لصوص بربطة عنق، هكذا وصف أنور كوجو أحد أعتى مجرمي حرب الإبادة التي شنها الجيش الإندونيسي بقيادة الجنرال سوهارتو ضد الشيوعيين عام 1965 أعضاء البرلمان الإندونيسي، أنور كوجو الذي يبتاهى في وثائقي من إنتاج «سين بيرج» وتوزيع «نتفليكس» وإخراج الأمريكي جوشوا أوبنهايمر صدر عام 2012، وهنا ما يستوجب الوقوف طويلًا أمامه، تواطؤ الدولة والمجتمع على فعل غير أخلاقي غير قابل للتفاضل الذي يقيمه الإنسان عمومًا من أجل إسكات أنين الضمير المزعج والانتهاء بسرعة من المداولة الفكرية للضمير الجمعي للمجتمع التي تسبق فعلًا غير أخلاقي ما، فما حدث في إندونيسيا التي تظهر بوصفها دولة إسلامية كبرى ومتقدمة، خاصة في الرأي العام العربي كان ولا يزال مثار نزاع مع الضمير العالمي من أجل محاسبة المجرمين وتكريم ذكرى الضحايا، ورغم أن الجريمة الوحشية قد حدثت منذ أكثر من نصف قرن وتحديدًا في سنة 1965، فإنها لا تزال ماثلة في الأذهان حاضرة بقوة في تراث تشكل بالدم والدموع، ما حدث هناك أمر من البشاعة المتطرفة لا يعدو إلا أن يكون نهجًا اتبعته الدولة الإندونيسية الحديثة وولد ذكرى تقود أجيالًا في المستقبل لتشكل تاريخًا صمم راسموه على أن يعطى طابع المجد والفخر.

تحيلنا المصادر التاريخية مباشرة إلى سنة 1965 وهي من بين السنوات الساخنة في الحرب الباردة، حين كان الشيوعيون أسياد إندونسيا كانت عين أمريكا على الدولة التي يعد الحزب الشيوعي فيها ثالث أكبر حزب بعد نظيريه السوفيتي والصيني، وقد دعت من خلال ضمانات السفير الأمريكي هناك قادة الجيش الذين لم يسمحوا لسوكارنو بالاستمرار في الحكم، دعتهم إلى القضاء على الشيوعية التي تريد خنق البلاد وتسليمها للسوفيت، فقد ذكر المؤرخ الأمريكي جيفري بي روبنسون في كتابه موسم القتل تاريخ المذابح الإندونيسية، بأن الأمريكان قد دعموا بالسلاح والمعلومات والصمت المستقبلي الجنرال سوهارتو الذي أوعزوا له بإبادة الشيوعيين، فيما يبدو أنه ضربة استباقية للجهود الصينية التي رمت إلى دعم استحداث ميلشيات تتبع الحزب الشيوعي الحاكم حينها لحماية النظام من السقوط إذا حدث وأن انقلب الجيش على السلطة، والمثير للاستغراب فعلًا الصمت المريب للدولتين العظميين، الصين والاتحاد السوفيتي، على إبادة أكثر من مليون إنسان وربما أكثر، حسب تصريح للجنرال سارو أيديهي، الذي قاد عمليات منظمة لإبادة الشيوعيين وأصبح بطلًا قوميًّا في إندونيسيا، فقد قال بأن العدد الحقيقي للذين قتلوا هو 2.5 ملايين إنسان، الاتحاد السوفيتي والصين وهما الدولتان اللتان كانتا تبديان انزعاجهما من إقصاء وزراء شيوعيين في أي دولة من دول العالم الثالث في أي وزارة، وتعدان التضييق على الحزب الشيوعي في أي من هذه الدول عملًا عدائيًّا موجهًا ضد مصالحهما نراهما صامتتين تجاه ما حدث، والدولة الأقرب جغرافيًّا من إندونسيا الصين أفرجت بعد جهد مرير عن العديد المثقفين الصينيين من أجل الكشف عن تعاطي الحكومة الصينية آنذاك مع المجزرة لكنها عادت وأعادت السرية لآلاف الوثائق.

يصرح الكاتب بأن الصمت الدولي هو السبب الرئيس في عدم محاسبة مرتكبي هذه الجرائم البشعة، لكن الحقيقة العميقة هي تقبل المجتمع الإندونيسي لهذه الجرائم، فالبرغم من استقالة سوهارتو سنة 1998 تحت وطأة الضغط الشعبي الذي طالبه بالتنحي فإن جرائمه ضد الشيوعيين لم تكن من بين مطالب الشعب الغاضب الذي خرج من أجل العدالة التي تفيده هو دون غيره، وهنا يظهر الخلل الكبير في الميزان الأخلاقي للبشرية التي تكيل بمكيالين أخلاقيين متنافرين تمامًا، فلو كان الشيوعيون هم من أبادوا الشعب بهذه الطريقة لتبادل الطرفان المواقع.

التواطؤ بين القوى الدولية وبعض الحكومات القمعية أو بين الدولة وبين طبقة من الشعب من أجل مصلحة ظرفية، أمر قد تبرره السياسة المدعومة بالمصلحة، أما الذي يستدعي الانتباه فعلًا هو التواطؤ بين الدولة وعموم الشعب، ففي الوثائقي نرى الصورة البشعة التي رسمت بأصابع الغرب الباردة، فطيلة عرض الوثائقي نرى إعادة تمثيل للأحداث من المجرمين الحقيقيين للمجزرة التي حدثت، وعدا عن أنور كوجو المجرم النكرة الذي كان يبيع تذاكر السينما في السوق السوداء، فبقية المجرمين يعتزون بمشاركتهم الفاعلة في الأحداث، أنور كوجو الذي لا يستطيع النوم إلا بالخمر والمخدرات أخذ المخرج جوشوا أوبنهايمر إلى الأماكن التي كان يقتل ويعذب فيها ضحاياه، ويتتبع الفيلم الوثائقي بقية الذين شاركوا في الأحداث الدامية ويذكر أحدهم بدون حرج كيف قتل والد صديقته الصيني معرجًا على ذكر قتل الآلاف من الصينيين الذين كانوا يعملون هناك، وبصفتهم من دولة شيوعية فإن قتلهم مشروع، وقد صرح أحد رفاق أنور كوجو بأن القتل أعتى جريمة يرتكبها الإنسان، لكن ما يخفف من وطأتها الدافع الذي يخلق المبرر والدافع المادي الجزيل يكفي للقتل دون شك حسب تصريحه، وهؤلاء المجرمون الصغار هم من حاولت الحكومات الإندونيسية متعاقبة أن تحملهم مسؤولية ما حدث، لكن الحقيقة أن الجيش قد استخدمهم قواتٍ رديفة داعمة لوجيستيًّا، أما في الوقت الراهن نرى أن هؤلاء جزء رئيسي من النسيج السياسي لإندونيسيا؛ فميليشيات البانكاسيلا التي تمتهن التهريب وتدير نوادي القمار وتبتز التجار الأجانب، تعمل تحت غطاء نواب من البرلمان الذي يبتز أعضاءها مقابل ضمانات بعدم الملاحقة الأمنية أو القضائية حسب تصريح النائب في البرلمان …، وبالضرورة لا يمكن لأي حكومة أن تعاقب من هم في صفها أو من هم جزء منها، ومما زاد ن تعقيد المشكلة أن النظام السياسي لم يتغير منذ ارتكبت المجازر على عكس الدول التي حدثت فيها محاكمات لمن أجرموا في حق الشعب، مثل رومانيا أو ليبيا أو شيلي أو الأرجنتين، فتلك دول كانت الدولة متواطئة في الإجرام مع فئة محددة استفادت منها أما في الحالة الإندونيسية فعموم الشعب لا ينظر إلى ما حدث على أساس أنها جرائم بل مجرد تطهير من طبقة أرادت القضاء على المبادئ الخمسة التي قامت عليها إندونيسيا، فالبانكاسيلا التي نادى بها سوكارنو تدعو إلى الإيمان بالواحد والقومية الإندونيسية والشعبية الموجهة بالحكمة البرلمانية والإنسانية العادلة المهذبة وأخيرًا العدالة الاجتماعية، وهي إلى اليوم تعد الأكثر قدسية في إندونيسيا، وللتدليل على أن ما حدث يعد واجبًا وطنيًّا فقد قدمت مذيعة القناة الوطنية الإندونيسية المجرمين التافهين في إطار احتفالية ذكرى مجازر الشيوعيين، معلنين عن صدور وتمثيلهم فيلمًا يوثق أمجادهم المنسية، اللافت في الفيلم حضور ممثل عن الحكومة في شخص وكيل وزارة الرياضة والشباب، سخيان أسمرة، الذي يصرخ في الميليشيا التي ستتولى الهجوم على قرية يزعم أنها معقل للشيوعيين، ولم يتوقف الأمر عند ممثل الوزير، بل تعداه إلى نائب الرئيس الإندونيسي يوسف كالا الذي حضر مؤتمرًا لشباب البانجاسيلا كما تنطق باللغة الإندونيسية، وحض فيه الميليشيا على التمسك بنهجها ودافع عن عقيدتها وسط ترحيب وضحك قائدها يابتو سوارجوسوامارنو والذي يعد اليد الضاربة للحكومة عند معارضة أي حزب أو منظمة لها.

ابراهيم سينيك الذي يعلق على جدار مكتبه عشرات الصور مع رؤساء وجنرالات إندونيسيا والذي باعترافه كان يحقق مع الناس ثم يوعز لرجال العصابات بأخذهم وقتلهم على الفور، وفي اعتزاز بما كان يفعل يجيب ببرود بأنه لا يقوم بالأعمال الوضيعة بنفسه عندما سئل إن كان الجيش يطلب منه قتل الشيوعيين، وقد كان يغير إجابات المتهمين أثناء التحقيق لجعلهم يبدون مذنبين ومن صميم عمله كمحرر صحفي حينها أنه يجعل الناس يكرهون الشيوعيين.

رجال عصابات تافهون وسياسيون ورجال أعمال وصحافيون ومنظمات إجرامية تشكل نسيجًا كبيرًا من المجتمع الإندونيسي، تركيبة كهذه لن تدع مجالًا لاستذكار المجازر أو السماح بمحاسبة المسؤولين عنها، ولا يمكن لأي حكومة في العالم أن تضغط على الحكومة الإندونسية من أجل إحياء المجزرة وإظهار الحقيقة كاملة، فحتى تتغير الذهنية الحاكمة في السلطة وتتخلص إندونيسيا من هذا الإرث الدموي، فلن نرى حسابًا للمجرمين أو حتى ذكر ما حدث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد