دفعت الأحداث الدائرة في سوريا بالآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى الفرار والنزوح وسط تزايد في معاناتهم اليومية نتيجة تلك الأحداث التي أدت إلى تغيير حياتهم على كافة المستويات، يتجرعون مرارة النزوح واللجوء مرة تلو الأخرى. يعيدون نبش تاريخ ذاكرة لم يُنسَ بعد، يعانون ماعاناه آباؤهم وأجدادهم وأهلوهم.

لقد سلكوا عدة سبل بحثًا عن الأمن والسلامة، منهم من حالفه الحظ في الرحيل والتشرد، وآخرون كانت البحار مقابرَ لهم، في ظل غياب ملموس للمرجعية الوطنية الفلسطينية وتخلٍ واضح من القوى والفصائل الفلسطينية في إدارة شؤون أبناء شعبهم، وذلك بسبب التباينات والاختلاف في المواقف من الأزمة، والفشل الذريع في إبعاد المخيمات الفلسطينية من دائرة الصراع الدائر في سوريا، ليضاف هذا إلى سلسلة التجارب المخيبة للآمال على الصعيد السياسي وغيره، وعدم الاكتراث لما آلت إليه أوضاع الشعب الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها، والتعامل مع ملفهم بصورة مريبة لا تقل غرابة عن طريقة تعاطي المسؤولين عن شعبهم وقضاياه، ضاربين بعرض الحائط سبل حمايته ورعاية مصالحه وعدم الالتفات لأوضاعه المأساوية، بل وتجد البعض منهم من هو سبب في تفاقم أزمة أبناء شعبه ووضعه أمام خيار أن يموت أو يبحث عن حياة تشعره بإنسانيته وكرامته.

وما الحوادث والأخبار اليومية الواردة عن أحوال اللاجئين من فلسطينيي سوريا التي يفوق وقعها آلاف الكلمات إلا شاهدة على حالة العجز والهشاشة والاضطراب الذي يعاني منه الوضع الفلسطيني العام .

وفي عودة سريعة إلى الماضي وتحديدًا المرحلة التي أعقبت (أوسلو) هذا الاتفاق الذي أخرج اللاجئين الفلسطينيين في سوريا كغيرهم من فلسطينيي الشتات من حسابات المفاوضات الفاشلة وتركهم لمصيرهم المجهول، يكتنف الغموض مستقبلهم الوطني، مستهدفًا هويتهم الوطنية المتمثلة بحق العودة إلى ديارهم في فلسطين وحق تقرير المصير، إضافة إلى إبعادهم كمكون اجتماعي ذي أهمية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وتركهم تائهين في أصقاع الأرض يبحثون عن ذواتهم لتأكيد انتمائهم ويسعون في البحث عن ملاذ آمن وسط تصدع في بنيانهم الاجتماعي نتيجة الظروف المفاجئة والمتسارعة التي عصفت بأوضاعهم وكانت سببًا في ظهور العديد من الأزمات، بدءًا من اختلاف وتشتت العائلة الواحدة مرورًا بالوضع الاقتصادي الصعب الذي تردى كثيرًا وزاد من معاناتهم، وحدة البطالة التي طال شبحها الكثير من العوائل، وكذلك الغلاء الفاحش الذي دفع بالكثير من الأُسر إلى النزوح داخل البلاد وهجرة البعض الآخر إلى دول الجوار وإلى دول أوروبا، وسط حالة من الإرباك من جراء الإجراءات القانونية على معابر وحدود الدول العربية ومعاملتهم بطريقة غريبة متناسين أنهم فروا من أحداث مأساوية أجبرتهم على الخروج من بيوتهم ومخيماتهم.

وعلى المقلب الآخر التشديد في إجراءات اللجوء والتغيرات التي قامت بها بعض الدول الأوروبية وإيقاف منح الإقامات الدائمة للاجئين من سوريا، والتباطؤ في إجراءات معاملات لم الشمل للأسرالمتوزعة في دول أوروبا، ناهيك عن المشكلات الكبيرة في تعلم اللغة وإيجاد السكن المناسب ومن ثم الاندماج، واتباع عادات وتقاليد جديدة وإلى غير ذلك.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى المعلومات الموثقة لدى سجلات وكالة الأونروا أن تعداد الفلسطينيين في سوريا وصل إلى نحو 560،000 مواطن في شهر يونيو (حزيران) من العام 2016، وأن أكثر من 235،000 باتوا خارج سوريا، عبر عمليات نزوح وهجرة هي الأولى من نوعها في تاريخ وجود الشعب الفلسطيني في سوريا، والتي تقدر أعدادهم وفق أماكن هجرتهم كما يلي :

لبنان نحو 42،000 لاجئ فلسطيني سوري.

الأردن نحو 15،500 لاجئ فلسطيني سوري.

مصر نحو 6،000 لاجئ فلسطيني سوري.

تركيا نحو 8،000 لاجئ فلسطيني سوري.

قطاع غزة نحو 1000 لاجئ فلسطيني سوري.

ووصول نحو 120،000 إلى دول أوروبا وتحديدًا ألمانيا، السويد، هولندا، النمسا، الدانمرك، إضافة إلى دول أخرى مثل بلغاريا، رومانيا، هنغاريا، روسيا.

وبضعة آلاف وصلوا إلى ماليزيا، أستراليا، نيوزيلندا، كندا، البرازيل، الولايات المتحدة.

إن المتأمل في هذه الأرقام، وهذا الواقع المرير الذي يعيشه اللاجئ الفلسطيني؛ يتبين له بصورة جلية أن هناك أزمة حقيقية بالغة الخطورة يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني كل يوم، وستحصد الأجيال القادمة نتائجها.

ولك أن تتخيل كيف سيكون الشكل الجديد لحياة الأسرة الفلسطينية بعد هذه التغيرات؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا

المصادر

سجلات الهيئة العامة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين
وكالة الأونروا.
مجموعة للعمل من أجل فلسطينيي سوريا.
عرض التعليقات
تحميل المزيد