يلاحظ المتابع تسارع تقلب أحداث المشهد السياسي في الساحة الفلسطينية، وكلها ستقود ـ في غالب الظن ـ إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة ساحتها الضفة الغربية، وبؤرتها القدس الشريف.

إذا نظرنا سريعاً إلى ما آل إليه الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني في الضفة الغربية ـ إضافة إلى الاعتداءات الصهيونية المتكررة على المسجد الأقصى المبارك وعلى المواطنين في الضفة الغربية ـ لن يصعب علينا تفهّم انبعاث انتفاضة شعبية في هذه الفترة. بل إن الصعب في الموضوع هو تفهّم عدم بدايتها حتى الآن، خصوصا بعد انتهاك الكيان الصهيوني كل الخطوط الحمر للفلسطينيين!

 
لكن لن يكون محور حديثنا حول أسباب هذه الانتفاضة، إنما يأتي هذا المقال لمحاولة التفكير استراتيجيا في مدى جدوى هذه الانتفاضة والنتائج الممكنة لها، إذ إنه ليس من المعقول أن نسلك طريقا في حال تأكدنا من أنه لن يوصلنا إلى الهدف المطلوب.

فكما أن الطريق إلى القدس لا يمر من القلمون والزبداني، فإن الطريق إلى حرية واستقلال فلسطين وشعبها لا يمر من بوابة الانقسام الفلسطيني الداخلي، إنه حتما لا يمر إلا من بوابة التحرر الداخلي أولا. حتى تتضح الفكرة بشكل أفضل، فعلينا بداية أن نحلل مفهوم “الانتفاضة الشعبية” ونجمع شتات عناصرها.

وقفت فيما طالعت عبر شبكة الانترنت على تعريف مناسب في نظري للانتفاضة الشعبية بنموذجها الفلسطيني، وأقتبس منه التالي:

“(هي) مقاومة شعبية مستمرة، ومواجهة حضارية شاملة، بكافة الوسائل المدنية أو العنيفة أو كلاهما معاً … ؛ من جماعة إنسانية أو أفراد؛ لظلم أو فساد أو … ؛ وقع عليهم من قوة داخلية مستبدة، تعمل لصالح أهوائها وبقائها في السلطة؛ أو من قوة قمع خارجية استعمارية أكثر قوة، تهيمن على مصير هذه الجماعة أو هؤلاء الأفراد، فتسعى إلى سلب إرادتهم وطمس هويتهم واستغلال أرضهم ونهب ثرواتهم أو النيل من مقدساتهم، أو إبادتهم واستبدالهم بجماعة أخرى؛ ..”.

لو اعتمدنا على هذا التعريف في تقييم الانتفاضتين السابقتين، فإننا نحن الفلسطينيون نكون قد فشلنا في مقاربة مفهوم الانتفاضة من عدة جوانب:

1. مقاومتنا ليست شعبية (من ناحية العدد): إذ أن الذين يمارسون المقاومة هم فئة محدودة من الشعب، وليسوا كل الشعب ! فالواقع يثبت لنا أن الذين قاوموا (أو ما زالوا يقاومون) عددهم قليل جدا بالنسبة للشعب الفلسطيني، وسيكون العدد أقل إذا تذكرنا أن قرابة نصف الشعب الفلسطيني هم لاجئون انخرط معظمهم في متطلبات الحياة اليومية في البلدان التي لجأوا إليها. ولو اتخذنا قضية الأسرى مثالا لنا، لرأينا أن معظم الشعب لا يأبه بالأسرى ولا يسعى بشكل جدي من أجل تحريرهم، بل إن أهل الأسير المحرر ينتهي اهتمامهم بهذه القضية بمجرد خروج ابنهم الأسير من السجون!

2. مقاومتنا ليست شعبية (من ناحية البنية): حيث إن الشعب منقسم إلى فسطاطين، أحدهم ينتمي إلى حركة فتح أو يدور في فلكها، والآخر ينتمي إلى حركة حماس أو يدور في فلكها أيضا. وهذا أدى بنا إلى الافتقار إلى وجود قيادة موحدة للكل الفلسطيني في الداخل والخارج، إضافة إلى أن القيادة الرسمية الحالية فاقدة للشرعية القانونية والمنطقية والأخلاقية

في ذات الوقت. الحديث عن الانقسام وأثره على القضية الفلسطينية يطول، ولا يوجد مجال لذكر مسبباته هنا، لكن المؤكد أننا لن نحقق أي انتصار فعلي ومؤثر (سياسيا كان أو عسكريا) إلا بعد توحيد الصفوف خلف قيادة قوية تمثل بشكل حقيقي الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه في الداخل والخارج.
3. مقاومتنا ليست مستمرة على الدوام: منذ بداية الاحتلال وحتى الآن كانت المقاومة تصل ذروتها في فترات متقطعة فقط، قد يكون أهمها الانتفاضتين السابقتين والحروب الثلاثة على غزة، وباقي هذه السنوات الطويلة لم يتقدم الفلسطينيون سوى خطوات بسيطة جدا في بعض النواحي السياسية والتجارية والعمرانية، لكن شهدنا في ذات الوقت انحدارات هائلة في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والأمنية وغيرها.

4. مقاومتنا ليست شاملة : حيث إن الفصيلين الأكبر في فلسطين ـ حماس وفتح ـ أحدهما يتبنى الوسائل العنيفة (العسكرية) ويهمل بشكل أو بآخر الوسائل المدنية، والآخر على النقيض منه يتبنى الوسائل المدنية، ولا يكتفي فقط بإهمال الجوانب العنيفة، إنما يحاربها ـ حسب تصريحات زعمائه ـ بكل ما أوتي من قوة ! وفي كلتا الحالتين، فإن الأساليب المدنية التي ينتهجونها هزيلة جدا، وليس منها مثلا ـ وبكل غرابة ـ مقاطعة المنتجات الغذائية التي ينتجها العدو بالرغم من وجود بديل محلي لها!

في ظل هذا القصور في مقاربة المفهوم الحقيقي للانتفاضة الشعبية، فإنه يصعب عليّ أن أقتنع بجدوى قيام انتفاضة فلسطينية ثالثة على شاكلة سابقاتها. النتيجة الوحيدة التي سنصل إليها هي بعثرة الأوراق من جديد في الساحة الفلسطينية، أي أننا سنصل إلى نتيجة عشوائية يصعب التنبؤ بها، وبالتالي لن نكون متأكدين من أن نتائجها ستكون ذات فائدة للفلسطينيين أو لا.

 

 
ويبقى السؤال مطروحا إذن، هل قيام انتفاضة فلسطينية ثالثة هو الحل الأنسب؟ يبدو، للأسف، أن خياراتنا ستظل محدودة جدا في ظل الانقسام الفلسطيني، وفي ظل قلة ـ أو حتى انعدام ـ الوعي بالوسائل المدنية للمقاومة، مما سيؤخر علينا تحقيق هدفنا في التحرير رغم كل التضحيات التي قدمناها ونقدمها منذ قيام كيان دولة الاحتلال، لأننا قد نكون نقدمها في الاتجاه الخاطئ !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد