بعيدًا عن كل دعوة رومانسية بالوحدة، وبعيدًا عن أي وصف لظاهرة الانقسام سلبيًا كان أو إيجابيا, وبغض النظر عن الجذور التاريخية له والتي تشير بعضها إلى أن الانقسام هو السمة الأبرز للحالة السياسية الفلسطينية منذ العشرينيات.

بعيدًا عن كل ذلك، يجب تعريف مفهوم الانقسام والوقوف على حقيقته وذلك من خلال الإجابة بوضوح على التساؤلات التالية:
ما هي العلاقة القائمة بين المصالحة والقيم المستقرة للمجتمع الفلسطيني وتطلعاته؟ وما هو جوهر هذه المصالحة وحقيقة برنامجها الإجرائي؟ وما مدى تناغمها كبرنامج سياسي مع تطلعات الشعب الفلسطيني وآماله التحررية ومستقبله؟ وما الذي تعنيه للفلسطينيين في ظرفهم الحالي, هل هي مجرد رأب صدع وتجاوز مآسٍ أم هي إعادة لبناء نظام سياسي وتصويب لمساره؟ ولماذا لم تطبق حتى الآن؟

يعتقد أغلب الناس أن الحل للعقدة الفلسطينية الحالية لا يكون إلا من خلال مسار واحد فقط وهو مسار إصلاح التوابع الاقتصادية والمعيشية اليومية التي خلفها الانقسام, لكن بإمعان النظر في الظاهرة نجد أن هناك مسارًا آخر وهو المسار السياسي والذي يقف على قدم المساواة مع تلك القضايا التفصيلية من حيث الأهمية بل هو الأهم، وذلك بسبب أننا ما زلنا أمة محتلة تعيش مرحلة حمل قضيتها الوطنية.

وفي إطار الإجابة على السؤال عن ماهية مفهوم المصالحة يتضح لنا مما سبق أن المصالحة كحل للانقسام هي إعادة تشكيل قضية سياسية وإعادة تشكيل برنامج سياسي وليس حل مشاكل معيشية.

ولكي نصل لتلك الحالة والتي تمثل التوازن في الواقع الفلسطيني يجب إعادة استخلاص ما توصلت له وثائق اتفاقيات إنهاء الانقسام السابقة, ووضع محددات جديدة في ضوئها تمثل الطرح الجديد الذي يأخذ في الاعتبار المصلحة الفلسطينية العليا.

فمن غزة إلى القاهرة مرورًا بمكة حتى الدوحة، عبرت مواكب الحوار وحطت فكان (ميثاق الشرف الفلسطيني 2005 – ميثاق الشرف الفلسطيني الخاص بالانتخابات 2005 – اتفاق مكة 2005- وثيقة الحوار الوطني/ وثيقة الأسرى 2006 – اتفاق مكة 2007 – انتهاء باتفاق الدوحة 2012).

وكانت نتائجها تتلخص في أربعة اتجاهات:

  • أولا: التمسك بالثوابت الفلسطينية وحق الشعب في مقاومة الاحتلال.
  • ثانيًا: دعم توجه تداول السلطة دون إقصاء.
  • ثالثًا: إعادة بناء تمثيليات الشعب الفلسطيني الكلية من مجلس وطني ومؤسسات منظمة التحرير.
  • رابعًا: اعتماد الحوار كوسيلة وحيدة لحل الأزمات داخل الحالة الفلسطينية.

على الرغم من تعرضها لعدم التطبيق كاتفاقيات إلا أنها ما زالت تمثل الأرضية الحقيقية للالتقاء الفلسطيني الشامل, ولعدم تطبيقها هناك أسباب عدة متصلة بأسباب الانقسام نفسه وعلى رأسها سياسة الاحتلال ودفعه باتجاه الحفاظ على حالة انفصال الوعاء الفلسطيني الجامع إن كان ثقافيا أو حتى جغرافيا، حيث مثل ذلك سياسته الدائمة تجاه الفلسطينيين منذ نشأته, لكن زادت وتيرة تلك السياسة مع الانتفاضة الأولى.

كما مثلت اتفاقية “أوسلو” ذروة الانقسام الفلسطيني بتجاوزها كل القيم والثوابت الفلسطينية والاتجاه الوطني العام والتوجهات الفصائلية، مما أرخى باستقطاب حاد وحدي بين مجمل المكونات حتى هذه اللحظة, والاحتلال في سياق توجهه لتكريس الانقسام في تلك المرحلة أصر على إمرار الاتفاقية لمعرفته بمضارها الجسيمة على الكيانية الفلسطينية على المدى البعيد.

كانت تلك الأسباب الأبرز لكنّ هناك أسبابًا أخرى حالت دون تطبيق هذه الاتفاقيات تتمثل في السجال الفكري غير المبرر من قبل فصائل العمل الوطني التي تطرح نفسها كخيارات “أيديولوجية” على حساب القضية الرئيسية وهي الاحتلال, بالإضافة للدور السلبي الذي مارسته بعض الأطراف الداخلية والخارجية لحرف مسار النقاش الفلسطيني الفلسطيني من نقاش حول إستراتيجيات المرحلة وعلى رأسها كيفية مقارعة الاحتلال، نحو النقاش حول تفاصيل التفاصيل وتفتيت موضع النقاش وتشظيته تحت وطأة ضغط الرأي العام الذي تضخ فيه ليل نهار الأكاذيب والمضللات لكي يتبنى وجهة نظر بعيدة كل البعد عن ما يخدم قضيته الوطنية الأولى.

لكن وعلى الرغم من كل ذلك، ما زالت عملية السير قدمًا نحو وضع فلسطيني أفضل مستمرة, وتساهم فيها مجمل الأطراف بشكل أو بآخر وإستراتيجيتها المعتمدة في ذلك هي التعامل مع المصالحة كعملية دائمة وليس كمؤتمر تصافٍ.

والتوجهات التي يجمع عليها الغالبية في الوقت الراهن ويتم النقاش حولها، والتي تمثل الرؤية الفلسطينية القائمة يمكن تلخيص أهدافها في التالي:

  1. التوافق على برنامج سياسي وإستراتيجية تحرر وطني واضحة.
  2. الاتفاق على ميثاق وطني يمثل مصالحة تاريخية لكل التيارات الفكرية الفلسطينية.
  3. إعادة بناء كل مؤسسات الحالة السياسية الفلسطينية.
  4. إعادة صياغة دور السلطة الفلسطينية في سياق تسيير حياة الناس وإدارة حالة الصراع مع المحتل على قاعدة الاستقلال في المنظومة الدولية على الأقل، وهو ما أقرته كل الشرائع والقرارات الدولية.

وهذا بالتحديد ما وصلت له كل جولات الحوار من 2005 حتى الآن، وهو يمثل إنجازًا في حد ذاته لكنه يحتاج لمزيد من التطبيق والالتفاف الشعبي حوله, فمجرد وجود برنامج الحد الأدنى الذي يمكن أن نلتقي عليه كفلسطينيين في هذه الظروف الصعبة هو قمة الحكمة السياسية.

فنحن اليوم كشعب فلسطيني نقف في وسط حركة إقليمية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة, كل الارتباطات بين الدول تتغير، والمنظومة الإقليمية بأكملها تتعرض لانهيارات متكررة تراجعت معها مكانة القضية الفلسطينية لأسفل سلم الأولويات، لصالح القضايا الداخلية لكل قطرٍ عربيًّا كان أو إسلاميًّا.

بالإضافة إلى أن للانتفاضة التي اندلعت في الضفة الغربية فعلًا قويًّا جدًا في تحييد مكون رئيسي على الساحة وهو تيار ما يصطلح عليه تيار السلام أو أوسلو، وغيبت معه كل دعواته مدشنة مرحلة جديدة خالية من كل مفاهيم التفاهم والتعايش مع الاحتلال, وتدفع باتجاه فتح حالة الصراع لتحقيق الاستقلال.

هذه المعطيات الداخلية والخارجية لها أثرها على عملية الانقسام والمصالحة حيث تساهم بشكل واضح في تعميقها لأنها تدخل مزيدا من “التحديات” أمام عملية إعادة تشكيل الرأي العام الفلسطيني ومجمل المنظومة القيمية المتحكمة في تفكيره وطريقة قبوله للبرامج السياسية.

فنستخلص أن الانقسام ليس بين طرفين, إنما هو هشاشة نظام سياسي، وظهور مصطلح انقسام في المرحلة الحالية من حياة الشعب الفلسطيني هو في الحقيقة إيجابية كبيرة ودفع نحو وضع جديد أكثر متانة وترابطًا, فما كان عبارة عن حالة فشل مستقرة بعيدة عن النقاش هي اليوم مطروحة وبشكل جدي في حوار يلقى اهتمام قطاع كبير من الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج, ومثل ذلك الاهتمام حالة من إعادة تأكيد الهوية وإبراز ملامحها, فتحولت حالة الضعف إلى واقع يستنهض مجتمعًا سياسيًّا فلسطينيًّا حقيقيًّا قادرًا على إدارة عملية مستمرة من التصالح، جوهرها التصحيح والبناء على قواعد واضحة وأهداف راسخة، مثلت حركات المقاومة وثقافة التصدي عمودها الفقري والرافعة الحقيقة لها.

نعم هناك انقسام فلسطيني، لكنه انقسام على كيفية التصويب وهو مطلب الشعب الحقيقي, فالمصالحة لن تكون إلا وفق رؤية يكون نتاجها برنامجًا سياسيًّا يحمي الحقوق ويحقق الطموحات ويحافظ على التماسك الفلسطيني ككل وليس جزءًا منه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد