في أيدينا بقية من بلاد، فاستريحوا كي لا تضيع البقية، قالها إبراهيم طوقان في وصف من تخاذلوا حتى ضاع معظم تراب فلسطين، اليوم لسان حال الفلسطيني مخاطبًا أبناء جلدته من العرب، يقول في قلوبنا بقية من عروبة، فاستريحوا كي لاتموت البقية .

يجرحني ويكسرني، بل يبكيني هذا الكم الهائل من الحقد على الفلسطينين من أبناء جلدتهم من العرب، فالحقد والكره لم يعد متوقفًا على الحكومات والأنظمة، بل امتد ليشمل الشعوب للأسف إلا من رحم ربي، فلا تكاد تتصفح منشورًا على «فيسبوك» أو غيره يتعلق بفلسطين من قريب أو بعيد، إلا وستشاهد الآلاف من التعليقات المليئة بكل أنواع الشتائم والحقد على الفلسطيني، الخائن، الطاعن بالظهر، الناكر للجميل والبائع لوطنه! بائع لوطنه!

نعم هذا حال اللسان العربي اليوم، فبعد أن كانت هذه النظرية متبناه من قلة لايتجاوزون أصابع اليد، أصبحت وجهة النظر المتبناة من قبل أبناء الوطن العربي اليوم، بالتأكيد إلا من رحم ربي، وسأعرج في نهاية المقالة عمن هم، إلا من رحم ربي.

الفلسطينيي يا عزيزي هو : الذي إذا وقعت أحداث دموية في درعا، خرج البعض من السوريين ليقولوا إن فلسطينيي درعا هم السبب، وأن الشعب السوري المسالم والدرويش، لم يتحرك إلا بعد أن تآمر عليه فلسطينيو درعا؛ لأن حوران فيها عائلات فلسطينية كثيرة.

إذا تفجرت الأحداث في مصر، تم الاستقواء على فلسطينيي غزة، فيتم سجن أي فلسطيني، واتهام الفلسطينيين في مصر أن علاقاتهم بالتيار الإسلامي المصري لعبت دورًا في الفتنة؛ لأن الفلسطيني محروم ولديه عقدة، ويريد حرق الدول التي تعيش في جنة نعيم.

إذا دخل العراق إلى الكويت، واعتدى على أمنها واستقرارها، واحتلها، يدفع الفلسطينيون الثمن في الكويت، فيرحل من يرحل، وُيعذب من ُيعذب، لأن هناك عشرة اشخاص أو مائة من فلسطينيي العراق البعثيين، تم جلبهم مع طلائع صدام حسين إلى الكويت.

إذا سقط النظام في العراق، يتهم اتهام فلسطينيي العراق بكونهم من «جماعة صدام» فيتم قتلهم وطردهم من بيوتهم، ويتم اتهامهم بأنهم يمولون الإرهاب، فيفرون إلى جنوب أمريكا، ويعود العراق كما كان، جنة فردوس أو أعلى!

طبعًا اليوم أي تفجير يحصل في العراق فالمتهم دومًا فلسطيني؛ فالفلسطينيون الإرهابيون تركوا فلسطين وجاءوا ليفجروا أنفسهم على أرض الرافدين .

إذا تم اغتيال رفيق الحريري، يتم البحث عن قاتل فلسطيني من أي مخيم لتلبيسه القصة، فهم الأكثر جاهزية كشعب لحمل أوزار الأنظمة والشعوب والأجهزة الأمنية، وإذا خرجت مجموعة مارقة في مخيم فلسطيني، يتم هدم المخيم على من فيه، تحت عنوان أن الفلسطيني يريد تخريب لبنان، جنة الله في الأرض والسماء .

ذات لبنان غارق طوال عمره في الصراعات والفتن والحروب الدينية والمذهبية، فجاء الفلسطيني إليها، وتورط من تورط بخطأ، غير أن تحميل الفلسطيني كل الحرب الاهلية كان الحل الأسهل، وكأن بقية اللبنانيين ملائكة بريئة تغرد ليل نهار.

الفلسطيني في دول عربية أخرى، على ضفاف الخليج، إذا تبرع بقرش لغزة، يصبح متهمًا بأنه من حماس والجهاد الإسلامي، فيصير مطلوبًا ترحيله وترحيل أقاربه وأبناء عمومته.

إذا انفجر الشعب الليبي، يخرج القذافي ليحذر الشعب الليبي من خطر الفلسطينيين في ليبيا، وأنهم يريدون تخريب الدنيا، وجر ليبيا إلى الخراب، وكأنها كانت قبل ذلك جنة عدن .

إذا وقع الرئيس الراحل ياسر عرفات اتفاقية صلح مع إسرائيل، يطرد الفلسطينيون من ليبيا، لماذا؟ لأن أبا عمار وقع على اتفاقية سلام .

أي نظام عربي يريد ارتكاب مجزرة أو جريمة أو اغتيال، يبحث عن فلسطيني لاتهامه، وتلبيسه الجرم، وعلى إسرائيل أن تنام مرتاحة آمنة؛ لأن العرب يتولون المهمة نيابة عنها، في «الدوس» على شعب ُمشرد، وبث الذعر والخوف في وجدانه، حتى إذا لم يسقط المطر في «جزر القمر» فابحثوا عن الفلسطيني، الذي قطع المطر أيضًا!

الفلسطيني لم يكن فقط محط اتهام الدول والأنظمة العربية فقط، مثلًا ستجد أن غالبية الأرمن ينظرون للفلسطيني أنه ناكر للجميل وخائن ويصطف مع العثمانيين والأتراك ضدهم .

والمعارضون الإيرانيون الذين خرجوا في مظاهرات منذ عدة سنوات ضد النظام الإيراني اتهموا الحكومة باستقدام فلسطينيين لقمعهم وقتلهم .

الأكراد كذلك لا ينفكون عن اتهام الفلسطينيين بأنهم أداة للارهاب، وأنه ليس لهم حق في أرض فلسطين التاريخية، وأصحاب الأرض والحق هم الصهاينة واليهود طبعًا، فضلا عن عبارات التبجيل والتمجيد لإسرائيل والدعوات لهم بالانتصار على الإرهابيين الفلسطينيين .

بالإضافة لكل ذلك لن تجد دولة عربية واحدة تسمح للفلسطينين بدخول أراضيها بدون تأشيرة دخول، لماذا؟ أليس الفلسطيني عربي؟ أليس مظلومًا؟ أليس مخرجًا من دياره؟ أليس يقتل ويشرد وتغتصب أرضه منذ 70 سنة إلى اليوم؟ أتلك هي نصرة المظلوم، أكذلك يكون دعم صمودهم؟

المواقف المخيبة لآمال الفلسطينين من أبناء جلدتهم العرب كثيرة وآخرها كان بسحب مصر مشروع قرارها في مجلس الأمن المتعلق بالاستيطان «كرمال عيون إسرائيل ونتنياهو» فيما جاء الرد من دول شقيقة آخرى كالسنغال وفنزويلا ونيوزيلاندا وماليزيا التي أصبح الفلسطيني يرى فيها اليوم المدافع الوحيد عنه والناصر المتبقي له ولقضيته .

لكن وبالرغم من كل ذلك تجد الفلسطيني من المدافعين الأوائل عن العرب والعروبة، بالرغم من آلامه، بالرغم من الخذلان الذي يتعرض له من محيطه وإخوانه العرب، يبقى أصيلًا كالفرس العربية، شامخًا كجبل الطور، عتيقا كالزيتون يأبى الانسلاخ عن عروبته .

الشعب الفلسطيني دمه ليس أزرق، وهو ليس فوق الشعوب العربية، وهو واحد من العرب، يخطئ ويصيب، غير أن تحميله كل هذه الأحمال، في كل قصة باتت موضة سياسية وأمنية، حتى لم يبق إلا البحث عن «فلسطيني» باتهامه بكوابيس الزعماء قدَّسهم الله.

الفلسطيني إذا جاهر بفلسطينيته، جلب إلى نفسه الاتهامات والشكوك، وإذا أخفى فلسطينيته قيل: إنه باع فلسطين، وحق العودة، مقابل حاله الجديد، وهكذا يتم خبزه كرغيف «الشراك»، على الوجهين، فوق صاج ملتهب.

بقي لي أن أتحدث عن البقية: إلا من رحم ربي، وهم أهلنا في المغرب العربي، وتحديدًا الجزائر؛ فهم لايزالون إلى اليوم يعشقون فلسطين وشعبها كما يعشقون أرضهم وجزائرهم، يكنون الحب الكامل والعشق المطلق لفلسطين وقضية فلسطين، ومهما وصفتهم، وأثنيت عليهم فلن أنصفهم، يستحضرني مشهد من مباراة فلسطين والجزائر منذ عامين عندما كان الجمهور الجزائري يشجع منتخب فلسطين ضد منتخب بلادهم، يهتفون لهم ويفرحون لإحرازهم الأهداف، بل يذرفون الدموع، نعم الشعب الجزائري العظيم لايزال على العهد مخلصًا وداعمًا لفلسطين ولصمود أبناء فلسطين .

الفلسطيني اليوم أصبح يشعر بالحسرة والألم، أصبح يعيش نكبة ونكسة جديدتين، فهو لا يريد أن ينسلخ عن عروبته من جهة ومن جهة آخرى لم يعد يحتمل الكره والحقد الذي يلقاه من أبناء جلدته ولسان حاله يقول: في قلوبنا بقية من عروبة فاستريحوا كي لاتموت البقية .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد