لعلنا ندرك بأن الانقسام الفلسطيني ظهر جليًا في صيف عام 2007، لكن جذوره تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي بين الزعامات الفلسطينية التقليدية متمثلةً بعائلتي الحسيني والنشاشيبي، بعد ذلك شهدت فترة الستينيات نوعًا من التنافس بين الحركات الفلسطينية إلى حد الاقتتال، وخاصة بين فتح والجبهة الشعبية أثناء وجودهما في الأردن، رغم اتفاقهما على ميثاق منظمة التحرير الوطني الفلسطيني، ثم حدث نوع من الانقسام أيضًا مع بدايات الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر عام 1987، وتحديدًا مع نشأة حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في ظل بيئة فصائلية يغلب عليها الطابع اليساري والعلماني، ومع ازدياد القاعدة الشعبية لحركة حماس على حساب باقي الفصائل، وتحديدًا حركة فتح التي تقود فصائل منظمة التحرير، وتعمقت الفجوة أكثر بعد توقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر/ أيلول عام 1993.

وفي عام ٢٠٠٥، فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية، وشكّلت الحكومة بمفردها بعد رفض حركة فتح وبقية الفصائل المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية، وبدأ الخلاف بين الحركتين يتفاقم وزادت حدته بعد رفض حركة حماس شروط الرباعية الحصارية، وإصرارها على رفض اتفاق أوسلو وعدم الاعتراف بإسرائيل، ما دفع المجتمع الدولي (إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية) إلى محاصرة حكومة حماس، في هذه الأثناء بقيت حركة فتح تُمسك بمؤسسة الرئاسة وبالعديد من المؤسسات المدنية، ما سهّل عليها حث عدد كبير من الموظفين وقيادات مؤسسات السلطة الفلسطينية المحسوبين على حركة فتح، وبخاصة في الأجهزة الأمنية، على عدم التعاون مع حكومة حماس، وكردّ فعل على الحصار الخارجي والداخلي لحكومة حماس، قامت الحركة بتشكيل القوة التنفيذية من كوادرها، تلك القوة التي مكّنتها فيما بعد من السيطرة على قطاع غزة في صيف 2007، الأمر الذي ترتب عليه انقسام سياسي أوجد حالتين سياسيتين متباينتين في الضفة الغربية بقيادة فتح، وقطاع غزة بقيادة حماس، عدا عن ذلك الانقسام الجغرافي الذي نتج بعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005، والذي كان من الأسباب التي أسهمت في تكريس ذلك الانقسام السياسي بصورة، أو بأخرى.

بدأت محاولات لحمة البيت الفلسطيني بداية من وثيقة الأسرى في عام 2006، ثم اتفاقية مكة عام 2007 علها مفلحة في الوصول إلى الوفاق الوطني، لكنها كسابقاتها توجت بالفشل، لكن وبعد اتفاق مكة بأسابيع قليلة تجددت الاشتباكات بين مسلحي فتح وحماس، وهو ما انتهى بسيطرة حماس على قطاع غزة، ليتحول الانقسام جغرافي إلى الانقسام السياسي يوم 14 حزيران من عام 2007، ثم أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس إقالة حكومة إسماعيل هنية، وكلف سلام فياض بتشكيل حكومة جديدة، واستمرت الأمور إلى يومنا هذا بحكومتين واحدة في الضفة، وأخرى في غزة، وبعد صمت لعامين وتحديدًا في أوائل 2009 وبعد انتهاء الحرب على غزة، قُدمت الورقة المصرية، وكانت تفرق عن غيرها بالتقدم خطوة شكلية للأمام ليس أكثر بتشكيل حكومة غير مجدية. مرت هذه الأوراق بمنعرجات كثيرة لتصل إلى طريق مسدود، ولم تفلح هذه الاتفاقيات في تحقيق المصالحة لأسباب عدة أهمها:

عدم تعاطي الحركتين مع تلك المبادرات بصدق ومسؤولية وطنية، وعدم وجود نية ورغبة حقيقة في الوصول إلى حل جذري لهذا الانقسام، والتمسك بمصالح حزبية ضيقة على حساب المصالح الوطنية، إذ إن جلوس الطرفين لهذه الاتفاقيات من أجل تلافي الإحراج أمام الشعب الفلسطيني الذي سئم الانقسام، وعدم التركيز على إيجاد حلول جذرية للخلافات الفكرية والأيديولوجية بين الطرفين، عدا عن إشكالية الأجهزة الأمنية التي لم يوضع لها حلول جذرية، وعدم وجود برنامج سياسي وطني موحد للفلسطيني، وافتقار بيئة إقليمية حاضنة في ظل ما تشهده الدول الإقليمية من غليان وعدم الاستقرار، وغياب الدور العالمي لما يشهده العالم من متغيرات جعل من القضية الفلسطينية تسقط من سلم أولوياته، عدا الانقسام الجغرافي ودوره في تعزيز الانقسام.

على ما يبدو أن الانقسام الذي نشهده اليوم بين قطبي الفصائل الفلسطينية «فتح وحماس» لا يمكن أن ينتهي بصورة ودية؛ وذلك لعدم وجود رغبة حقيقية من كلا الطرفين في الوصول إلى وفاق حقيقي واقعي بصورة أساسية، عدا عن وقوف العديد من العقبات أمام ذلك كما ذكر أعلاه، ولكن يمكن أن ينتهي هذا الانقسام بصورة جبرية في حالتين:

الأولى: سقوط إحداهما

يراهن كل قطب من قطبي الفصائل الفلسطينية على فشل وسقوط حكم الآخر ونهجه في تحقيقي أهدافه، وقد يكون سقوط إحداهما بفعل إرادة خارجية داعمة لإحداهما من أجل إسقاط الآخر، وفي حال فشل وسقط إحداهما بكل تأكيد سيسود النظير، وهذا يقود إلى نهاية الانقسام السياسي، ومن الممكن أن يتبع أحد الطرفين السبيل الذي يسقط النظير عن سدة الحكم.

الثانية: سقوط كليهما

في ظل الظروف الراهنة هنالك حالة من المرجح أن تحدث مع مرور الزمن، ويقاد كل منهما للمصالحة، وهي شعورهما بفقدان الحكم في الوقت ذاته، وقد يكون ذلك بسبب إرادة خارجية أو إرادة داخلية، مثلًا في حال شعور قطبي الفصائل بخطر شعبي راديكالي في الضفة والقطاع ضد كليهما بسبب فشلهما في تحقيق أي إنجاز حقيقي على أرض الواقع، حينها هنالك احتمالان: إما أن كليهما سيسعى للحفاظ على ما هو عليه، وذلك باللجوء إلى حل المصالحة من أجل القيام بإنجاز وطني، يعيد ماء الوجه أمام الشعب الفلسطيني، أو أن ينجح الشعب في تغيير كليهما في الوقت عينه، وفي كلا الحالتين سينتهي الانقسام السياسي.

لعل من ينظر إلى الحالة الفلسطينية في العقد الأخير يرى للوهلة الأولى بأنها أشبه بحبل ربط بدابتين، وكل واحدة منهما تصر على السير في الطريق الذي تريد، والحبل يتمزق جزءًا فآخر، وهذا ينصب بكل وضوح لصالح الاحتلال، وفي ظل واقع إقليمي غائب الدور؛ لمَ يشهده من غليان وعدم استقرار، عدا عن واقع عالمي متذبذب الدور، بعد ذلك العناد الفصائلي سنصل إلى نقطة قد نتمنى ما كنا عليه مسبقًا!

منذ عام 1948، لم يقدم الفلسطينيون على أي خطوة تقريبًا إلا وكان ما يتبعها سلبية، فالحال الفلسطيني يزداد سوءًا يومًا فآخر، ولعل أكبر الأخطاء الفادحة التي ارتكبت طوال التاريخ النضالي الفلسطيني هو عدم استثمار أي خطوة بصورة إيجابية سليمة؛ وذلك لعدم التخطيط المسبق والسليم لكل خطوة، وهذا إن دل على شيء فهو دال على وجود قيادة منتقصة للخبرة السياسية والرؤى السليمة، كما أن الرصيد النضالي هو الجسر الذي أوصل أغلب الأفراد إلى مراكز القيادة، وليس لكفاءتهم البحتة، ومن نتائج هذه الخطوات في الوقت الحالي الانقسام السياسي، والتحدث عن وفاق وطني في ظل المعطيات الراهنة بات بعيدًا لحد ما، وهذا حصل بسبب دخول الشعب الفلسطيني وقيادته في دوامة الصراع على الحكم، والمال في مرحلة يتوجب ألا ينساق إلى ذلك الصراع المزدوج:

الصراع على الحكم:

وهذا ظهر جليًا بصورة بارزة جدًّا بعد النكبة الثالثة «اتفاقية أوسلو 1993»، فهذه النكبة حولت الحركات الوطنية التي في جوهرها وعنوانها الأساسي التحرير إلى حركات هجينة تبحث عن التحرر، والحكم في الوقت ذاته، ومع مرور الزمن أصبحت تبحث بصورة أولى عن الحكم وليس التحرر، وتتنافس هذه الحركات عن طريق الوسائل الديمقراطية للوصول إلى سدة الحكم، وكأنها أحزاب في دولة مستقلة، كما برزت حدة الصراع بين الحركات الهجينة على الحكم إلى حد الاقتتال عام 2007؛ مما سبب انقسامًا سياسيًّا كرس الانقسام الجغرافي، فسلبت المنافسة على الحكم بين الحركات الهجينة الهدف الرئيس لها «التحرير».

الصراع على المال:

نظام السوق الحرة، ينظم نفسه بنفسه عن طريق العرض والطلب، وهو أساس الدخول في هذه الدوامة، كل فرد لديه بالفطرة حب التملك والسعي نحو المال وزيادة الثروة، ونظام السوق الحر يوفر لكل فرد المساحة والعنان الذي يمكنه من الوصول إلى تحقيق رغباته المادية، الدخول في الصراع على المال في مرحلة البحث عن التحرر أمر في غاية الخطورة؛ لأن الفرد سيسعى كل يوم للبحث عن المال، وهدف الفرد الأساسي كل يوم هو المال وهذا الشيء في ظل الظروف الطبيعية لا في ظل وجود الاحتلال، وبما أن النظام الاقتصادي الحر يخلق أغلبية فقيرة وأقلية غنية، وبما أن الأغلبية تُغيب في هذه الدوامة يصبح سعيها نحو المال، والأقلية التي تمتلك المال والثروة يتربى في ذاتها الخوف والجبن على فقدان الثروة والمال، وبذلك سيصبح الفرد جبانًا، والخوف والجبن لا يمكن أن يقودا إلى تحرر، وهنا تصبح الأغلبية مشغولة بصورة كاملة في البحث عن المال للعيش بصورة كريمة، أما الأقلية ستزيد ثروتها فيزيد جبنها وخوفها، فبالدخول في هذا الصراع على المال والتملك يغيب الشعب بأغلبيته الفقيرة وأقليته الغنية بصورة مغناطيسية، بحيث يصبح الهدف الأول لكل فرد وكل يوم هو البحث والعمل من أجل المال، وليس من أجل التحرر.

«من يملك المال يملك السلطة»، والمال والسلطة بيد فئة معينة، والفئة الحاكمة بقراراتها منسجمة مع الأقلية الغنية، لذلك يتضح بأن البوصلة الحقيقية للقضية ليست الوطن؛ بل المال والسلطة.

الصراع على الحكم والمال لا بد من كبح جماحه في مرحلة يسعى فيها الكل الفلسطيني لتحقيق هدف ما، وهو يقبع تحت لعنة الاحتلال؛ لأن هذا الصراع يحرف أي شعب تحت الاحتلال عن هدفه الرئيس، حيث إن الشعب الفلسطيني انساق في هذه الدوامة بصورة أساسية بعد النكبة الثالثة؛ فتولد لديه مشاكل عميقة كالانقسام السياسي الذي نشهده اليوم، وعدم حل هذه المشاكل يستنزف القضية شيئًا فآخر، في هذه المرحلة يجب أن يكون الصراع على المال والسلطة معدومًا إلى أقصى حد يمكن الوصول إليه، ويفترض أن يكون عمل الكل لأجل هدف رئيس واحد، والبحث عن وفاق وطني شامل في ظل بقاء الصراع على المال والحكم أمر في غاية الصعوبة؛ لأن المصالح الحزبية لا يمكن أن تلتقي حسب المعطيات الحالية، وإن التقت لا بد أن تفترق في يوم ما، عدا عن الاختلافات الأيديولوجية بينهما، والتي يصعب إيجاد حلول لها بسهولة، ووقوف كثير من العقبات أمام ذلك، وقبل كل ذلك الرغبة الحقيقية في المصلحة، والتي لا يمكن أن نرها سوى على شاشات التلفزة لا على أرض الواقع، فبعد التقلص الكبير لاحتمالية الوصول لحل الدولتين التي سعى لها أوسلو بسبب التفشي الاستيطاني الذي لا يتوقف، بات واضحًا أن المرحلة المقبلة لا تبشر بخير أبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد