واقع الشابات في ظل الظروف الراهنة في قطاع غزة

تحاول هذه المقالة أن تلامس الوجع الحقيقي للشابات الفلسطينيات بعيدًا عن كلاشيهات التقليدية والرتابة، بما يجسد صراعهن لأجل إثبات هويتهن النسوية والوطنية، وتسعى لتطلق صراخًا أبديًّا وأزليًّا لصوتهن المكبل بالتابوت السياسي والاجتماعي والثقافي، ولتذكر وسط كل الانهيار الذي نعيشه ونعايشه في المرحلة الحالية، والسقوط لأي مساحات آمنة سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا لكل ما مس كل فئات المجتمع وشرائحه وقطاعاته.

وتأصيلًا لتأطير هذه المقالة فهي تركز على الاتجاهات الثقافية والاجتماعية همًّا أساسيًّا، وتنظر إلى ما يدور في أعماق الشابات في محاولة لنقل صوت الأغلبية الصامتة، غير متجاوزين باقي المجالات بالقدر الذي تتيحه المعلومات والمؤشرات لتشكيل رؤية متكاملة في ذات الشأن.

وبداية: فواقع الشابات الفلسطينيات هو جزء من الكل، وهو امتداد لكل ما يواجهه المجتمع الغزي في المجال الحقوقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والنفسي… وتناول واقع الشابات بكافة مستوياته ومجالاته يحتاج للكثير من الأدوات البحثية الميدانية؛ للوصول لتشخيص محدث ومتكامل، ويعبر عن الواقع بكل شفافية، لذلك تعد الكاتبة هذه محاولة لقراءة المشهد، ولست بصدد نظرة تشاؤلية بقدر ما هي محاولة جادة للتفكير خارج التابوت الذي كان صندوقًا في ما مضى، وبنظرة نسوية.

تنبيه لا بد منه: هنالك إخفاق في تحديث دائم للإحصاءات والبيانات والمعلومات في ما يتعلق بقضايا النساء والشابات في كافة القضايا، فهنالك غياب مستمر للإحصاءات في القضايا المجتمعية في فلسطين لا يوجد إحصائية رسمية عن أعداد النساء المعنفات، خصوصًا أن الكثير من التابوهات لا زالت تواجه النساء اللواتي يتعرضن للعنف، وهن من يفضلن عدم الحديث عنه، وإن تحدثن فلا يعبرن بصراحة خوفًا من البطش بهن، لذلك تفتقر الدراسات في غالبيتها للدقة، إضافة إلى عدم توفر قاعدة بيانات في أقسام الشرطة أو المستشفيات أو مراكز الإيواء للنساء المتقدمات بشكاوى ضد العنف، لضعف أداء أجهزة العدالة الرسمية وغير الرسمية في التعامل مع النساء ضحايا العنف، فلا زال التعامل مع قضايا النساء يحكمه العرف والعادات، لا العدالة وأجهزة القضاء، ورغم كافة الجهود المبذولة من الجهات ذات العلاقة، إلا أن عدم تحسين بنى أجهزة العدالة للتعامل مع قضايا النساء، وعدم تأهيل كوادر متخصصة للتعامل معهن، هو أمر يزيد من الغياب المستمر للإحصاءات ولتحسين التدخلات في قضايا الشابات والنساء.

خلفية إحصائية وفق الجهاز المركزي للإحصاء

نصف المجتمع الفلسطيني من الإناث: ضمن التركيبة النوعية للسكان في فلسطين، بلغت نسبة الجنس 103.3، أي أن هناك 103 ذكور لكل 100 أنثى.

الأسر التي ترأسها نساء: حوالي 10.6% من الأسر الفلسطينية ترأسها نساء في عام 2017، بواقع 11.2% في الضفة الغربية و9.5% في قطاع غزة.

خمس الإناث في فلسطين تزوجن مبكرًا (في عمر أقل من 18 سنة): بلغت نسبة الزواج المبكر للإناث 20.5% مقابل 1.0% للذكور، وذلك من المجموع الكلي للأفراد المتزوجين في فلسطين، إذ بلغت هذه النسبة في الضفة الغربية 19.9% من إجمالي الإناث المتزوجات في الضفة الغربية، أما في قطاع غزة فقد بلغت 21.6% من إجمالي الإناث المتزوجات في قطاع غزة، وذلك لعام 2016. وعلى مستوى محافظات قطاع غزة كانت محافظة غزة هي الأعلى بنسبة 42.1%، وأقلها في دير البلح بنسبة 7.1% من مجموع الإناث المتزوجات في العمر أقل من 18 سنة في قطاع غزة.

استمرار تقدم النساء في مجال معرفة القراءة والكتابة: رغم التقدم الحاصل على معرفة القراءة والكتابة لدى الإناث خلال العقد الماضي، إلا أنه ما زالت هناك فجوة لصالح الذكور بفارق 3%، إذ بلغ معدل معرفة القراءة والكتابة لدى الإناث 95.6%، مقابل 98.6% للذكور خلال عام 2017.

ارتفاع معدل الالتحاق بالمرحلة الثانوية للإناث مقابل الذكور: تشير البيانات إلى أن معدلات الالتحاق الإجمالية للذكور في المرحلة الثانوية بلغت 60.5%، مقابل 80.4% للإناث للعام الدراسي 2016/2017.

فجوة في نسبة المشاركة في قوة العمل والأجرة اليومية بين النساء والرجال: بلغت نسبة مشاركة الإناث في القوى العاملة 19.0% من مجمل الإناث في سن العمل في عام 2017، مقابل 10.3% في عام 2001، وبلغت نسبة مشاركة الذكور 71.2% لعام 2017. مع وجود فجوة في معدلات الأجرة اليومية بين الإناث والذكور، إذ بلغ معدل الأجر اليومي للإناث 84.6 شيقل مقابل 119.6 شيقل للذكور لعام 2017.

حوالي نصف الإناث 15 سنة فأكثر عاطلات عن العمل: 47.4% معدل البطالة بين الإناث المشاركات في القوى العاملة مقابل 22.3% للذكور، و65.8% من النساء الشابات (15- 29 سنة) عاطلات عن العمل، كما تصل معدلات البطالة بين النساء الحاصلات على 13 سنة دراسية فأكثر إلى 53.8% من مجموع هذه الفئة من النساء.

البطالة ذلك الخنجر الصامت

أظهرت دراسة حقوقية، ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة إلى 46.6%، بينما تجاوزت نسبتها في أوساط الشباب 60%، وفي صفوف النساء تجاوزت 85%، وأكدت الدراسة[1] أن التغيرات السياسية في قطاع غزة انعكست على معدلات البطالة وأدت لتفاقمها، وأشارت إلى أن مشكلة ومعاناة الخريجين تُعدّ هي السمة الرئيسة ضمن مؤشرات البطالة المرتفعة في قطاع غزة، إذ بلغ عدد الخريجين والخريجات في مؤسسات التعليم العالي لعام 2017/2016 في محافظات قطاع غزة 21508 خريجين وخريجات، منهم 11601 من الذكور، و9907 من الإناث، بينما بلغ عدد المسجلين في مؤسسات التعليم العالي 85660 طالبًا وطالبة.

وتظهر الدراسة بأنه خلال العشر سنوات الأخيرة تقدم أكثر من ربع مليون خريج وخريجة (295,510)، بطلبات الحصول على وظيفة في وزارة العمل للاستفادة من فرص العمل المؤقتة التي تشرف عليها الوزارة، منهم حملة شهادات الدكتوراه، والماجستير، والدبلوم العالي.

انتهاكات وآثار خطيرة

تواجه الخريجات والخريجون انتهاكات منظمة لحقوقهم، مثل: الحق في العمل، والحق في الصحة، والحق في مستوى معيشي ملائم، والحق في السكن، والحق في الرعاية الصحية، والحق في الزواج وتكوين أسرة، وحرية الرأي والتعبير، والحق في المشاركة السياسية، والحق في مواصلة التعليم العالي، وبينت ذات الدراسة أن معدلات البطالة المرتفعة، ولا سيما في صفوف الخريجات والخريجين لها آثار خطيرة تمثلت في هدر الموارد البشرية، والخسارة الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد الوطني، من جراء غياب التخطيط الذي يربط الاستثمار في تخصصات تعليمية بحاجة سوق العمل والمجتمع الفلسطيني، الأمر الذي حال دون استغلال الطاقات البشرية المؤهلة والمدربة.

البطالة وانتشار الفقر وتفاقم دائرة العنف

أدت وتؤدي البطالة إلى ظهور مشكلات خطيرة مثل: الفقر والعوز والحرمان والجوع والتسول والجريمة والعنف والتطرف، في ظل غياب الاستقرار، وضعف القدرة على التكيف، فالبطالة دفعت الشباب والشابات تحديدًا إلى القبول بأجور متدنية أقل من الحد الأدنى للأجور من أجل العمل، والحرمان من العمل اللائق، ما أدى إلى الركود وإضعاف النشاط الاقتصادي، وغياب الأمن الإنساني، زاد من حالة الإحباط، والقلق، والتوتر الدائم، وتولد شعور في أوساط الخريجين بأنهم أصبحوا عبئًا على الأسرة والمجتمع، وبخصوصية أكبر أدى إلى إجبار الشابات على القبول بالزواج دون توفر مقوماته، أو الشخص المناسب لهن، وهو الأمر الذي يؤدي لمزيد من المشكلات الاجتماعية لاحقًا، أو زيادة نسبة الطلاق، أو مواجهة العنف بكل أشكاله.

كما أن البطالة والفقر وقلة الفرص لتحسين واقعهن يؤدي لمزيد من الشعور بغياب المساواة وتكافؤ الفرص، وعزوف كثير من الشباب والشابات أيضًا بشكل عكسي عن الزواج، بسبب عدم توفر الإمكانات المادية، وارتفاع معدلات الطلاق، وزعزعة الانتماء للوطن، كما شكلت عوامل البطالة والفقر والفراغ عاملًا مساعدًا لالتحاق بعض الخريجين بالجماعات المتطرفة الغريبة عن قيم المجتمع وثقافته، والتفكير المتزايد في الهجرة الخارجية؛ نظرًا إلى انسداد أفق إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية والسياسية، ونفاد قدرتهم على تحمل هذه الظروف الكارثية.[2]

التورط في الهم الذاتي والبحث عن الخلاص

أغلبية الشابات الفلسطينيات بشكل عام، وتحديدًا في قطاع غزة، يجدن أنفسهن قد تورطن في الهم الذاتي والمراوحة ما بين ما يطمحن إليه من حياة كريمة، تتمثل في البحث عن فرص عمل تحفظ كرامتهن، أو تؤهلهن لبناء مستقبل أفضل، وما بين انسداد الأفق، وعدم توفر فرص عمل لبنات جيلهن، فهنالك عشرات الآلاف من الخريجات والخريجين غير القادرين على سداد رسومهم الجامعية للحصول على شهاداتهم الجامعية، ومن تمكن من ذلك فقد اتخذ طريقه لصفوف البطالة، أو العقود المؤقتة ذات الأشهر المحدودة، ما يتركهم لمستقبل باهت لا وجود لتغيير حقيقي فيه، وقد تحرم الكثيرات من فرص التدريبات أو محاولة الحصول على وظائف فرص متكافئة للوصول لفرص عمل، بسبب ضغوط مجتمعية وعائلية، تتمثل بكونهن إناثًا ويدخلن في دائرة أخرى من التحديات المجتمعية، وصورة الإناث في المجتمع.

إن البحث عن الخلاص بعد التيه في التورط في الهم الذاتي يتخذ أشكالًا متعددة، قد تعتمد على الفروق الفردية لحالة الشابات الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، فقد تضطر الشابات لقبول خيارات لم يكن تقبلها بالزواج دون توافق، أو بالظروف الملائمة لها ولعائلتها، ما يعني مزيدًا من التنازل عن المزيد من الأحلام والمستقبل، والتحول لرتابة الخيار والارتهان لخيارات المجتمع، دون محاولة الانعتاق من التابوت التقليدي، فقلة من تجاهد وتجتهد لتكون نموذجًا وتحقق ما ترغب فيه بدخول معترك العمل بالاعتماد على المهارات الذاتية، ودون رأس مال، كما أن هذه الخيارات قد تحرمها من تطوير مهاراتها، أو الحصول على تعليم متقدم، أو الطموح للسفر والبحث عن خلاص آخر تواجه فيه أغلبهن رفضًا مجتمعيًّا، كونه امتدادًا لثقافة المحرم والحاجة الدائمة لذكر بجانب الأنثى، ونعود للدوائر اللامتناهية في كافة الفرص والخيارات المتاحة، وما بين المراوحة ما بين ما يتغاضى عنه المجتمع، وما بين ما تريده فعليًّا الشابات كتجسيد لهويتهن، وأحلامهن، وطموحاتهن التي تتعارض في كثير من المقامات مع توجه المجتمع بردته نحو تقزيم احتياجاتهن وأولوياتهن، بما تتيحه العقلية الذكورية.

ما تواجهه الشابات دائرة لا تنتهي من العنف المبني على النوع الاجتماعي

تواجه الشابات الفلسطينيات العديد من الإرهاصات المتعلقة بكونهن إناثًا، فالتحديات والصعوبات التي يواجهنها تكون مضاعفة في مجتمع ينظر لهن كتابعات، وهن قد يحصلن على الكثير من الرعاية والحماية، إلا أن انحراف هذه الحماية عن مسارها يجعلهن في مواجهة مباشرة مع معنفيهن، الذين قد يكونون أفرادًا من الأسرة الممتدة، أو النووية، أو غرباء.

إن غياب استراتيجية شاملة تتكفل بمعالجة العنف القائم على النوع الاجتماعي في غزة، ومن جملة المشاكل المرتبطة بهذا الجانب الغياب الكلي للتدريب الرسمي في مجال التوعية بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، وتوفير الحماية والعدالة للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي في جميع القطاعات التي تغطيها الحكومة في عملها، والفجوات التي تشوب الخدمات المرتبطة بذلك النوع من العنف، والتي تقدمها المنظمات غير الحكومية. هنالك حاجة ماسة إلى منح قدر أكبر من التركيز على إعداد البرامج التي تُعنى بدعم المشاريع التي تدرّ الدخل على ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، وضرورة دعوة الجهات المانحة إلى مراجعة توازن الدعم الذي تقدمه، بحيث يشمل هذا النوع من العنف في جميع القطاعات.[3]

التعامل مع العنف القائم على النوع الاجتماعي في قطاع غزة

وفقًا لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، بات العنف القائم على النوع الاجتماعي في الأرض الفلسطينية المحتلة يستحوذ على قدر أكبر من الاهتمام خلال السنوات القليلة الماضية. ففي العام 2010، أجرى الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني مسحًا أظهر أن مستويات العنف المنزلي تراجعت في الضفة الغربية بالمقارنة مع ما كانت عليه في العام 2005، غير أنها سجلت ارتفاعًا في قطاع غزة. وكانت الزيادة التي طرأت على العنف القائم على النوع الاجتماعي في القطاع قد أدت إلى الأوضاع الإنسانية التي شهدت تدهورًا في أعقاب الحصار الذي فرضته إسرائيل بعد عام 2007.

وتؤكد الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير على أن الفقر، وغياب الفرص الاقتصادية المتاحة لأرباب الأسر وأسرهم تشكّل عوامل مركزية تقف وراء استشراء العنف القائم على النوع الاجتماعي في غزة. ويرتبط الفقر كذلك بالمشكلة الحرجة التي تفرزها الأسر التي تتسم بالازدحام المفرط، إذ أشارت النساء الناجيات من هذا العنف إلى أن السكن مع الأسر الكبيرة لأزواجهن غالبًا ما يتسبب في تفاقم حالات سوء المعاملة التي يتعرضن لها. ومن جملة العوامل التي تيسّر استمرار الأوضاع التي تتعرض فيها النساء لسوء المعاملة أن الجناة نادرًا ما يخضعون للعقوبات القانونية، أو الجنائية، أو الاجتماعية المترتبة على سلوكهم، وأن العنف الواقع على المرأة في سياق الزواج لا يُعَدّ جريمة بموجب القانون المدني وقانون حقوق العائلة الساري في غزة، وأن الأعراف الاجتماعية السائدة تضع الأولوية للمحافظة على الزواج بصرف النظر عن الثمن الذي يدفعه ضحاياه.

واقع العنف تجاه الشابات والنساء في ظل الأوضاع الراهنة

عنف الاحتلال الإسرائيلي

العنف الذي تتعرض له المرأة بكافة أشكاله الجسدي واللفظي، له علاقة كبيرة بالاحتلال الإسرائيلي الذي يعنّف المرأة الفلسطينية، فعنف الاحتلال ضد المرأة متعدد الأوجه، ومن ممارساته عمليات هدم البيوت، والشعور بالفقدان لأحد أفراد الأسرة أو الأسرة بأكملها، كما حدث في العدوانات الأخيرة، يلغي مساحات الأمن والأمان ويزيد من الضغوط على النساء، وتظهر العديد من المشاكل النفسية والاجتماعية، وزيادة الضغوط خاصة على الشابات اللواتي تزوجن ولديهن أطفال، والصراع على مخصصات الشهداء أو المعتقلين، أو الإجبار على الزواج من أخي الشهيد، ما يعني دائرة عنف جديدة، وينال من الحيز الخاص للنساء والفتيات.

وفي النهاية تتحمل النساء العبء الأكبر في أن تصبح المعيل للأسرة، والتصدي لكل تحديات المجتمع وتربية أطفالها، وهذا يعني إلغاء كينونتها وهويتها، وتبدأ بدائرة التضحية لأجل الآخرين على مدار حياتها، ونسرد هنا سريعًا بعض تجليات العنف المبني على النوع الاجتماعي كالتالي:

هنالك أنماط للزواج في فلسطين عمومًا، أولها التزويج المبكر، وثانيها الزواج المتأخر، فأما نسبة الزواج المبكر في قطاع غزة للعام 2016 أكثر من 37%، أكثر من 60% منهن يتعرضن للعنف العائلي، عدد حالات الطلاق لعام 2016 كانت 3188، بزيادة قدرها 561 حالة طلاق عن عام 2015.

– قتلت أكثر من 80 امرأة في الضفة الغربية وقطاع غزة في السنوات الأربع الأخيرة، على خلفية ما يسمى بالشرف في الأراضي الفلسطينية؛ أي أن حوالي 100 امرأة على الأقل في قطاع غزة فقط قتلت على خلفية ما يسمى بالشرف خلال السنوات العشر الأخيرة.

نسب الطلاق خلال 2016-2017 نسب مرتفعة وتنذر بخطورة الاستمرار بالزواج دون وجود توافق أو معايير متكافئة!

– شهدت 2017 (3255) حالة طلاق، وعام 2016 كانت فيه حالات الطلاق(3368)، وأنجزت في المحاكم الشرعية (315047) معاملة خلال 2017.[4]

– انتشار قضايا «الخلع» (الطلاق بالتراضي) إلى أكثر من 2500 حالة سنويًّا في قطاع غزة في العام 2015.

– تزايدت أعداد الشابات اللواتى توجّهن بالشكوى لوحدات الاستشارات القانونية لمؤسسات نسوية وأهلية، ولوحظ أن غالبية هذه الشكاوى تتلخص في معاناتهن والظلم الواقع عليهن من قبل أزواجهن من الناحية القانونية ولكن قبل إتمام الزواج بالشكل النهائي، وهي ما تسمى مرحلة الخطبة، ولكنها من الناحية الرسمية تعد زواجًا قانونيًّا يرتب الآثار نفسها كما لو تم الدخول بالفعل.

– تشكل نسبة الطلاق في قطاع غزة 11% من نسبة الزواج «إحصائيات المحاكم الشرعية»، في حين تشكل نسبة المطلقات الشابات، وخصوصا قبل الدخول نسبة 42% من مجموع حالات الطلاق، وهي نسبة لا يستهان بها في منطقة تعيش ظروف مأساوية، وقد تعدّدت الدراسات التي تناولت العنف ضد المرأة، وضمنها الطلاق بوجه عام، ولكن لم يسبق أن أجريت دراسة في قطاع غزة تتناول أسباب الطلاق وسط الشابات وآثار ذلك على حياة الشابات المطلقات.[5]

– هنالك عنف يتمثل بالتحرش الجنسي والتنمر الإلكتروني، وتستغل فيه منصات التواصل الاجتماعي لابتزاز الشابات، وتولد المزيد من الانتهاك لخصوصيتهن وحيزهن الخاص، وهنالك تمظهرات لمشاكل مجتمعية كثيرة بدأت تعاني منها الشابات والنساء، على سبيل المثال الزواج الصامت بفعل الأجهزة الإلكترونية، وسوء استخدام السوشيال ميديا، وخلق مزايا من دوائر العنف المسكوت عنها، فآثارها ونتائجها تعاني منها الشابات وحدهن، امتدادًا لجذور ثقافية رجعية تنظر إلى الشابات فقط كونهن إناثا ويتحملن وزر أي إشكالات، كما أنه جدير بالذكر أن جريمة التحرش الجنسي تعد شكلًا من أشكال الفساد، وهو أمر مهم يجب البناء عليه بتعزيز سبل المساءلة والإبلاغ عن المعنفين.

انتشار الوعي وغياب التطبيق الفعلي للقوانين.. «الميراث نموذجًا»

هنالك بعض المؤشرات التي تؤكد أن الوعي بقضايا العنف ضد المرأة أفضل انتشارًا مما سبق، بفعل العديد من العوامل والأسباب، وحققت النساء بعض المكاسب قانونيًّا واجتماعيًّا بفعل زيادة نسب التعليم والوعي، إلا أنها إنجازات لا تتناسب ووزن النساء في المجتمع، ولا تسد الخلل في توفر العدالة المجتمعية للنساء. فهنالك عشرات ومئات القصص المعلقة في المحاكم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما زال هنالك حرمان من حصول النساء والفتيات على حقهن في الميراث، وفي دراسات سابقة أعدت في قطاع غزة فهنالك 24% من النساء محرومات من الميراث، والنسب تزيد ولا تقل، للكثير من الأسباب، منها:

الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع، ونظرة العيب التي تمنع المرأة من المطالبة بحقها بالميراث، الخوف من مقاطعة الأهل أو الخشية من التعرض للأذية، فكم من حالات قتل ارتبطت بالميراث، أيضًا المعيق القانوني والمتمثل في عدم وجود نص صريح يجرم حالات الاحتيال والإكراه التي تمارس ضد المرأة لحرمانها من ميراثها، وعدم وجود عقوبات مشددة ورادعة لمن يحرم النساء من ميراثهن، وعدم وجود نصوص تفرض للمرأة تحصيل حقها في الميراث بقوة القانون، إضافة إلى المعيقات القضائية والإجرائية والتي تتمثل بطول إجراءات المحاكم والمماطلة بالنسبة لقضايا الميراث، والتي تؤدي إلى ضياع حق النساء، بالإضافة إلى الإجراءات القانونية المعقدة التي تستغرق وقتًا طويلًا.

إن إتاحة المساحات الآمنة للنساء والشابات للتعبير عن آرائهن، واحتياجاتهن، ورؤيتهن الخاصة يكفل على المدى البعيد وعيًا وفهمًا لأفكارهن التي ما زال البعد السياسي يسلبها جوهرها ويفرغها من محتواها، ليبقي على الشكل الخارجي، وهو ما يتوجب العمل عليه بقوة منذ اللحظة.

والخطر الحقيقي يكمن في الفجوة العميقة بين احتياجات النساء وهمومهن، وبين صناع القرار وبنية المجتمع الشكلية بالحفاظ على مصالحهن، بينما في حقيقة الأمر أن النساء مغيبات عن المشهد النخبوي، ورغم أن أصواتهن لم تصل، فإنهن بدأن يؤمن بضرورة الإفصاح عن مطالبهن وهمومهن، وهذا يزيد من تحميل كافة الجهات المعنية بالمسؤولية تجاه المطالب العادلة للنساء، ليكن ضمن دائرة التأثير وصنع القرار.

بعد كل ما استعرضناه على عجالة فالشابات الفلسطينيات ما زلن في مرحلة البحث عن إحساس جديد بمعنى الحياة، واحترام الذّات، وتأكيد هويتهن وأولوياتهن، وما زلن في دائرة الصراع خلافًا للتابوهات المجتمعية التي تتمظهر بأشكال متعددة، ورغمًا عن تشاؤمية المشهد، فهنالك نماذج لنجاحات شابات تفوقن وتميزن وسجلن براءة اختراعات، وأبدين قدرات مميزة وفريدة، إلا أنهن بحاجة كبيرة إلى حاضنة اجتماعية، وثقافية، واقتصادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] مركز الميزان لحقوق الإنسان، بعنوان: “البطالة وآثارها على حقوق الإنسان.. الخريجون الجامعيون في قطاع غزة أنموذجاً” 2018
[2] مرجع سابق
[3] 8 فبراير 2018
[4] رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي د.حسن الجوجو
[5] https://paltoday.ps/ar/
عرض التعليقات
تحميل المزيد