الحالة الفلسطينية نموذجًا.. رؤية مواطن

لست من الممتهنين بالسياسة أو المرتزقين منها، لكن نفسي التي تعايش واقعًا يموج بالتقلبات والتناقضات أبت إلا أن تشارك عقلي التفكير في أمور باتت بديهية، أمور أدخلت الجميع في حالة من التيه والفقد، أمور ظاهرها وطني غض وباطنها استخفاف بأدنى حقوق الإنسان، وتمويع لأي حلول يمكن أن تحقق للمواطن مواطنته أو للمجتمع استقراره، أمور لا تظهر إلا ملامح تطبيق إستراتيجية (الإلهاء) التي أشار لها ناعوم تشومسكي في دراسته (إستراتيجيات التحكم العشر) والتي استند فيها على وثيقة سرية يعود تاريخها إلى العام 1979 بعنوان: (الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة) والتي اعتبرها صورة من صور على تشتيت اهتمامات العامة ليبقوا منشغلين بطلب حقوقهم وعدم الاكتراث لما تقرره النخب السياسية، والتعامل مع الحشد الفكري الشعبي بأسلوب طفولي، تثير عواطفه بدلًا عن تفكيره، وليس هذا فحسب، بل إرغامه على الشعور بالذنب فيما يجري، وتجنيد المنتفعين من الوضع القائم للدفاع بشتى السبل عن الأفكار التي تكرس فكرة أن الخلاص لا يكون إلا بهذه الطريقة ولا بديل عنها.

تصريحات وبيانات ومواقف.. شجب واستنكار.. مد جذور.. كلها مصطلحات الهدف منها فرض السيادة وتعظيم السلطة التي هي في الأصل تفويض من الموطن لإدارة شؤونه، لكن للأسف لا أجد فيها من الوطنية شيء يظهر حسن النوايا أو يحقق المصلحة العليا، فما هي إلا إدعاءات صمود وتحدي لا تؤدي في النهاية إلا إلى قضم الحياة وإفراغ المشروع الوطني من مضمونه.

إن التثبت والتعنت والإصرار على شروط ومواقف بعد كل مبادرة لإنهاء الانقسام السياسي، وإنهاء معاناة المواطن ما هي إلا استباحة للعقول، وغلبة لغريزة الاستحواذ والسيطرة، والإلهاء لتحقيق مصالح الأحزاب السياسية النخبوية الباحثة عن السلطة، والتي في الأصل ما وجدت إلا لمراقبة السلطة، وتقويم الاعوجاج فيها.

ليس من المنطق أن يحاول أي حزب سياسي أن يقنع الجمهور أنه صاحب الرؤية الصائبة والحق المقدس، ضاربًا بعرض الحائط حقوق المواطن، وأن ينظّر بالكلام دون الفعل أننا على موعد مع السعادة والمستقبل المشرق، بعد فرقة لم تؤد إلا لتهتك البنية الاجتماعية، وتشرذم المشهد السياسي وتجيير الانتماء، والحكم بالولاء والتكفير في خطاب أشبه بالكراهية، بل هو الكراهية ذاتها.

إن ما يحدث اليوم من تعثر لجهود المصالحة الوطنية، والإشارة بأصابع الاتهام من قبل كل طرف للآخر بالتعطيل، أصبح مكشوفًا وغير موثوق، فتداعيات الانقسام وانعكاساته طالت الأخضر واليابس، وضربت الجسم الفلسطيني حتى النخاع، وأصبح من السفاهة أن نصدق أن هناك حلًا قد يرضي الأطراف بعيدًا عن تحقيق المصالح الحزبية الضيقة، ليس لسبب أبعد من أن ما يحدث ما هو إلا جزء من التفكك السياسي العربي في المنطقة كلها، ولوجود أجندات ومؤثرات خارجية على القرار بهذا الشأن، ناهيك عن عدم توافر النية والثقافة المتعلقة بقبول الشراكة السياسية، وقبول الآخر باختلاف البرامج السياسية.

وهنا وجب التنويه إلى استقلالية القرار السياسي كمحدد لاستقلالية القرار السياسي، الذي لا أعتقد أن أيًا من الأطراف تملكه لعدة اعتبارات، منها: سطوة الاحتلال وشهوة السلطة، فاستقلالية القرار السياسي مرتبطة بمصدر الاقتصاد، ونظافة المردود المالي الذي يوظف لتنفيذ المصالح الوطنية على حد زعمهم.

حضرت عشرات، بل مئات المؤتمرات ذات العلاقة، وللأسف في كل مرة تزداد غصتي، تمسرح في الولاء والأداء، وتركيز على المشاعر لدفعها باتجاه قناعات ترغم المتذمر من الوضع الحالي على جلد ذاته، وتحميل نفسه جزء من المسؤولية . مؤتمرات أقل ما يمكن القول عنها أنها هشة إن كانت نقية أو ممولة خارجيًا إن كانت حاشدة، تنتهي بمأدبة غذاء لوجوه تكرر نفسها وتعيد مداخلها.

إن الإصلاح في الأرض ليس مجرد خطابات وتصريحات أو نوايا، الإصلاح يعني الاهتمام بالمواطن وحقوقه واحترام عقله، وجعله أساس أي مشروع سياسي، وتعظيم وجوده كمورد بشري سيتم البناء على يديه، وليس تضييق الخناق عليه وإرغامه على الهجرة بحجة مشاريع وطنية إستراتيجية، مات فيها من مات، وامتحن فيها من امتحن في دينه وكبريائه.

الإصلاح يعني إعادة النظر في تقديس القيادات، وعدم الالتفاف حول النخب السياسية لمجرد تكليفها بمناصب لم توجد إلا لخدمة المواطن، وتحنيط عكاكيز حلبت الثورة حتى شبع أبناء أبنائها..

لا أعرف بصراحة كيف أختم هذا المقال، لكن ما أتساءل عنه: كم ينقصنا من النبض والموت المؤجل ليصبح الوطن بلا وجع؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد