوطن الإسلامي لردح من الزمان، ويستطيع الشعب العربي والإسلامي إكمال مشوار الحضارة والحياة، الذي توقف لعقود منذ أن تم غرس الكيان الصهيوني بالتربة الإسلامية والعربية.

الأغرب والأعجب في موضوع حصول حماس على السلاح هو الرحلة التي ينطلق منها هذا السلاح بداية من بندر عباس في إيران مرورًا بميناء بورتو سودان، ثم يحمل على شاحنات ليجتاز الصحراء المصرية وصولًا إلى محطته النهائية في رفح المصرية، ثم إلى غزة.

كل هذه الرحلة كانت تتم تحت عين وسمع كلًا من المخابرات السودانية والمصرية وبموافقة كل من نظامي البشير وحسني مبارك، واللذين كان يمثلان إحدى درجات العمالة لأمريكا، ولكنها لم تصل إلى الحد الذي وصلنا له اليوم.

وهذا الذي يفسر سبب تخلي أمريكا عن الأنظمة العربية القديمة التي كان لديها نفحة من التمرد على القرار الأمريكي، بل ممارسة اللعب مع الإدارة الأمريكية باستخدام المقاومة كورقة ضغط عليها.

مبارك الذي كان يحاصر غزة في العلن لم يغلق الأنفاق، ولم يدمرها، ولم يبن جدارًا عازل تحت الأرض يمتد لأمتار، ولم يدمر مخزون المياه الجوفية بضخ مياه البحر المالحة بباطن الأرض، بل كان يمارس لعبة التوازن بين الصهاينة والمصالح المصرية التي تستدعي وجود مصر في المعادلة الجيو-سياسية، وذلك للحفاظ عليها ككيان سياسي عربي ضخم، وكذلك عدم تعدي الكيان الصهيوني وتوغله في الداخل المصري من جديد.

ثم لما تم قطع هذا الطريق على المقاومة من خلال إيجاد نظام مصري جديد أكثر صرامة وأشد وطأة من نظام حسني مبارك، وهو نظام الجنرال المنقلب، وكذلك إزاحة البشير الذي كان أيضًا أقل تعاونًا، كان على المقاومة إيجاد البدائل للخروج من أزمة الإمداد والتموين العسكري إذا ما تم شن حرب إسرائيلية على القطاع مرة أخرى، فكان حل المقاومة سحريًا وعبقريًا وهو جمع مخلفات الذخيرة التي ضربت بها غزة أثناء العدوان الصهيوني وإجراء عملية إحلال وتجديد وميكنة وهندسة فيزيائية لهذه القطع مرة أخري لإعادة الاستخدام، بل تم حل شبكة المياه المعدنية الجوفية داخل غلاف غزة للمغتصبات الصهيونية التي نزح عنها المغتصبون الصهاينة بعد سيطرة المقاومة عليها.

هذا الأمر يجعلك تقف مذهولًا عن إبداع رجالات المقاومة الذين بالفعل يعبرون عن روح الحضارة الإسلامية الحداثية الجديدة التي تستغل كل شيء في سبيل الدفاع عن الأخلاق والمبادئ والأفكار التي بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليتممها في أمة العروبة، ويؤكد أن المسلمين قادرون على أن يبعثوا من جديد، وأن يحيوا الإمبراطورية الإسلامية من جديد إذا توفرت لهم السبل، وتذللت أمامهم العقبات، ولكن تبقى الأنظمة العميلة أكبر عقبة في وجوههم.

أضف إلى هذا أن الأمر لم يتوقف عند بحث المقاومة على بقايا السلاح المعطل والمعطوب وإعادة تأهيله من جديد، بل الأمر تعدى أكثر من ذلك، ولولا أن الأمر تم توثيقه بكاميرات الڤيديو لقال المشاهد العربي: «إن هذا إلا أساطير الأولين».

قام رجال الضفادع البشرية الفلسطينية بثبر أغوار بحر غزة صالوا وجالوا في مائه، وكأنهم على موعد مع القدر لكي يصطدموا برفاة بارجتين بريطانيتين غرقتا في الحرب العالمية الأولى، ثم رقدتا في هذا المكان انتظارًا لذلك اليوم الذي سوف يمثل عيدًا للأحرار بفلسطين، ولكي تعطي كلًا منهما خيرات الله من أسلحة وذخيرة تمثل عونًا ومددًا للمقاومة الإسلامية، وكما قال أحد الناس تعبيرًا عن هذا الأمر: «هذه بضاعتكم ردت إليكم»، وذلك حتى تستمر عجلة النضال، وفي النهاية فلقد أثبت هذا التقرير الإخباري الرائع أن المسلمين قادرون، ولديهم في جعبتهم الكثير والكثير ليقدموه للعالم الذي نفد رصيده الأخلاقي، والذي يحيا فقط بسبب العلم الذي سوف يكون هو الباعث الحضاري لمجتمعاتنا الإسلامية بعد أن تنفض من على ردائها غبار الأنظمة الخائنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد