«لا شيء أسهل من النقد، من رؤية الجانب السّلبي في مكانٍ ما، هذا بشكلٍ خاص هو ذوق الشّبان، ولكن إذا لم نرَ سوى النّفي، فإننا نجهل المضمون الذي يكون إيجابيًا، فنتجاوزهُ دون الغوص داخله». فريدريك هيجل

الفترة التاريخية (الخمسينيّات والستينيّات) التي شهِدت تكوين وبروز مشروع جمال عبد الناصر كما بيّنت في مقالي السابق، برز أيضًا في هذهِ الفترة التاريخية المشروع النقيض، ولادة مشروع نقيض هي حتميّة تاريخيّة ضمن التفسير الجدلي (ديالكتيك) للتاريخ، للعالم. المشروع النقيض يتمثّل في أدبيّات الإخوان المسلمين في هذهِ الفترة التاريخيّة، التي تعتمد بالضرورة على أدبيات التجديد الإسلامي في نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين. المفكر الإسلامي سيد قطب هو أوّل من ساهم في إعداد المشروع النقيض، المشروع الإسلامي السياسي، وصياغة الممارسة والخطاب. ومحاولة تحقيق مشروع متكامل بين الماديّ والأنطولوجي، البُعد الماديّ للمشروع، سياسة ومجتمع، والبُعد الأنطولوجي يُقيم ويؤسس العلاقة بين الفردِ والله، والانطلاق إلى العلاقة بين المُجتمع والله.

الجامعة الإسلامية.. تأسيس النقد

الجامعة الإسلامية هي المُنطلق المعرفي الأوّل لجميع الحركات الإسلامية في العصر الحديث، مُنطلق معرفي يؤسس للحركةِ نظرتها للعالم، وكيفيّة الممارسة وفق هذهِ النظرة. الجامعة الإسلامية تعني التفاف المُسلمين حول القرآن، من أجل بناء جبهة متينة في وجهِ الأخطار المُحدقة بالأمة الإسلامية. وفق هذا التعريف، يرى المفكر محمد عمارة أن جميع الحركات السلفيّة التي انتشرت في أواخر القرن الثامن عشر حتى أوساط القرن التاسع عشر في شبه الجزيرة العربية وأيضا شمال أفريقيا، هي تُخاطب وتُمارس على الأساس المعرفي، الجامعة الإسلامية. وهذهِ الحركات كان لها دور مهمّ في تشكيل الصراع وصياغة مفاهيم الصراع، مع الدول الغربية.

جمال الدين الأفغاني كان أوّل من بلور الخطاب الإسلامي الحديث. بمعنى أنه استطاع صياغة مفهوم الجامعة الإسلامية من منظور المُجدّد والمُصلح، وبذلك الجامعة الإسلامية يجب أن تقوم على أساسين: التعدديّة بين شُعوب الإسلام، وأيضًا أساس التجديد والإصلاح. نشط جمال الدين الأفغاني في باريس من أجل الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، وصدرت مجلة العروة الوثقى لتكون منبرهُ هو والشيخ محمد عبده. وتماهت أفكار جمال الدين الأفغاني مع طموح السلطان الخليفة عبد الحميد الثاني ودعاه إلى  الآستانة، مركز الخلافة من أجل أن يُدّعم أركان الجامعة الإسلامية، ويستطيع عبر ذلك أن يُجابه الدول الغربية التي اعتدت وما زالت تعتدي على السلطنة العثمانيّة، آنذاك.

المرحلة الأخيرة في بلورة الجامعة الإسلامية لتُشكّل بعد ذلك، المنظومة المعرفيّة للمشروع الإسلامي المُتمثّل في الإخوان المُسلمين وسيد قطب. محمد رشيد رضا في كتابهِ «الخلافة» يرى بأن الجامعة الإسلامية تؤدي وظيفة في توحيد الشرق لمُجابهة مطامع الغرب، ويستشهد بأقوال الساسة الأوروبيين التي تُحذر من الجامعة الإسلامية وخطرها عليهم. وهكذا يُطلق رشيد رضا شعاع الجامعة الإسلامية وتطبيقها عبر بناء الخلافة. محمد رشيد رضا في هذا الكتاب يضع ويُرتّب الأسس الفقهيّة الحديثة التي ستكون الحجر الأساس للعهد الجديد من الحركات الإسلامية.

المشروع النقيض.. أنطولوجيّة سيد قطب

«الإسلام منهج حياة، منهج حياة، حياة بشريّة واقعيّة بكل مقوماتها، منهج يشمل التصور الاعتقادي الذي يُفسر طبيعة الوجود، ويحدد مكان الإنسان في هذا الوجود، كما يحدد غاية وجوده الإنساني». سيد قطب

في هذهِ الكلمات افتتح سيد قطب كتابهُ «المستقبل لهذا الدين»، يؤكد سيد قطب على مركزيّة الإسلام في الحياة البشرية لتمكينهِ فعليّا، ودفعهِ روحيّا للاستمرار في الوجود. بمعنى أن الإسلام هو غاية الوجود. هكذا تستطيع هذه الكلمات بناء مشروع أنطولوجي يوّفر للإنسان حاجاتهِ الروحيّة، من أجل العبور إلى مرحلة التطلّع إلى الحياة والعملِ فيها.

مشروع سيد قطب، مشروع إسلامي وليد حركة الإخوان المسلمين، التي تُعبّر عن العهد الجديد في تعريف الوجود، الأنطولوجيا. ولادة المشروع حتميّة وفق الحركة الجدليّة في الواقع، وعلاقات النفي. هو المشروع النقيض للمشروع الناصريّ، المشروع الذي ينفي المشروع الأنطولوجي الناصريّ (مقالي السابق). سيد قطب يبني المشروع في مرحلتين، المرحلة الأولى هي نفي الموجود: ينظر سيد قطب في الموجود، والنُظم القائمة، والشرائع والأخلاق الحاليّة، ومن أجل نفيها يعتمد على ادعاء عدم شرعيّتها وفق الإسلام،الله. الادعاء الآخر هو عدم نجاعتها في الواقع، بالتالي فشلها.

 النظام السائد في العالم عند سيد قطب، إما نظام بوليسي-شيوعي أو ديمقراطي-رأسمالي، يرى في النظام البوليسي-الشيوعي مُصادمًا للإنسان في كينونتهِ، وغير واع لطبيعتهِ، بسببِ التصوّر الشيوعي للإنسان الذي يرى بهِ حيوانًا ماديًا يبحث عن الخبز ويُصارع من أجل اللقمةِ، وتفسير الشيوعية للتاريخ من خلال التغيّر في أدوات الإنتاج. وهذهِ الخرافة الشيوعية عندمت اصطدمت في الواقع، ثورة روسيا القيصرية، التي فقط أعادت إنتاج النظام القيصري في صيغة بوليسية، سببُ ذلك عند سيد قطب يرجع إلى سقوط الفكرة الأولى، سقوط الأيديولوجيا الشيوعية لعدم صلاحيّتها للعالم الذي نعيش فيه، وفقدانها للمعرفة الأساسيّة حول الإنسان. الشعوب المتخلفة فقط هي من تطيق هذهِ الأنظمة وفقط لبعض الوقت. النظام الديمقراطي نقدهُ في جوهرهِ، التشريع الإنساني. الذي هو شكل من أشكال الوثنيّة الجديدة، النظام الديمقراطي وثنٌ جديد يُعطي أخلاقًا، يُحدّد ويصيغ الشرائع للشعوب، لذلك من يُشغل هذهِ المناصب هو وثنٌ يُعبد من دون الله. وينقد أيضًا الرأسمالية، في جزئية احتكار الأموال والأملاك في أيدي الرأسماليين، وأيضًا ينقد دور الدولة في تمكين الرأسماليين، سأقتبس من كلمات سيد قطب في كتابه «معركة الإسلام والرأسمالية»: لأن الدولة لا تمثل الجماهير المُحتاجة، إنما تمثل رؤوس الأموال.

المرحلة الثانية تكون الكشف عن الوجود الحقّ: عند سيد قطب الوجود الحقّ يتعلق بثلاثيّة مفاهيم، يعتبرها الطريق إلى الكمال، إلى الله، إلى الأنطولوجيا. بداية إطلاق مفهوم «الجاهليّة الجديدة» على العالم الذي نعيشهُ، جاهليّة تنبثق من الأصل الذي تقوم عليهِ الأنظمة في العالم، الاهتمام بالمادة والإنتاج، يفوق بل يُحطم الاهتمام في الروح والقيم، يلزم من ذلك جاهليّة تعتدي على الشريعةِ، تعتدي على إرادة الله، إرادة الله التي تُعبّر بالضرورة عن معادلةِ توازن بين المادة والروح، يُسهب سيد قطب في إمكانيّة دين الإسلام، إرادة الله، في كشفِ هذهِ المعادلة من خلال شريعة الإسلام والاجتهادات الفقهية المُجمع عليها. وبذلك ينتقل سيد قطب إلى المفهوم الثاني «الحاكميّة» لمن يكون الحُكم والتشريع في الأرض، هل للإنسان القدرة على التشريع؟، هل الأنظمة في العالم تُعبّر عن حاكميّة الإنسان في الأرض؟، سيد قطب يربط تكوين العالم الجاهلي بالضرورة في حاكميّة الإنسان المعاصر، بدلًا من حاكميّة الله. سيد قطب لم يترك هذهِ الجاهليّة الجديدة التي استبدلت حاكميّة الله، بدون رسم طريق التغيير وهكذا ينتقل سيد قطب إلى المفهوم الأخير «الجهاديّة» من أجل تحرير الإنسان، تحرير الإنسان إذا شاء، بمعنى وجب على المُسلمين، الجهاد من أجل تغيير، يكون في صُلب غايتهِ النظام الجماعيّ، أما الفرد يكون لديهِ حريّة، لكن تتعلق بالضرورة في النظام الجماعيّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد