«لقد أصاب الحكم العسكري الفلسطينيين في إسرائيل بندوب دائمة».. إيلان بابيه

بعد حلول نكبة الفلسطينيين عام 1948، وإجراء تطهير عرقي للعرب على أيدي الميلشيات الصهيونيّة اليهوديّة وإتمام مشروع الدولة الصهيونية، بقي ما يزيد على المائة ألف فلسطيني قابعين تحت الهيمنة الصهيونية. في فترةٍ لا تزيد عن الثمانية عشر عامًا من عام 1948-1966، تشكلت الهيمنة الصهيونيّة عبر حكمٍ عسكريّ وحشي، يقضّ أمن من بقي من الفلسطينيين في أرضهم. في سنة 1959 صرح مستشار رئيس الحكومة الإسرائيلية للشؤون العربية أنه في سنة 1949 كان المواطنون العرب «مرتبكين ومعزولين، ومنقسمين ومذعورين»، وتشكل هذه الفترة الفاصلة «اللاشعور السياسي» عند الفلسطينيين. مفاهيم الخصوصيّة ومسألة المواطنة، أي الخطاب السياسي للفلسطينيين في الداخل تبلور في حالة الارتباك والعُزلة والانقسام والذُعر.

سنحاول بحث جذور هذا الخطاب، سنعود إلى الفصل الأول في تاريخ نشأة هذا الخطاب. الحُكم العسكري، ريجيس دوبريه في مُحاولتهِ فهم وتحليل العقل السياسي يعود إلى الوراء في الماضي من أجل تحديد محلّ تكوّن «اللاشعور السياسي» أي المحلّ الذي تكوّن خطابنا السياسي «الشعور السياسي» الواعي. سأحاول في هذهِ المقالة تقصّي المُجريات والحوادث التي أصابت «اللاشعور السياسي» عند الفلسطنيين في الداخل، من خلال نظريّة إريك فروم في التحليل النفسي الاجتماعي، «البُنية الغرائزية» وتشعباتها في المُجتمع الفلسطيني القابع تحت الحُكم العسكري 1948-1966 وتطوّر المفاهيم السياسيّة في إطار المُجتمع الفلسطيني الذي بقي في دولة الصهيونية.

الصدمة والتكوين

الطبيب النفسي فرانز فانون يجد أن طريقة علاجه للجزائريين غير مُجدية، ويُعلق ذلك في الحرب الاستعماريّة واستمرار الرعب. وكان يحث دائمًا الجزائريين المضطهدين على تطهير أنفسهم من الصدمات المُهينة في مسيرتهم النضاليّة. في سياق النضال الفلسطيني، النكبة كانت هي الصدمة التي بحثَ وما زال الفلسطيني يبحث لها عن علاج.

النكبة، التطهير العرقي فكّكت المُجتمع الفلسطيني. لم يعد الواقع السياسي – الجغرافي كما هو، بل انقلب رأسًا على عقب مما جعل الفلسطيني مُرتبكًا مذعورًا. العُنف الاستعماري الذي أبداهُ اليهودي في وجودهُ في الأرض وسلبها من الفلسطيني، ثمّ انتقل العُنف إلى مرحلة الدفاع والهجوم عن العُنف الاستعماري الأول، الوجود وسيطرته على الأراضي. العُنف المُسلح الممنهج الصهيوني مُقابل الفلسطيني المقهور من كلّ المؤسسات الحكوميّة انتدابيّة، سواء بريطاني مُستعمر أو فلسطيني إقطاعي يؤدي وظيفة القمع والقهر كما أرادها المُستعمر من خلال قمع الحركة التنظيم والعمل الثوري. النكبة، التطهير العرقي كانت النتيجة، جعلت الفلسطيني ضائعًا، مشوش الذهن، فاقد الإحساس بالمكان وأيضًا الجرح النفسي من شدة الصدمة.

النكبة أبقت فقط ما يُقارب 100 ألف فلسطيني في إطار الدولة الصهيونية. الجُرح النفسي الذي أصاب هذه الفئة الفلسطينية في أنقاض النكبة استمر وكبرت آثاره بعد الإخضاع للهيمنة المُباشرة الصهيونية الإسرائيلية. هذا المُجتمع الفلسطيني المُقسم والمكلوم جسديًّا يحتاج لبناء «الأنا» الفلسطينية من جديد، يحتاج الفلسطيني في كلّ أماكن تواجده أن يبلور «الأنا» من جديد. في هذهِ المقالة سيكون التركيز على من فُرضت عليهِ الهيمنة الصهيونية الإسرائيلية، وفهم لماذا وكيف تبلور المُجتمع الفلسطيني في الداخل، بشكل مُغاير عن الفلسطينيين. إريك فروم يرى تداخل وتفاعل علم النفس التحليلي والمادّية الجذرية (الصراع الطبقي) في فهم تكوين المُجتمع:

النزوات والحاجات هي التي تحرك السلوك الإنساني، وهي تصدر عن أرضية فيسيولوجية ولكن لا تُلاحظ مُباشرة، والأخلاقيات الاجتماعية تموه النزوة ورغباتها عن طريق العقلنة والأيديولوجيا، والحاجات لا تقتصر فقط على الغذاء والمحافظة على الوجود والاستمرار (الجوع.. والعطش) وإنما تطال النزوة الجنسية التي تبرز من خلل التوترات الجسدية في المناطق الغلمية للجسد (تلك المناطق التي تحرك اللذة).

هذا الاقتباس يُعطينا أداة (طورها إريك فروم) تحليل سيكو-اجتماعي للمُجتمع الفلسطيني الخاضع للهيمنة الصهيونيّة. في هذا السياق المُجتمع الفلسطيني وجد نفسه في إطار سياسي مُختلف فيه قانون ديمقراطي انتخابي (شكليًّا) ومحكمة عُليا تحمي الأقليات (على الأقل نظريًّا)، مما يجعل إمكانيّة الخروج من أزمة الانهيار والتفكيك والذُعر والخوف مُمكنة. في هذا السياق تمت صياغة نضال فلسطيني مُغاير في الداخل عن باقي الفلسطينيين. مؤسسة الجيش لدواع أمنيّة هي فرضت وأصرت على الحُكم عسكري ولكن أيضًا في داخل الدولة الصهيونية، كانت مُعارضة قوية للحكم العسكري، شخصيّات سياسيّة: إسحاق غرينبويم (وزير الداخليّة)، موشيه شاريت (وزير الخارجيّة) وأيضًا إسحاق بن تسفي (رئيس دولة إسرائيل). التناقض بين المؤسستين يموه حاجات ونزوات الفلسطيني ويخلق لهُ أيديولوجيا سياسيّة تتماهى مع السياسة الإسرائيلية بشكل جزئي، أي أولويّة إنهاء الحُكم العسكري، وتجد ملاذها ومُرادها فيها.

«الأسرلة» الإدارية

قبل حديثنا عن الحُكم العسكري وتغلغنا في التفاصيل النفسية، ما بين الصدمة وإمكانيّة «النجاة». يجب فهم عمليّة «الأسرلة» الإدارية، هذه العمليّة بدأت منذُ الانتخابات الأولى للدولة وأخذت شرعيّتها من الحُكم العسكري. هذا التناقض الذي يبرز بين شخصيّات صهيونيّة لها دور مهمّ في الكنيست ترفض الحكم العسكري، ومؤسسة أمنيّة ترى الفلسطيني عدائي بفطرته للدولة، يجب أن يكون تحت المُراقبة العسكريّة. مكّن عمليّة «الأسرلة» الإدارية، أي مُشاركة الفلسطيني بالتصويت (كانت نسبة المشاركة مُرتفعة 80% وفق تصريح أيمن عودة رئيس القائمة المُشتركة الحالي). النضال من أجل حقوق المواطنة كما يقول المؤرخ إيلان بابيه، حملة وحّدت المُجتمع الفلسطيني في الداخل بعيدًا عن الانقسامات الدينية والاجتماعية فيه، لذلك فهمُنا لهذا النضال الذي تمت عقلنتهُ سياسيّا وفق حاجات ورغبات ونزوات الفلسطيني الأساسيّة بعد النكبة وهي الأمن والاستقرار.

«الأسرلة» الإدارية هي مُرتبطة جدليًّا مع الحُكم العسكري، ووفقًا لهذهِ العلاقة يتوّلد خطاب المواطنة والخطاب السياسي في الداخل بشكلٍ عامّ. فرض الحُكم العسكري على المُجتمع الفلسطيني في الداخل، في سياق واقع سياسي قانوني ديمقراطي يموه الفلسطيني فُسحة أمل من أجل نضال على أساس إمكانيّة توفير حق الأمن والحياة (ولاحقًا ملكيّة الأراضي، يوم الأرض يحتاج مقالًا آخر). انخراط الفلسطينيين في الدولة الصهيونيّة التي قامت على أنقاض نكبتهم كان في سياق الحُكم العسكريّة وإمكانيّة استمرار العُنف التطهيري.

«أسرلة» النشاط النقابي

التقسيم الطبقي في الحالاتِ الاستعمارية لديه ملامح وطنيّة، الطبقة المُسيطرة تُعبر عن المُستعمر اليهودي الأشكنازية (في هذه المرحلة). والطبقات المسحوقة هي بالضرورة فلسطينية عربية. الحالة النقابيّة الفلسطينيّة كانت مزدهرة في فترات الانتداب البريطاني وقادت نضال الطبقات العماليّة والفلاحين ضد الاستعمار والإقطاعيّة. ولكن في حالة الدولة الصهيونيّة تم تفكيك هذه النقابات. مما جعل إمكانيّة تقسيم الأعمال حسب الهويّة دون مُعارضة قويّة مُنظمة، الأعمال البسيطة والأجور المتدنيّة تُحدد للفلسطينيين وأيضًا اليهود الشرقيين، ووفقًا لذلك يضمن الأشكنازي سيطرته على العمل والملكيّة.

في البداية لم تسمح الدولة للفلسطينيين بإقامة نقابة خاصّة أو حتى الانضمام إلى النقابة الإسرائيليّة. وفي ظل الحُكم العسكري يصعب المرور والانتقال بدون تأشيرة نقابة عُماليّة للتأكيد على كونك عاملًا. هذه العلاقات المادّية القانونيّة التي تمنع الفلسطيني من مُمارسة حقه في العمل والحركة. بسبب الحواجز التي تُعيق وتمنع إلا في حالات صعبة جدًا، الانتقال والمرور بين المدن والقرى الفلسطينيّة. بذلك يواجه العامل الفلسطيني صعوبات يوميّة فقط من أجل الوصول إلى مكان عمله ناهيك عن الأجر والحقوق … إلخ.

هُنا نستطيع أن نفهم كيف تمّ إخضاع الفلسطيني في جوانب عديدة. وبالضرورة صاغت تلك العلاقات نضالًا آخر، نضال من أجل الانضمام إلى النقابة العُماليّة الإسرائيليّة كحدّ أدنى، وبالتالي أيديولوجيا وطنيّة مُغايرة. هي تنطلق من القهر والعُنف سواء النفسي أو الجسدي، وهو العُنف الاستعماري كما صاغهُ فانون الذي يحتاج منّا إلى مُعالجة.

الصدمة والمجزرة

استيعاب وفهم الخطاب السياسي للفلسطينيين في الداخل، مُتعلق في أحداث وآثار الحُكم العسكري. العلاقات المادّية القانونيّة التي سيطرت على الفلسطينيين في الداخل، هذه القوانين المُستمدة من قانون الطوارئ (1945 الانتداب البريطاني)، ووصفها آنذاك وزير العدل لاحقًا يعقوب شبيرا عندما كانت موجهة لليهود ذات القوانين:

في البلدان المتنورة لا يوجد نظام مماثل للنظام الذي بني على أساس أحكام الطوارئ. حتى في ألمانيا النازية لم توجد قوانين كهذه. أما واقعة مايدانيك وما يشابهها فقد حدثت بسبب خرق القانون المكتوب. شكل واحد فقط من أشكال النظام تنطبق عليه هذهِ الأوضاع ألا وهو وضع بلد مُحتل.

هُنا تظهر مدى وحشيّة هذهِ العلاقات المادّية القانونيّة التي تحكم فلسطينيين توّهم خرجوا من نكبةٍ، وتطهير وانهيار مُجتمعي مؤسساتي. هذه العلاقات تمّ تثبيتها مُمارسةً من قبل جنود الاحتلال. طردُ السكان متى وجد الحاكم العكسري ضرورة، استدعاء المواطنين إلى الشرطة وملاحقتهم، وتقييدات على حركةِ التنقل وحظر التنظيمات السياسية، والتقييدات على فرص العمل. وعدة حوادث صاعقة وصادمة نتجت عن هذهِ العلاقات. يوليو (تموز) 1953 فرض أحد ملوك الُحكم العسكري منع التجوال في قرية الطيرة، ثمّ بدأت الاعتقالات العشوائيّة والمُكثفة لكل أهالي القرية دون سبب رسمي، وناهيك عن ضرب الأطفال النساء وكبار السنّ، أخرج الرجال إلى الشوارع، هذا النهج من العمليّات كان مُعتمدًا باعتباره أحد أساليب التطهير العرقي وفق قول المؤرخ إيلان بابيه.

أيضًا مجزرة كفر قاسم، آمر الحاجز العسكري عند بوابة كفر قاسم، قبل الساعة الخامسة مساءً عاد رجلان عاملان كادحان إلى قريتهم، إلاّ أن الآمر العسكري كان لهُ رأي آخر، حياهما الضابط وهو يسألهم باستهزاء «مبسوطين؟» وأجابا «نعم». وإذ بالضابط يأمر بإطلاق النار عليهما وثمة آخرين عادوا بعد مدة قليلة وتمّ إطلاق النار عليهم في نفسِ الهمجيّة والوحشيّة. اللافت بعد ذلك في التحقيق أن الضابط الذي أمر بإطلاق النار كان وفق رؤيته يُباشر خطة لطرد الفلسطينيين وُضعت في حال نشوب حرب، وفي العام 1956 كان العدوان الثلاثي، بمعنى خيار العُنف التطهيري لم ينته بعد من خُطط الصهيوني ولم ينته من مُخيّلة الفلسطيني في الداخل.

«اللاشعور السياسي»

البُنية السياسيّة في الداخل التي تُعبر عن نفسها في أيديولوجيا عقلانيّة تحاول أن تُمارس حقوقها كاملةً في الدولة الصهيونيّة «إسرائيل» دون المساس في هُويّة الداخل الوطنيّة الفلسطينيّة وُمحاولة إظهار التناقضات والتعقيدات في البُنية السياسيّة في مظهرٍ عقلاني يُعبر عن براجماتيّة سياسيّة، تُحقق المصالح العُليا للفلسطينيين في الداخل. هذا الخطاب تفكيكهُ يتطلب العودة إلى العلاقات الأولى، العلاقات المادّية القانونيّة، إلى العُنف والقهر الأوّل، هُناك فقط نجد معنى وتفكيك الخطاب السياسي.

فكما أن الشعور لا يشكل جوهر الحياة النفسية للفرد فإن المؤسسات والتصورات السياسية لا تؤسس جوهر الحياة السياسية للمجموعات البشرية. ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم السياسي، بل إن وجودهم الاجتماعي، الذي يحدد وعيهم ذاك، خاضع هو نفسه لمنظومة منطقية من العلاقات المادية القاهرة.

في هذا الاقتباس يوضح ريجيس دوبريه مركزيّة العلاقات العلاقات المادّية القانونيّة التي شكلت المُجتمع الفلسطيني في الداخل. هذا اللاشعور طبيعته ليست سيكولوجيّة أو رمزيّة وإذ كانت لهُ ملامح. بل يُعبر عن طبيعة علاقات مادّية قانونيّة شكّلت المُجتمع. فهم هذه العلاقات التي تكونت في فترة الحُكم العسكري، تُمهد إلى تفكيك الخطاب السياسي في الداخل الفلسطيني. من أجل إعادة إنتاج خطاب سياسي يُلائم ويُعالج قضايا المرحلة التاريخيّة الراهنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

-نقد العقل السياسي، ريجيس دوبريه
-أريك فروم وعلم النفس الإجتماعي التحليلي، عباس مكي
-إيلان بابيه، الفلسطينيون المنسيون تاريخ فلسطينيي 1948
عرض التعليقات
تحميل المزيد