رحلة اللجوء :

إبان نكبة العام 1948 لجأ آلاف الفلسطينيين من مناطق الشمال الفلسطيني إلى سوريا من قضاء طبريا وصيدا وعكا ويافا والرملة واللد وبيسان .

انقسم اللجوء الفلسطيني على الأراضي السورية على مدار السنوات اللاحقة كالتالي :

في العام 1956 لجأ لسوريا أكراد البقارة والغنامة .

في العام 1967 توجه لسوريا لاجئون من الضفة الغربية وقطاع غزة .

بين العامين 1970 و1971 لجأ الآلاف من فلسطينيي الأردن إلى سوريا، إبان الخلاف الذي نشب بين السلطات الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية .

وفي عام 2006 توجه الآلاف من فلسطينيي العراق لسوريا جراء العدوان الأمريكي على العراق .

بعد كل تحركات اللجوء تلك وبفعل النمو الطبيعي والزيادة السكانية، أصبح في سوريا حوالي 600 ألف لاجئ فلسطيني يتوزعون على مختلف المناطق السورية، ما بين العاصمة دمشق وحمص ودرعا واللاذقية وحماة وحلب وسكنوا مخيمات اللجوء أو التجمعات السكانية، ويعتبر مخيم اليرموك والنيرب وخان الشيخ من أكبر المخيمات – التي يبلغ عددها 14 مخيمًا – التي احتضنت اللاجئين طوال تلك السنوات الماضية .

الوضع القانوني :

استقبلت سوريا اللاجئين الفلسطينيين ومنحتهم العديد من الامتيازات؛ إذ أصبح بإمكان اللاجئ الفلسطيني التمتع بكافة الحقوق المدنية والاجتماعية بسوريا عدا حق الترشح والانتخاب، يحق لهم الانتساب للنقابات المهنية وأيضا التجنيد الإلزامي وخدمة العلم .

كان من حقوق اللاجئ أيضا التقاضي، وتوكيل المحامين وتملك العقارات، والتنقل بحرية داخل الجمهورية السورية .

اللاجئون القادمون من الأردن وضعهم القانوني صعب ومعقد؛ إذ أنهم يحملون الجنسية الأردنية ووضعهم القانوني صعب للغاية؛ فأثناء عمليات تهجيرهم فقدوا جميع هوياتهم وأوراق ثبوتياتهم؛ لذلك فتنقلهم على الحواجز يكون أمرا مستحيلا لتوقفه على أوراق الثبوتية .

مخيم اليرموك :

أقام اللاجئون الفلسطينيون في سوريا بعد وصولهم إلى الأراضي السورية في مواقع وتجمعات ومخيمات، تركزت في منطقة دمشق وباقي المدن السورية.

وأمضى بعضهم سنوات داخل ثكنات الجيش الفرنسي الذي كان لتوه غادر سوريا بعد استقلالها (مخيمي النيرب وحمص)، فيما استقر آخرون داخل المنشآت الحكومية والجوامع الكثيرة المنتشرة في دمشق، وأقام آخرون في حي الإليانس (حي الأمين) وسط العاصمة دمشق، الذي كان يضم عدة آلاف من اليهود السوريين الذين كانوا غادروا سوريا نحو فلسطين.

وبين الأعوام 1953 و1955 استطاعت الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، توزيع الأراضي على اللاجئين للسكن المؤقت (24 مترًا مربعًا للعائلة الواحدة مع دعم متواضع من الأسمنت والمواد الأولية). وهكذا تم بناء التجمع الفلسطيني الأكبر في سوريا في منطقة بساتين الميدان والشاغور جنوب دمشق، وأطلق عليه اسم «مخيم اليرموك» مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني تيمنًا بمعركة اليرموك.

بالرغم من ضخامة المخيم إلا أنه لا يتبع منظمة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا”، ولا تعترف به رغم انتشار الخدمات الصحية والتربوية فيه؛ وذلك لأنه يدار عبر إدارة محلية تابعة لوزارة الإدارة المحلية السورية في بلدية اليرموك .

إبان الثورة السورية في 2011 واتخاذها للمسار المسلح بين نظام الأسد وثوار سوريا، أطبق النظام حصارا قاتلا على المخيم الذي يضم حوالي 130 ألف لاجئ في مساحة لا تتجاوز الكيلو متر مربع .

بدأت أزمة المخيم يوم 5-6-2011 حين أطلق جيش الاحتلال الصهيوني النار على عدد من سكان المخيم؛ فسقطوا شهداء وخرج أهالي المخيم لتشييعهم فأطلق جنود النظام السوري النار على الجنازة فأسقطوا 30 شهيدًا من أهل المخيم، من هنا كانت مشاركة المخيم في الثورة السورية منذ اندلاعتها الأولى، وقد خرجت أول مظاهرة بتاريخ 6-6-2011 .

ضربة الميج :

بدأت أولى ملامح حصار المخيم بتاريخ 26-12-2012 أي بعد ما سمي آنذاك “ضربة الميغ”؛ حيث قامت قوات النظام السوري ولأول مرة بقصف عدة مواقع مدنية في مخيم اليرموك بطائرات الميغ الحربية، مما أسفر عن سقوط العشرات ما بين شهداء ومصابين، حيث أن القصف استهدف عدة مراكز لإيواء النازحين، ذلك الأمر الذي أدى لنزوح ما يقرب من 400 ألف لاجئ أغلبهم من النازحين في الأماكن الأخرى بالإضافة لأهل المخيم نفسه .

من حينها أحكم النظام قبضته على المخيم عن طريق الحواجز والمتاريس ومنع دخول العلاجات أو المواد الإغاثية الطبية .

ما بين بداية حصار مخيم اليرموك والإجراءات الفعلية التي بدأت من أجل معاقبة جميع سكان المنطقة من قبل قوات النظام، فبعد تاريخ 26-12-2012 بدأ جيش النظام بإحكام الخناق على جميع مداخل مخيم اليرموك خاصة بعد أن نزح منه مئات الآلاف من المواطنين، فبالإضافة إلى الفلسطينيين كان هنالك عشرات آلاف السكان من السوريين والعراقيين أيضًا، نزحوا من المخيم خاصةً بعد انتشار إشاعات عن عمليات اقتحام وشيكة من قبل قوات النظام وشبيحة “اللجان الشعبية” التابعة للجبهة الشعبية .

حين فرضت قوات النظام الحصار لم يكن سكان المخيم يواجهون مشكلة؛ إذ أن تخزينهم للمؤن جعل الحصار بلا تأثير، لكن حين بدأت بالنفاد عانوا الأمرين من أجل توفير الطحين والخبز والمزروعات التي اختفت تقريبا من المخيم بعد زيادة الطلب عليها وقلة المعروض منها، فعلى سبيل المثال تمّ منع إدخال مادة الخبز بشكل نهائي في بداية شهر شباط – فبراير 2013 وكان يُسمح فقط بإدخال القليل من المواد الأساسية جدًا من مثل القليل من مادة الأرز أو السكر أو البقوليات، ونتيجة لذلك فقد ارتفعت الأسعار ضمن المخيم إلى أضعاف مضاعفة؛ وصلت الأسعار لـ80 دولارًا لكيلو العدس و100 دولار لكيلو الأرز .

بدأت على إثرها أعداد كبيرة من لاجئي المخيم بالنزوح في شهر كانون الأول – ديسمبر 2012 وتلا ذلك النزوح الثاني في شهر حزيران يونيو 2013 .

يروي أحد سكان المخيم المأساة قائلا: “مرّ الحصار على المخيم بعدة مراحل، فبعد أن كان هنالك بعض “التدقيق” من قبل الحاجز التابع للجيش السوري النظامي، والذي وضعه النظام في نهاية شهر كانون الثاني 2012 ، أصبح الحصار أكثر صعوبة.

فبعد حوالي شهرين من وضع أول حاجز عسكري، وبعد أن خضع الحاجز بشكل شبه كلي للشبيحة بدأ الحصار يشتدّ أكثر على المخيم، فقد تمّ منع إدخال المواد الغذئية إلاّ بكميات قليلة جدًا، فمثلًا لم يكن يُسمح بإدخال أكثر من ربطة خبز واحدة للعائلة الواحدة وأكثر من نصف كيلو من الخضروات مثل البندورة أو الخيار والبصل، ومنذ شهرين بالضبط أي في بداية تموز 2013 وتحديدًا في 5 رمضان تمّ إغلاق المنطقة الجنوبية بشكلٍ كاملٍ، وتمّ إغلاق جميع المداخل والمخارج عن المناطق الجنوبية جميعها وهي:

ببيلا ويلدا وحجيرة والقدم وعسالي والتضامن والحجر الأسود والبويضة ومخيم الحسينية، بالإضافة إلى مخيم اليرموك نفسه”.

في العام 2013 عقدت هدنة بين جيش النظام السوري وعناصر الجيش الحر المتواجدة بالمخيم؛ بحيث يتوقف الجيش السوري عن قصف المخيم مقابل انسحاب الجيش الحر منه، ويعود لاجئوه إليه آمنين؛ إلا أن تلك الهدنة لم تدم ساعة واحدة أقدم الجيش فيها على قصف المخيم مرة أخرى.

ذلك الأمر الذي دفع مئات الآلاف من سكان المخيم للنزوح خارج بؤرة الصراع الذي يصر نظام الأسد على دفع الفلسطينيين له حتى لم يتبقَ في المخيم حتى الآن سوى 18 ألف فلسطيني مقيمين داخله .

التغريبة الثانية :

أولئك النازحون الذين توجهوا إلى دول الجوار، كالأردن ولبنان ومصر ليفاجَؤوا بمنعهم أيضا من دخول تلك الدول وتضييق الخناق عليهم أكثر من السوريين اللاجئين أنفسهم فأصبح اللجوء مركبا، فحسب تقرير منظمة العفو الدولية منعت لبنان اللاجئين الفلسطينيين من الدخول للأراضي اللبنانية شريطة تقديم وثيقة تثبت مرورهم فقط منها وعدم إقامتهم فيها.

الأمر الذي صعب على الكثير منهم، وكان أداة تعجيز بيد السلطات اللبنانية حتى وصل الأمر – عبر الوثائق المسربة – لأن تأمر شركات الطيران التي تستخدم مطار بيروت الرئيسي بعدم نقل أيّ مسافر من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا إلى لبنان بغض النظر عن الوثائق التي يحملها، علاوة على شروط جديدة افترضتها لبنان؛ كـتقييد دخول الأشخاص القادمين من الأراضي المجاورة للحدود اللبنانية التي يدور فيها القتال، ولا يُسمح لبعض اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بتجديد وثائق الإقامة أو التأشيرات المؤقتة، ما يتركهم في فراغ قانوني يُعرّضهم للاعتقال أو الترحيل.

إحدى الأسر الفلسطينية النازحة من المخيم المحاصر في آذار – مارس 2014 لجأت للحدود اللبنانية والتي تتكون من أب وأم وخمسة أطفال، لم يسمح للأب وولدين بالدخول بينما انتقلت الأم بأطفالها الصغار وحيدة للداخل اللبناني، ولم يسمح لبقية أسرتها بالدخول إلا بعد عدة أشهر .

الوضع في الأردن لا يختلف كثيرًا عنه في لبنان؛ فمنذ يناير/كانون الثاني 2013، منعت الحكومة الأردنية هؤلاء اللاجئين من دخول أراضيها، أما الفلسطينيون الذين تمكنوا من الدخول إلى البلاد قبل اندلاع النِّزاع فتعرضوا للاحتجاز التعسفي والإعادة القسرية .

النزوح للقاهرة أصبح أصعب وأصعب، وخصوصا في ظل انقلاب يوليو وبعد الممارسات الهمجية بحق اللاجئين من سوريا لمصر والدور الذي لعبه الإعلام في شيطنة القضية الفلسطينية، حرم اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا من توفير الرعاية الصحية لهم بعكس ما تلقاه اللاجئون السوريون .
كذلك الحال بالنسبة لفرص أبنائهم في الحصول على مقاعد في المدارس المصرية، هذا علاوة على تأشيرات دخولهم المختومة بعبارة “غير صالح للتجديد”.

بعض الروايات تؤكد أن الذين لا يحملون تصريحًا بالدخول يتم احتجازهم في قسم الترانزيت بمطار القاهرة، فيما يتم ترحيل البعض منهم إلى سجن القناطر حيث من المحتمل أن يتم احتجازهم هناك برفقة المجرمين المدانين؛ وقد قال أحد أقارب اثنين من المحتجزين هناك أنه اضطُر لرشوة بعض الأشخاص داخل السجن في سبيل ضمان عدم تعرض قريبيه للضرب في السجن.

المرور السريع في ذلك التقرير على أوضاع الفلسطينيين اللاجئين ببلاد العُرب، لم ولن يكفي ليقص جُل المأساة التي يعانيها هؤلاء الذين نزحوا بفعل المحتل الصهيوني من بلداتهم الفلسطينية ليقعوا فرائس نزوح آخر لم يورطهم فيه المحتل؛ بل أولئك الذين تغنوا بأناشيد العروبة ووحدة الدم العربي الذي أثبتت الأزمة الحالية تحوله لماء .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد