أيها النشطاء، كفوا عن بث الإشاعات! بهذه الجملة عَبّر العديد من مستخدمي «فيسبوك» عن غضبهم تجاه حالة النقل العشوائي للمعلومات؛ في وقت يشهد فيه قطاع غزة حالة من انعدام اليقين، مردها حوارات المصالحة، والتوتر العسكري القائم مع «إسرائيل». وبرغم ارتفاع منسوب الوعي حول أخطار الإشاعة، وما يمكن أن تتسبب به، فإن العديد من المتخصصين لم يقدموا لأطروحات من شأنها تثقيف الأفراد بآلياتها الحديثة، وخصائصها، ومدى ارتباطها بسلوك المستخدمين. ولأهمية القضية على المستوى الفلسطيني، قررنا تناول الموضوع بالكيفية التي نزعم منفعتها للجميع.

وقبل أن نباشر تفكيك المشكلة وعرض حلول لها، لا بد من تأسيس ذهنية القارئ تأسيسًا يستجيب للفكرة التي نرغب في تثبيتها. فالإشاعة بمفهومها التقليدي، تجسيد لمعلومة كاذبة، تنتشر بين الأفراد بطريقة وجاهية مباشرة؛ وهي بذلك تختلف عن الشبكية، في كون الأخيرة معلومة غير مؤكدة، تأخذ شكل منشور معلوماتي قصير ذي صلة بقضية ما، يجري تداولها بين الأفراد، تنتظر من يؤكد صحتها أو ينفيها، أو تفنيد أجزائها الحقيقية عن المزيفة. وهنا يمكن ملاحظة الفرق، فالإشاعة عبر مواقع الإعلام الاجتماعي معلومة تتصف بغياب التأكيد، لا الكذب، على الأقل لحظة بدء تداولها، الأمر الذي يحيل إلى عدد من الارتباطات.

وأول هذه الارتباطات ما يتعلق بشكل الإشاعة؛ فهي بالمفهوم الذي عرضناه عبارة عن برقيات آنية، تنشط في سياق إخباري عاجل، تقدم جزءًا من المعلومة، وكأنها طبق غير مكتمل. ولو عدنا إلى صفحاتنا على موقع فيسبوك، سنلاحظ ارتداء الإشاعة هذا الثوب؛ فالمستخدم ينقل معلومة ناقصة صادرة عن جهة ما «في الغالب إسرائيلية»، كي ينشرها على صفحته، دون أن يتنبه لطبيعتها الأولية، أو احتمالية نفيها. وهنا نستنتج أمرًا بالغ الأهمية، فقابلية التصديق التي تغلف الإشاعة تجذب إليها المستخدم، لتحفز سلوك نقلها، الأمر الذي يتوافق مع نتائج بحثية، أثبتت ميل المستخدمين نحو نقل معلومات غير مكتملة، لم يُتحقق من صحتها.

والاستنتاج الأخير، يحيل إلى ارتباط آخر، يتعلق بالمستخدم وسلوكياته، التي تساعد على انتشار الإشاعة. فغالبًا ما يتميز هذا المستخدم بخصائص، نستطيع عبرها رصد درجة مساهمته في الإشاعة، حتى لو انتفى عنه القصد. وأول هذه السلوكيات كثافة مشاركته على مواقع الإعلام الاجتماعي، ووجوده الدائم على منصاتها، وقيامه بالمشاركة والتعليق على كل حدث وقضية، حتى لو خالفت اهتماماته الشخصية. وهذا النوع من الأشخاص يمكن أن ننعته «بالمتطفل»، الذي يقوم على نقل المعلومات وتكرارها دون أي مهارة اتصالية، أو ثقافة نقدية، تؤهله للتعامل معها. ولو أردنا تقديم مثال فلسطيني، لن نعجز ملاحظة ذلك النقل الكثيف عن المصادر «الإسرائيلية»، التي يتوسط نشرها أصحاب صفة «النشاط التكراري»، ما يؤدي بمستخدمين آخرين إلى التسليم بصحة المعلومة، بعد أن تُخدر قدراتهم النقدية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن خاصية «حب الظهور»، والرغبة في خوض سباق ماراثوني نحو المعلومة، أثرت سلبًا على إدراكنا للأحداث، وحقيقة تفاعلاتها، ما جعلنا عرضة لدعاية الخصم. ومن الجيد التنويه، إلى كون النقل السريع يحفز مشاركة أسرع، تؤدي إلى انتقال المعلومة من شبكة مستخدمين إلى أخرى، يصعب لاحقًا تعميم زيفها.

ولكن، ما مدلول كل ما سبق؟ الذي أريد تثبيته أن المستخدم الفلسطيني هو المسؤول الأول عن تحفيز الإشاعة وتكرارها، وأن القيادة بمستوياتها المختلفة تتحمل أيضًا جزءًا من المسؤولية. وقد يعيب البعض علينا النتيجة، أو يراها مجحفة. لكن ما تثبته الأبحاث العلمية لا مجال لإنكاره أو تجاهله، وهي أشارت لسببين يُرد إليهما فرص انتشار الإشاعة الشبكية: يتعلق الأول بارتباطها بالأحداث المهمة من وجهة نظر الجمهور، فيما يتجلى الثاني في غموض الأدلة المتعلقة بها أو غيابها. بمعنى آخر، كلما جسد الحدث قضية مصيرية زاد احتمال إنتاج الإشاعة ونقلها وانتشارها، وبالتالي كلما غابت المعلومات التي تؤكدها أو تنفيها، أدى ذلك إلى تعاظم نسبة تداولها ومشاركتها. وهذا دليل على أن الإشاعة التي لا تلقى نفيًا أو تأكيدًا من مصادر موثوقة، عرضة لمزيد من الانتشار، وهذا بالضبط ما يحدث على المستوى الفلسطيني.

وفي نقطة أخرى، يمكن لتحديد نوع الإشاعة أن يساعد على تفسير سبب تداولها الكثيف على منصاتنا. فالأبحاث التعلمية حددت ثلاثة أنواع تتفشى بسرعة دون غيرها. أولها الإشاعات «الحالمة»، التي تعبر عن حالة أماني، والإشاعة «الشبح» أو الغامضة، التي تزيد من منسوب القلق والخوف، وأخيرًا شائعة «دق الأسافين»، التي تحفز مشاعر الكراهية. ولو تمعنا قليلًا، سنلاحظ ارتباط الأنواع السابقة بالنفس البشرية، خلال تعبيرها عما يختلج في نفسها من مشاعر، سيما إذا واكبت أوضاعًا اجتماعية، واقتصادية، وسياسية سيئة.

ومن هنا نستنتج، أن المعلومات غير المؤكدة المرتبطة بالأنواع السابقة، عرضة للإنتاج والتداول بين المستخدمين الفلسطينيين، خاصة وأنها تعكس حالة ينعدم فيها اليقين، ينتج عنها مشاركات، وتعليقات، وردود كثيفة، تحفز إنتاج إشاعات أخرى فرعية، من شأنها التأثير في منظومة إدراك الأفراد للحقيقة. فالمستخدم يدعم نشر الإشاعة في حالتها الرمادية غير المتحقق منها، لغياب الأدلة المضادة؛ كما يجتهد في تقديم أدلة على صحتها أو خطأها وهي في الحالة ذاتها.

وبناء على ما سبق، الإشاعة التي يطالب البعض بالحد منها قد لا تعكس مدلولها القديم المتعارف عليه، بل تعكس معلومات غير مكتملة، مشكوك في صحتها، تشق طريقها نحو المستخدم بواسطة ناشط شبكي، يظن أنه يحسن صنعًا، دون أن يعي إسهامه في إيجاد ظرف اتصالي يهيئ لانبعاث إشاعات أخرى متنوعة، مرتبطة بالواقع المعاش، وتتسبب في تشويش قدرتنا على التفريق بين المعلومات الحقيقية وتلك «التعبيرية» المزيفة، أو حتى نزع المصداقية عن معلومات أخرى صحيحة لمجرد أنها انتشرت على مواقع الإعلام الاجتماعي.

وأخيرًا، على الناشط الفلسطيني أن يميز بين المعلومات المكتملة والناقصة، وأن ينقلها عن مصادرها الموثوقة المعلنة، وأن يبتعد عن الممارسات الاتصالية التأويلية، التي تحد من قدرتنا النقدية، وتبقينا في حالة خدر دائم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!