لا حديث اليوم بين الشعوب العربية الوفية إلا على أولى المراحل التطبيقية لصفقة القرن، التي غلفها المهندسون لها بعناوين تجميلية خادعة تخالف مبتغاها الشيطاني؛ كمؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي، وورشة المنامة الاقتصادية، الهادفة في أساسها إلى استبدال عقيدة ومبدأ الأرض المقدسة لدى أهلنا الفلسطينيين بإغراءات المال؛ والوصول إلى السلام الدائم المزيف.

فمنذ سنتين وُضع المخطط لهذه العملية، الهادفة في أساسها إلى إيجاد أرض بديلة للفلسطينيين، وتوطينهم في دول شتات البلدان المجاورة، كلبنان والأردن، وإقبار حلم العودة، وفي خضم ذلك رد الفلسطينيون بحراك غير مسبوق داخليًا وخارجيًا بدعمهم الذاتي، تمثل في مسيرات العودة وكسر الحصار خاصة بغزة، ومؤتمرات في الغرب تعرف أكثر بالقضية، وتلقي الأضواء على المساعي غير البريئة للقائمين على الصفقة في حل النزاع بشكل نهائي، كاشفين أوراقها؛ موضحين للرأي العامة الحقيقة المضللة بشمع السلام والاقتصاد، ونقل المسؤولية في الدفاع عن الحق للأجيال القادمة، وذلك في ظل حرب خفية من دول عربية، أو بالأحرى قادة لها؛ يبدو أن جيناتهم في أصلها تحمل صبغيات صهيونية بنسبة أكبر من حاملي هذا الفكر.

العجيب في الأمر أن هذا المؤتمر الذي يقوده المتصهين برتبة هرتزل؛ غاريد كوشنر صهر ومستشار الكاهن بفكر التاجر دونالد ترامب، لن يربح منه إلا الصهاينة ورفاقهم الغربيين؛ تحديدًا أمريكا الداعمة لهذا الكيان الغاشم منذ نشأته، والمملكة المتحدة صاحبة وعد بلفور المشؤوم، الذي مكّن الاحتلال من أرض لا أحقية لمن سلَّمها أو تسلمها كمستعمر جديد بها، والخاسر هم العُرب، وبشكل أدق غِربانهم المتصهينة، الذين سيدفعون الفاتورة نقدًا، وبعدها تطبيقيًا، وليس بالبعيد بعد أن يجف عطاؤهم المالي أو ينتهي دورهم؛ أن تلفظهم أمواج أسيادهم الجدد بعيدًا؛ وتتركهم لسبيل حالهم في مواجهة عقاب شعوبهم لهم.

المنطق يقول ساعد جارك على إطفاء حريق منزله، نفعًا لك وله، فإن تجاوزت النار بيته وصلت إليك؛ فما بالك فيمن يشعل النار في بيت إخوته ويتآمر عليهم خدمة للأعداء، و لجهله فهو يقدم خدمة جليلة لمن يعتقد أنهم أسياده الأوفياء، بمنحهم الطريق السالك نحو رقبته هو بالذات، فالأجنحة التي كان يمكن أن تشد عضده كسرها، ومكن الخصوم منه دون عناء.

رغم اجتماع حكامنا غير الشرعيين مقياسًا -هم إما عساكر، أو حكام بالتوريث، أو شركاء يتبادلون مراكز القيادة فيما يعتبرونه عزبتهم- لشرعنة صفقة العار بمنامة الخيانة؛ لا يزال أصحاب الحق الفلسطينيين، متوحدين باختلاف فكرهم أو انتمائهم الحركي؛ فجميع الفصائل تعتبر أن التفريط في الأرض خيانة لمن ضحى قبلهم، قبل أن تكون انهزامًا واستسلامًا من طرفهم؛ فبيان الجبهة الشعبية؛ لا يختلف عما طرحته حماس؛ أو طالبت به فتح؛ أو ما أكدت عليه الجبهة الديمقراطية أو دعت له الجهاد.

ألا وهو مقاطعة ورفض أي مقترح أو مشروع يمس حق الفلسطينيين في أرضهم، وهو ما فعلته قيادة السلطة، وعلى رأسها محمود عباس (أبو مازن)؛ الذي لطالما وُصف بأنه متمايع مع الكيان الصهيوني، لكن الرجل يستحق التحية والاحترام على موقفه هذا المنسجم مع شعبه، الواجب تأميمه بسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني، الناشئ عن اتفاق أوسلو 1993؛ الذي لم يحقق شيئًا لأهلنا، ولما لا حل السلطة، وكشف الغطاء عن محتل يتمادى على حقوق غيره؛ وإظهار الواقع بعيدًا عن الرواية المصطنعة المتعلقة بصراع طرفين فقط.

ما يخدم القضية الفلسطينية ويمنع دفنها رغم مرور عقود وتوالي الأجيال؛ هو وعي هذا الشعب وثقافته الكبيرة، فالتركيز ينصب على تحرير  وطن عاصمته القدس، ولا تهم الأيديولوجية أو الانتماء الحركي لديهم، ما دام الهدف موحدًا، وهذا ما يظهر في الحروب التي تأخذها ضد الكيان بخلق قيادة مشتركة للتنسيق بين كل الفصائل، وذلك يشمل صفقات تبادل الأسرى، التي لا يميز فيها بين المنتمي لها وغيره؛ فالكل فلسطيني، على عكس باقي أقطارنا، المختلف فيها العامة والنخبة حول أمور ثانوية، يجعلهم يغضون البصر عن الغاية المشتركة، فعند إجماعهم على برنامج يختلفون حول الشعار فينهون العملية برمتها، والخاسر دائمًا الشعوب المنتظرة تغيير الوضعية نحو الأفضل.

وفق ما رشح المؤتمر يسعى لجمع ما مقداره 50 مليار دولار في صندوق استثماري لتمويل صفقة العار، وهذه الأموال لن يقدمها غير بعض بلدان الخليج، رغم إعلان المنظمين عن مشاركة رجال أعمال من العالم، أما بقية بلداننا المشاركة ستكتفي بعد قبولها بتصدير الفكرة إعلاميًا واجتماعيًا لشعوبها، وتغيير الحقائق من أجل التطبيع مع المشروع؛ وابتعاد مواطنيها أكثر عن التعاطف والوقوف مع قضية العرب الأولى.

وتحظى ورشة العمل هذه بمتابعة إعلامية صهيونية غير مسبوقة، بعد أن حط عديد الصحفيين بالمنامة قادمين من تل أبيب؛ وهو أمر غير مألوف، فهذا التطبيع لم يسبق له مثيل في أقطارنا، وهو ما يؤثر سلبًا في قادم السنوات على النظام البحريني الهش، كما وقع مع عمر البشير -رئيس السودان المخلوع- عندما زار بشار الأسد في خطوة استفزازية، كانت دافعًا للسودانيين من أجل الإطاحة بحكم دام لـ30 سنة؛ لم يطبعها سوى العجاف.

لن يكون غريبًا أن يجري القادة العرب حوارات مع الصحافة الصهيونية، يكشف ويؤكد فيها الحكام أو ممثلوهم عن علاقاتهم السابقة، التي تعلم بها الشعوب الرافضة لأي تطبيع مع كيان مغتصب لأرض إخوانه، فيُذكر هذا بزمن شراكة عملاء بلده مع إسحاق رابين وخططهم، وينقل الابن فيهم عن أبيه الحوارات التي دارت بينه وبين مناحيم بيغن، ويُخرج الآخر من سردابه صور أسلافه مع غولدا مائير وشمعون بيريز وآرييل شارون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد