“ولو كانت الأشعار صادقة وكان كل شهيد وردة فيمكن لنا أن ندعي أننا صنعنا من العالم حديقة”. مريد البرغوثي

 

حين هلت علينا بشائر الانتفاضة الثالثة، صاحبتني تلك الفرحة الطفولية التي تصاحبني دومًا؛ فرحة طفل استضعف قومه وتمزقوا وبعد أن اعتاد الأمر وانتفخت عيناه كل ليلة من أثر البكاء؛ اكتشف أن ثمة قومًا آخرين في بلاده البعيدة الجميلة المنسية المشتهاة – لا كسر الله انتفاضتها ولا سقاها طعم الذل – ما زالوا على عهدهم يقاومون. انتشيتُ فرحة بهم أو إنصافًا بهن، بحثت عني فيهن.

 

 

 

 

هن أجمل، أشجع، أصدق، وأقوى. احتفظت بصورهن على هاتفي، وفي ذاكرتي وضعت انتصارهن الصغير انتصارًا وامتدادًا لانتصار جيلي، ودعوت الله أن يقيهن ما حاق بنا من خيبة.

 

 

 

 

أملك ذاكرة شريرة بعض الشيء تجمع لي الكثير والكثير جدًا من تفاصيل تائهة تشبكها وتربطها وتواجهني بصورة مرعبة. حين رأيت أولئك الفتيات اللواتي احتكرن الجمال تذكرت مباشرة من كان يسبغ عليهم مريدوهم لقب أسود السنة. تجمع لدي الكثير من تناقضهم وتلعثمهم وسقطاتهم المدوية والمفجعة، أولئك الذين جعلوا جل جهادهم إطلاقًا للحية.

 

 

 

 

 

 

قاومت ذاكرتي الشريرة تلك واتهمت نفسي بالتحامل وخلط الأوراق. حتى أفجعني تعليق إحداهن على ما رأيته مبهرًا؛ جل ما استرعى اهتمامها كيف خرجن من بيوتهن بغير حجاب أو كيف خرجن من الأساس خاصة أن حجابهن أهم من جهادهن.

 

 

 

 

 

زفرت وزجرت نفسي وتذكرت أن أسوأ ما في الديمقراطية أنها تجبرك على الاستماع إلى رأي الحمقى. ذكرتني بمدى ديمقراطيتي وصمتّ. ولكن حين علمت أن تلك موجة سائدة لم أستطع الصمت.

 

 

 

 

 

 

في البدء، ليس هناك أيسر من أن أنتقد مدى عور تلك الآراء وسطحيتها. لكني لا أملك ميزان الله في يدي وأعلم ذلك. أنا فقط أتخيل لو قبضتْ تلك المرابطة وبيدها حجرها، ولو قبضْتُ وعلى رأسي حجابي. من منا أجدر بالعفو. ماذا قدم للأمة كل من انتقد رياحين الجنة التي غرسها الله بأرض فلسطين. لكل من لا يعرف سأحكي.

 

 

 

 

لكن من لا يملك ذاكرة سأقص عن نسوة هن الشموس رحلن وبقيت القضية، وسيظل يقيني أن فجر هذه الأمة سيبزغ من جيوب نسوة فلسطين.

 

 

 

 

 

 

 

لم أكن أعرف الكثير من الأسماء التي سأروي عنها. وليقيني أن فلسطين ذاكرة العرب؛ استعنتُ بصديقة فلسطينية اقترحتْ علي التواصل مع الكاتب الرائع يامن النوباني الذي أهدى إليّ تلك الأسماء.. شكرًا موصولا لكليهما.
 

 

(1) زكية شموط

من أوائل الفلسطينيات اللاتي قاومن ضد الاحتلال. لم تكن تملك سوى زوج محب وقضية ملكت عليها أنفاسها. التحقت بالعمل الفلسطيني وهي في عمر الثالثة والعشرين. نفذت 7 عمليات في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. تم اعتقالها وعائلتها وهي حامل بالشهر الخامس لتكون أول أسيرة تلد داخل سجون الاحتلال. حكم عليها باثني عشر مؤبد إلا أنه قد أطلق سراحها وأبعدت إلى الجزائر.

 

 

في ذلك الوقت لم يكن انتشر فينا مثل فكر الصغيرة التي حاولت الانتقاص من قدر الكبيرات. ولكن كان هناك قضية وثار وجهاد واستشهاد.
 

 

 

(2)  دلال المغربي

 

تلك الجميلة التي أمر إيهود باراك بالتمثيل بجثتها. دلال ابنة أحد المخيمات الفلسطينية في بيروت. قررت دلال الانضمام لحركة فتح وهي على مقاعد الدراسة فتلقت العديد من التدريبات العسكرية.

 

 

 

 

فرقة دير ياسين وضعت الخطة على يد الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) وكانت تقوم العملية على إنزال على الشاطئ الفلسطيني ومهاجمة حافلة عسكرية والتوجه لتل أبيب لمهاجمة مبنى الكنيست.

 

 

 

قادت دلال تلك المجموعة وهي ابنة العشرين ربيعًا. نجحت دلال في الاستيلاء على الحافلة بجميع ركابها الجنود والاشتباك مع عناصر خارجها مما أدى لوقوع مئات القتلى والجرحى من الإسرائيليين، وتم تكليف إيهود باراك بإيقاف الحافلة وقتل واعتقال من فيها، حيث استخدمت الطائرات والدبابات لحصر الفدائيين فقامت دلال بتفجير الحافلة لتستشهد ومن معها.

 

 

 

 

ألا حيا الله دلال وخذى كل من تخيل أنه يملك قسطًا من رحمة الله بعبيده.

 

 

 

 

 

(3)  وفاء إدريس

 

بغض النظر عن كونها شهيدة أو مناضلة، هي امرأة تجبرك على الانحناء أمام قوتها وجمالها وابتسامتها. وفاء البالغة من العمر ثمانية وعشرين عامًا، التي لو شهدت إحداهن تجربتها لصدعت أدمغتنا لعنًا للمجتمع الذكوري والحظ الأعثر. تزوجت وفاء من ابن خالتها بعد قصة حب ليست بالقصيرة.

 

 

 

 

 

تزوجته لتسعة أعوام وطلقها لعدم قدرتها على الإنجاب، فوقفت توزع الملبس في حفل زفافه الثاني بكبرياء أنثى وجلال شهيدة. لم يتوقع أهلها حين غابت أنه من الممكن أن تقدم هي، من تحب الحياة؛ على الموت بمثل هذه الجرأة.

 

 

 

 

 

 

وفاء هي أولى الفدائيات في انتفاضة الأقصى الثانية. فجرت نفسها لتؤدي لمقتل إسرائيليين وجرح المئات.

 

قلبًا كقلب وفاء يا رب وميتة كميتتها.
 

 

والآن إلى جميع الصغار، بالله أعرفتم عندليب طقاقة، هنادي جرادات، دارين أبو عيشة، آيات الأخرس، ريم الرياشي، فاطمة النجار، زينب علي أبو سالم، وغيرهن. بالله هل عرفتم من الدين شيئًا غير اللحية والحجاب. بالله هلا خليتم بين الله وعباده. حبًّا لله أن تفعلوا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد