مع اشتعال حدود قطاع غزة في 14 من مايو (أيار) إحياء للذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية، وردًّا على احتفالية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة واستشهاد عشرات الفلسطينيين برصاص جيش الاحتلال، برزت أسئلة عديدة حول مضامين تصيد الخطاب «الإسرائيلي» في المياه الفلسطينية العكرة محاولةً لتلويث ظاهرة النضال الشعبي متمثلة بمسيرات العودة.

ربما كان الاستثمار الظاهر للعيان هو التطبيع الإعلامي عبر الشاشات العربية من خلال ظهور قادة ومحللين وعسكريين «إسرائيليين» نظراء لعرب وفلسطينيين، في برامج حوارية حول الحراك الشعبي وتطورات الأوضاع في غزة، وترويجهم لما يسمى «الدول العربية السنيّة المعتدلة» التي تجمعها مصالح مشتركة مع «إسرائيل».

وبرزت خلال الفترة الماضية مفاتيح الخطاب «الإسرائيلي» في التعاطي مع مسيرات العودة، سواء الموجهة للداخل «الإسرائيلي» أو للشارع العربي، ولعل أبرزها محاولة إقناع المتابعين أن ما يحصل تتم تغذيته من قبل حركة حماس وحدها تارة، ومن قبل إيران تارة أخرى، بالاستفادة من سلطة الأمر الواقع القمعية التي تفرضها حماس على قطاع غزة لتبرير جرائم جيش الاحتلال ضد المتظاهرين العزل وشرعنة الحصار المستمر على القطاع منذ 11 عامًا، والبناء في صناعة الرأي العام ضد الحراك على نعت حماس وقادتها بـ”الإرهاب” وتوجيه ذلك ضد الشعب الفلسطيني، وتتضح هنا محاولات صناع الخطاب «الإسرائيلي» للعب على أوتار منها الانقسام الفلسطيني بتعويم نظرية «حمسنة» الحراك لإظهاره وكأنه فعل من جانب واحد لا يد للشعب فيه أو لبقية الفصائل ما يبرر الاستفراد بالمتظاهرين وتصفيتهم.

 فضلًا عن السعي الحثيث لخلط الأوراق في ما يخص الرأي العام العربي بإلباس حراك غزة الثوب الإيراني في ظل الحرب الكلامية المشتعلة بين «الإسرائيليين» والإيرانيين مؤخرًا والضربات «الإسرائيلية» التي استهدفت مراكز الوجود الإيراني على الأراضي السورية، ومحاولة إشعار المتابع أن أهل غزة لا ينطقون عن هوى قلوبهم وقناعات عقولهم، بل بأوامر وتحريك من سطوة الداخل وتأثير الخارج، وهو ما من شأنه محاولة تشويه صورة الحراك بنسبته إلى أطراف أخرى، وتجريده من صفة الشعبي والسلمي.

ويسعى الخطاب “الإسرائيلي” هنا إلى تعزيز ادعاء أن حراك الغزيين ممول ومدعوم من حلفاء النظام السوري لجعل النظرة إليه تقترن بديباجة الممانعة والمقاومة التي يختزلها هؤلاء ويزايدون بها على أي آخر يختلف عنهم ويستخدمونها مبررًا لقتل السوريين والفلسطينيين، ليصب كله في خانة السعي لتقزيم بطولات الشباب الفلسطيني وترسيخ التناقضات الاجتماعية والسياسية ضمن الشعب الواحد، ناهيك عن مسعى تنفير الحاضنة الشعبية والرأي العام العربيين من نضالهم بعد لصقه بالأسد وحليفته إيران التي شاركت وتشارك في تفتيت المجتمعات والدول العربية وهو ما ينعش بالضرورة كل الأنظمة القمعية التي في المنطقة ويزيد ضغطها على الفلسطينيين.

كما استخدم الخطاب «الإسرائيلي» أسلوب إعلام النظام العربي الرسمي وأزلامه ضد ثورات الربيع العربي، من خلال اتهام المتظاهرين الفلسطينيين بتلقي مبالغ مالية (100 دولار لكل شخص) لقاء خروجهم بالآلاف في المظاهرات شرق غزة، في مسعى لتمييع مطالب الجماهير وإظهارها على أنها مجموعة من المرتزقة تخلو من أي فكر أو هدف وهو منفي البتة.

لكن يبقى أكثر ما نجح الخطاب «الإسرائيلي» في استثماره من خلال مسيرات العودة والذي يصعب على أي محلل أو دارس نفيه أو إثبات عكسه، هو الاستثمار في حقيقتين مرتين أولاهما المحاججة بديكتاتورية السلطات الفلسطينية والعربية من خلال طرح الإعلاميين «الإسرائيليين» حقا يراد به باطل وهو التركيز على ديكتاتورية سلطة حماس في غزة وقمعها أي تظاهرة شعبية تحتج على ظروف المعيشة الصعبة مقابل دعمها أي حراك داخلي أو ضد الاحتلال يفيدها ويعزز حضورها على الساحتين الفلسطينية والخارجية، في مسعى من صناع الخطاب في كيان الاحتلال للاستفادة من ذلك ضد الحراك الغزي نفسه وإظهار أن «إسرائيل» واحة للديمقراطية. ويضاف أيضًا تكرار الحديث حول ديكتاتورية سلطة رام الله أو ما بات يعرف لدى أوساط «إسرائيلية» بـ«المستعمرة السعيدة» من خلال التأكيد في مقالاتهم على فكرة قمع السلطة للشبان الفلسطينيين وفرضها التنسيق الأمني بالقوة لمنع أي حراك فلسطيني شامل ضد الاحتلال بالضفة الغربية، وهو ما يهدف بالمحصلة إلى تيئيس الفلسطينيين في الضفة والقدس وأراضي الـ48 وعزلهم وترويضهم عن أي فعل مقاوم.

أما الحقيقة الثانية فهي اللعب على أوتار الصراعات ومكامن الخلل العربية والفلسطينية التي أصابت أصحاب القضية بالتخبط وفشلوا أنفسهم في التوصل إلى أنصاف حلول بشأنها.

ولعل الاستثمار الأخطر والأكثر حساسية في هذا الإطار ما جاء على لسان أحد المحلليين السياسيين «الإسرائيليين» خلال ظهوره على إحدى القنوات العربية بحديثه عن صمت الإعلام والفصائل والمجتمع الفلسطيني ومن ورائهم الإعلام العربي عن تدمير بشار الأسد وروسيا مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين وقتل من تبقى من سكانه، مقابل تركيزهم الحديث على شهداء غزة، وتساؤله عن أسباب تجاهل المذكورين لقتل اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وتمييزهم بين دم فلسطيني ودم فلسطيني آخر، والمؤكد هنا أن تلك الحقائق حين تصدر عن «إسرائيلي» فهي تندرج ضمن «الصدق الكاذب» والمقصود من ورائها تكريس التناقضات والانقسامات والتشظيات الاجتماعية والسياسية الفلسطينية.

غير أن الحل الأمثل لا يكون بمحاولة دحض ما ورد سيما وأنه ظاهر للعيان ويصعب نفيه، بل بالبحث عن نقاط الضعف في المجتمع «الإسرائيلي» وتعريتها والاستثمار فيها لأنها الرد الأمثل على السابق والتمهيد الرئيس لأي تصفية ثقافية واجتماعية وسياسية للكيان المحتل، إضافة لاتخاذ منهجية توعوية فلسطينية بإنشاء حركة توعية ثقافية وإعلامية حرة تسد الفجوات وتخفف حالة التشظي.

ولأنه لا مانع من الوقاية لتخفيف تكاليف العلاج الباهظة بعد كل هذه التراكمات السلبية، فينبغي لحركة التوعية تلك بناء خطاب فلسطيني يعزز الحريات العامة وصولا إلى ترسيخها على قاعدة “التحرر قبل التحرير”، ويتحسس اللاجئين وينبذ كل ما يحط من قدرهم أو يسخف تضحياتهم أو يتعامى عن مواجعهم التي لا تنفصل عن فلسطينهم الأم، ويقدر مكانة المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل في الصراع ويدعم صمودهم في أرضهم، إضافة لتجريم التطبيع والارتماء في أحضان الأنظمة العربية ونبذ أي تلاعب بالثوابت الفلسطينية المعهودة في الخطاب الفلسطيني أيا يكن صاحبه، وكل ما سبق من شأنه تحصين البيت الفلسطيني بمواجهة أي استثمار «إسرائيلي» أو إقليمي سياسيًّا كان أم إعلاميًّا والحيلولة دون تحقيق أي اختراق. ومن الضروري عدم خضوع الفلسطينيين لمحاولات قلب المفاهيم، ورفضهم الاستسلام والتسليم ومواصلة كل أشكال النضال والمقاومة والدفاع عن الوجود رغم سيل النكبات وكثافة الاستهداف والتنسيق المتناغم ضدهم.

ولأن قضية فلسطين عادلة بامتياز فيبقى أبرز ما يمكن التأكيد عليه ضرورة تعزيز مفهوم العدالة بكل أنواعها وتفرعاتها داخل المجتمعات الفلسطينية بحيث تشمل الجميع في الذهنية الفلسطينية ولا تستثني أحدًا من الفلسطينيين أو سواهم من الشعوب المقهورة لاعتبارات منفصلة عن الواقع، وتحجم أي فكر يبرر الظلم الذي يعتبر النقيض التام لقضية فلسطين، وإلا ذلك سيستمر الخطاب «الإسرائيلي» في استثماراته التفصيلية الدقيقة وقد يطورها إلى استثمارات صادمة ومفاجئة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد