النّساء شقائق الرجال

تنساب أنوثتها في حوزتها كما الماء الذي يُلاطم الصّخر تتصدّع أركانه كالصخرة؛ وهي لا تحيا بدونه. ينبع أملها من تاريخ مجدها المُتأصّل بعبق الياسمين والنّرجس وتلوح بنسيمها المليء بضحكاتها، تغدو باسمة حتّى وإن أثقلها التعب والحزن، وكيف تحزن وهي فلسطينية عربيّة أصيلة، قائدة مجدٍ عريق بعبق الأصالة. هي التّشاؤم والتّفاؤل، الحزن والسّعادة، الضّاحكة والدامعة، هي الأم والمُربيّة والملجأ والمنفى هي الوطن الآمن الذي لا ينقصه شيء.

رحلة الأمومة صعبة لكنّها تبقى حلم كُلّ امرأة

تسكن نطفة صغيرة في رحمها، وتنتظر بفارغ الصّبر لتصبح علقةً، وتسرّ أكثر حينما تصبح مضغةً، ولم تهنأ حتّى تطمئن بأنّ بات له عظام، وتبقى خائفة من أي خطأ منها كي لا تخسره، تحافظ على أكلها، تهديه روحها، تقدم له طعامه على طبقٍ من الذّهب، يشرب من دمها الجارِي، بينه وبينها حبلٌ سرّي وحبّ كبير، تنتظره لتراه بين يديها وفي حضنها. جلس في رحمها تسعة أشهر عانت بهن من ألم كبير، دوار، غثيان، تعب، لا تقدر على حمل شيءٍ ثقيل، تعاني حتّى من صعوبة نومها، يؤثر على حركتها، تتعب في اختيار ملابس لها، تحرص على اختيار الثّياب الواسعة ليرتاح، يكبر بحب، باشتياق كبير، بدموعها الكثيرة، تسأل طبيبها عنه دائمًا، عن راحته، هل هو مريض؟ يعاني من شيء؟

وعندما يحين ميعاد الولادة، مخاض صعب، آلام تضرب في رحمها، تعب عارم يسكنها، لكنّها صبرت لكي تنال رؤيته، مخاض ربما عسير يطول أيام وساعاتٍ عجاف، تخاف ولكنّها لا تحرم نفسها من أمومة ستجعلها سيّدة الجنان، تحضنه عندما ينزل، أول من تراه، وتقبله في دمائه -من الولادة- لقد قبّلته بالرّغم من كسوته بالدّماء. من تسهر معه ليالٍ طويلة، أرضعته حبّها وأطعمته دفئها، وألبسته ضحكتها.

وبعد كلّ هذا التعب، يكبر ليقول «المرأة ناقصة العقل»، أيّ ناقصة تُضحّي بثلثي عقلها، إن لم يكُن كُلّه لأجل ذلك؟ وأيّ أحدٍ يستطيع التّحمّل كُلّ ذلك؟ لا توجد مُفارقات بين الرّجل والمرأة سوى في هذا، هي لا تختلف عنه بأيّ شيء.

مُناضلة وحاملة وطن على كتفيها

من تستيقظ مع بزوغ الفجر، وتبدأ نهارها بالصلاة والدعاء لأولادها، وتحمل ثقلها وتباشر بتحضير خبز الطابون لتعد لأولادها أجمل طعام ذي النكهة الفلسطينية، تحضر الفطور وتيقظ أولادها، وتهيئهم للذهاب إلى المدرسة! بعد ذلك تحضر نفسها لتزور فلذة كبدها القابع في الأسر، وتتحمل مرار الطريق وظلم المحتل وقساوة السجان لترى ابنها، وأثناء عودتها من السجن تذهب لتضع إكليلاً من الورد على قبر زوجها الشهيد.

من تفعل كُل ذلك أتُكنّى بالضعيفة؟

وعند انتهاء يومها المليء بالتعب تضع رأسها على وسادتها وتخلد إلى نومها، المرأة المناضلة، هي حمالة الحطب، ومدبرة للعمليات، وهي التي أعلنت حرية هذا الوطن تحت سقف حافلة.

هي الأم والأب والمعلمة والطبيبة والأخت لأولادها. هي أم الأسير وزوجة الشهيد وأخت الجريح.

كيف يُمكن القول بأنّها مجرد امرأة وفيها العالم انطوى؟

هي عروسٌ ترجلت وقامت بعمليات نوعية، هي بألف رجل، أبت الذل والهوان، لم تصمت على الباطل، قاتلت وناضلت وأرعبت الكيان وأبطلت زعمهم بأنهم الجيش الذي لا يقهر، وهي التي تقف بجسدها الأعزل في وجه العدو في ساحات الأقصى وترفض الظلم وإجراءاته الصّارمة، هي التي تقول «لا» في الوقت الذي يرضخن فيه الكثيرات ويقُلن «نعم»، هي المعطاءة والمُضحيّة، هي شجرة الزيتون المُرابطة في هذه الأرض.

المجد والسّلام لكُلّ حُرّة تأبى الخنوع

أُمّي سيدة الكون، المجد لُكّل الماجدات.

قُبلة أطبعها على جبين أُمّي التي لا تكل ولا تمل حتّى تغفو عيوننا. لكِ كُلّ قلبي وعمري يا أُمّي، سلامٌ إلى كُلّ نساءِ الأرض، سلامٌ مُحمّل بكُلّ الحُب للفلسطينية لصانعة المجد. المجد يركع لكُل أسيرة وجريحة وشهيدة، لكّل امرأة.

مسك الختام أختمه بقُبّلة على جبين أمّي وباقة ورد مُحمّلةٍ بأرق المشاعر تجاهها، إليك أنتمي يا أُمي ودونكِ أُفنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد