على مدار العقود السابقة وحتى يومنا هذا، لا يزال الفلسطيني يعيش حياة الغريب، أقول الغريب لا المغترب؛ لأن الأخير غالبًا ما يختار أن يكون مغتربًا طوعًا بينما السابق تُفرض عليه حياة الغرابة فرضًا. غريب في وطن مغتصب وكذلك في الخارج حيث تغدو الغربة غربتين. في الداخل المحتل يعيش الفلسطيني الذي لم يهجر أرضه واختار التمسك بحقه في البقاء حياة ذل وقهر داخل مجتمع يهودي ينظر إليهم نظرة ملؤها الحقد والكراهية تبغض وجوده وتمقته وتُنِّغص حياته على الدوام. تؤدي هذه الكراهية العرقية أو الدينية إلى مضايقات تهدف إما لطرد العربي القبيح بشكل كُلي، مثل ما يتعرض له بدو النقب من طرد وتهجير قسري أو الخلاص التدريجي منه بطرق شتى من خلال انتشار الجرائم والمخدرات والعنف في مجتمعات العرب. فاليهودي كما هو معروف يعيش في مجموعة مغلقة مع أقرانه لا تسمح لأي شخص يدين بديانة أخرى بالانضمام لها. لذلك فإن هذا الفلسطيني غريبٌ لأنه غير قادر على أن يُصبح عربيًّا على نحو تام لأنه يُصور أو يُمثل (باستمرار) على أنه تهديد وجودي على دولة الكيان وهويتها الدينية، وكذلك هو غير قادر أن يُصبح إسرائيليًّا بشكل متساوٍ مع باقي اليهود لأنه أولًا لا يطابق معايير الهوية اليهودية وثانيًا لأن كبرياءه وانتماءه لمجتمع فلسطيني داخل الكيان بالرغم من كونه ممزقًا لا يسمح له بذلك. بالتالي يظل هذا الفلسطيني معلقًا بين هوتين أو مساحتين غير قادر على الانتماء الخالص لإحداهما.

الوضع يختلف شيئًا قليلًا في غزة والضفة حيث تختلف درجة الغرابة بينهما بسبب تفاوت العراقيل والعقبات التي يفرضها المحتل. لكن بصفة عامة يتمتع الفلسطيني بفلسطينيته بدرجة أكبر إذا ما قارناه بفلسطينيي الداخل المحتل. فالفلسطيني الذين يقيم في هذه المناطق لديه انتماء واضح المعالم يعزو ذلك لوجوده داخل مجتمع فلسطيني نقي بعيدًا نوعًا ما عن محاولات الدمج أو التهويد. فهم يمارسوا طقوسهم الوطنية بحرية طالما لم يعكر المستعمر صفوهم. لكن ذلك لا ينفي تأثُّرهم البالغ بالقيود الإسرائيلية الصارمة في هذه الكانتونات المكتظة بأشباه البشر سواء كان ذلك على شكل حواجز، أو اجتياحات، أو قتل، أو حتى سرقة الثقافة الفلسطينية والهيمنة على كل مناحي الحياة. فالحركة والسفر والانتخاب والتعبير عن الإرادة السياسية، وكذا الاستمتاع ببعض الوقت لمشاهدة التلفاز، أو حتى قراءة كتاب لا تتم بشكل سلس لأن الاحتلال يتحكم بأدق التفاصيل اليومية. فهو مسيطر على الأرض من خلال قواته المنتشرة على الحدود وحواجز التفتيش، وكذا في السماء من خلال طائراته الصاخبة. حتى بحرنا مُحتل، فلا يستطيع الفلسطيني الغريب الصيد أو السباحة بحرية. والمثير للسخرية، رغم كل تلك العراقيل والجرائم، يتم تجريم الفلسطيني على مُختلف وسائل الإعلام عندما ينتقد قاتله! هذه الغرابة تنبع بشكل جوهري من سياسات التهميش والرفض والإقصاء المستمرة، ودمغ هذا الكائن اللا أرضي بالإرهابي والقاتل. إنه ذو قيمة صفرية يمكن تصفيته وإغتياله من قبل أي إسرائيلي؛ مستوطنًا كان أم عسكريًّا، ليُترك القاتلُ حرًّا طليقًا وربما يُقلد وسام الشجاعة. وفي المقابل عندما يُقتل مستوطن أو عسكريٌ من قبل فلسطيني، فإن كافة مؤسسات الدولة تُفرغ نفسها من أجل القبض على القاتل والتنكيل به وهدم منزله. هو كائن غريب يسكن في مساحة لا تنتمي إلى هذا العالم وبالتالي كل عمليات القتل والإبادة مباحة في جغرافيا تكاد تكون منسيَّة بالكامل. لا يستطيع هذا الغريب مغادرة أرضه المغتصبة إلا بتصريح من عدوه، وبالرغم من ذلك يتم إيقافه في كل مطارات العالم للتأكيد على إرهابيته ورمقه نظرة شؤم واشمئزاز.

القدس تمثل وضعًا خاصًّا ويصعب إدراجها ضمن أي تصنيف، لأنها في غرابتها تقع ما بين غرابة فلسطينيي الداخل وسكان غزة والضفة. يُعرّف المقدسي نفسه على أنه فلسطيني بامتياز وينبع ذلك أساسًا من الوجود الفلسطيني الكثيف في القدس منذ الأزل؛ مما أدى إلى تشكل هوية فلسطينية متماسكة ما بين سكان الأحياء العربية. لكن الهوية الفلسطينية المقدسية تعرضت في العقدين الأخيرين لهجمات مخططة من قبل الجماعات اليهودية بدعم من الجيش من أجل تهويد زهرة المدائن وإضفاء الطابع اليهودي عليها. لذلك أصبح المقدسي في وضع حرج لأنه بات ملاحقًا من قبل كلاب مسعورة تسعى لطرده بأي وسيلة ممكنة وعلى الجهة الأخرى سلطة فاسدة تخلت عنه وتركته يواجه مصيره لوحدة ليقابل فوهة البندقية بصدر عارٍ. على الرغم من تلك السياسات وعلى الرغم من وجوده في مدينة تُحكم وتُدار من قبل الصهاينة، لا يزال المقدسي مقيمًا في أرضٍ تواجه خطر الاستيلاء في أي وقت وهذا هو أساس غرابته. حتى بيته بات مساحة مؤقتة لا يعلم إن كان سيبقى أو سيرحل رغمًا عنه. لكن يأبى هذا الغريب إلا أن يُكافح كل محاولات الاستيلاء والتهويد بكل عزيمة وصمود، بالرغم من تخلي الكل عنه، لأنه بات على يقين بأن المغادرة تعني اللاعودة، إلى الأبد.

وأخيرًا، غربة المنفى التي يمكن تسميتها بالغرابة المزدوجة. فهذا الغريب يحاول مرارًا وتكرارًا الانتماء إلى مكان آخر بسبب الحرمان والإقصاء المتكرر الذي لاقاه في أرضه المغتصبة. لكن هذا المسكين يجد نفسه في أغلب الأحيان غير قادر على الانتماء، ربما بسبب لفظه وعدم قبوله كأمثال فلسطينيي الشتات في لبنان وسوريا. فهؤلاء عانوا الأمرين وأصبحوا منسيين ومعلقين بين عرب أنكروهم وسياسيين فلسطينيين تخلوا عنهم وهمشوهم. فهؤلاء غير قادرين على الانتماء إلى هذه الدول بالرغم من كونها عربية، ليس لأنهم يرفضون الانتماء ولكن لأن هذه الدول ترفضهم وتحرمهم من أبسط حقوقهم على الدوام. وأما الصنف الآخر فهم الذي اختاروا منفاهم في الغرب حيث إنهم حاولوا الاندماج والتكيف ولكنهم أبوا الانتماء الخالص لهذه المجتمعات، ربما لأن هناك شيئًا ما بداخلهم يرفض فكرة الهوية الجديدة، ولا يزال متمسكًا بالماضي الجميل وإن قسا في الكثير من لحظاته، المليء بذكريات الطفولة الطيبة، وإن عكر صفوها المحتل مراتٍ عديدة. يعيش هذا الغريب جسدًا في منفاه وروحًا في وطنه. فلا هو قادر على أن يعيش حياة رخاءٍ في منفاه، ولا هو قادر أن ينسى تجاربه العذبة في فلسطين، ارض الآباء والأجداد، ليبقى معلقًا بين هذه وتلك – ممتلئًا بالشوق لتراب الوطن. وأما الصنف الثالث هو الفلسطيني الذي أُرغم على ترك أرضه حديثًا، سواء فلسطينيي الداخل بسبب سياسات الإقصاء المتجذرة، أو فلسطينيي المناطق المحتلة بما في ذلك غزة والضفة والقدس، بسبب السياسات الصهيونية التدميرية التي ألحقت الضرر بكل مناحي الحياة وجعلت الحياة شبه مستحيلة في هذه المناطق. اجتياح يتلوه اجتياح وقتل يتبعه مذبحة، وحصار يتلوه دمار وفقر مدقع. إنها نكبة جديدة يا سادة تُمثل آخر مراحل الاستعمار وآخر مسمار في نعش القضية، حيث دفعت آلاف الشباب للهجرة من أجل البحث عن حياة حرمهم منها الاحتلال.

ما أجمل أن يكون للإنسان وطنٌ ينتمي إليه بإخلاص وولاء! يسافر إليه متى شاء ويتجول بين مدنه البهية وجباله الخلابة متى حنّ وتاق، ويُبحر في بحره متى اشتاق. يا من له وطنٌ ينتمي إليه، لا تهادن ولا تساوم ولا تتنازل، تشبث بوطنك، قاتل من أجله وحارب وقاوم ومُت إن لزم الأمر، فلا يعرف جحيم الغرابة إلا من فقد وطنه وبات تائهًا داخله وخارجه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد