قد يبدو العنوان غريبًا ومألوفًا بوقت واحد. فعلى الرغم من الفرق الشاسع بين المحور العلمي لهذا المقال وبين المحور الأدبي القصصي لرواية غارسيا ماركيز «وقائع موت معلن»، إلا أنهما اشتركا في هدف واحد يتلخص بأن جميع المعنيين بالمجتمع يتحملون مسؤولية المأساة التي تدور حولها تفاصيل المقالة/الرواية. وعلى الرغم من الفاصل الزمني بين هذا المقال ورواية ماركيز والذي يقارب النصف قرن من الزمان، إلا أن الشخوص التي مثلت أطراف المعادلة بين النتائج والأسباب هي ذاتها قد تكررت برمزيتها وبكل ما تضمنته من إرهاصات ساهمت في تعقيد المشهد على أرض الواقع.

إن «وقائع وباء معلن» عبارة عن مقال سياسي نشره موقع مجلة «فورين أفيرز» بتاريخ 21 مايو (أيار) 2020، وقد اشترك بكتابته كل من مايكل أوسترهولم وهو أستاذ في جامعة مينيسوتا الأمريكية ومدير مركز بحوث الأمراض المُعدية في الجامعة، ومارك أولشايكر وهو كاتب وصانع أفلام وثائقية. وقد كان للكاتبين تجربة سابقة لاقت نجاحًا ملفتًا للنظر من خلال إصدار كتابهما المعنون «العدو الأكثر فتكًا: حربنا مع الجراثيم الفتاكة» عام 2017.

وصراحة القول، فإن عنوان المقال هو ما دعاني لقرائته، غير أن محتواه هو ما دفعني لكتابة مقالي هذا. فـ«وقائع وباء معلن» قد تضمن العديد من الأمور التي يجب الانتباه لها في السياسة الداخلية للدول، وخاصة تلك المسائل التي تتعلق بالأمن القومي للدولة وقرارات السياسة الخارجية ذات الأثر المباشر على السياسة الداخلية للدولة. وقد جاءت أزمة فيروس كورونا لتكشف لنا القصور الحاصل في إدارة الدولة بشكل عام وتحقيق التوازن الفعال بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية بما يضمن الأمن القومي للبلاد.

بدأ مقال «وقائع وباء معلن» بتشخيص نوعين من الاستعدادات التي يتوجب على الدول أن تتهيأ لها لمواجهة الأزمات. فمنها ما هي استعدادات على المدى البعيد ومنها ما هي استعدادات على المدى القريب. وقد فشل جميع قادة القطاعات الحكومية والأعمال والصحة العامة في بعض الدول بتفعيل تلك الاستعدادات ذات الصلة بالازمة، على الرغم من المؤشرات الكثيرة التي مثلت نواقيس خطر تقرع للتنبيه تجاه المخاطر الماثلة أمام الأمن القومي لبلدانهم.

لقد أنفق العديد من الدول المليارات من الدولارات على الترسانة العسكرية لتحصن أمنها القومي ضد مخاطرالتهديدات البشرية، بما أدى إلى تغافلها عن أخطار أشد تأثيرًا على أمنها القومي وأشد فتكًا باقتصاداتها وثرواتها البشرية. فلو ألقينا نظرة عاجلة على الخسائر الاقتصادية لبعض الدول العضمى التي تسببت بها أزمة كورونا لوجدناها لا تقارن بما تسببت به الأعمال العسكرية التي خاضتها تلك الدول خلال أول عقدين من القرن الحادي والعشرين.

فلقد وصلت خسائر الولايات المتحدة في حربها بالعراق بداية القرن الجاري على سبيل المثال بحدود 757 مليار دولار، وما يربو على 33 ألف قتيل، في حين من المتوقع أن تتسبب أزمة كورونا منذ بدايتها مطلع هذا العام خسائر اقتصادية قد تصل إلى 1.7 ترليون دولار خلال عام 2020 فقط، وبلغ عدد ضحايا فيروس كوفيد-19 في الولايات المتحدة الامريكية ما يربو عن 100 ألف وفاة لغاية تاريخ إعداد هذا المقال.

لقد كان للطبيعة دومًا اليد الطولى، وها هي اليوم لا تدخر أيًا من حبائل عالمنا المعاصر من أجل إحكام قبضتها على الجنس البشري، لتتركنا أمام خيارين لا ثالث لهما. فإما أن يتم اكتشاف لقاح ضد فيروس كوفيد-19 أو أن يتمكن الجنس البشري من تطوير قدراته المناعية مما يستلزم أن تتفشى عدوى الفيروس في ثلثي سكان الكرة الارضية. ولا يبدو أن أيًا من هذين الخيارين وارد قريبًا، قبل أن تتسبب أزمة كورونا بخسائر اقتصادية كبيرة جدًا.

وعلى الرغم من أن حتمية وقوع وباء كانت عبارة عن مسألة وقت لا أكثر في أروقة المحافل الطبية منذ أمد بعيد، إلا أن حتمية وقوع وباء أكبر وأشد فتكًا من جائحة عام 1918، والتي دارت على جميع الكرة الأرضية مرتين ونصف خلال ما يربو بقليل عن سنة واحدة، لا تزال صارخة بما يصم الآذان. لذا فإن لم يع العالم الدرس من فشله في مقارعة جائحة كورونا ويستعد بكل متطلبات الاستعداد السليم لمواجهة أية جائحة مستقبلية، فستكون عندها العواقب أكثر من وخيمة على العالم بموارده البشرية والاقتصادية.

لقد قُرِعَت أجراس الإنذار بشأن أزمة كورونا الجارية منذ عام 2003 مع اندلاع وباء سارس والذي كانت بداية ظهوره في أسواق غوانغ دونغ بالصين ووصل إلى هونغ كونغ وبعدها انتشر في جميع أنحاء العالم مخلفا 8098 حالة إصابة ومسببًا 747 حالة وفاة وذلك بعد السيطرة على الفيروس عبر القضاء على مصادره الحيوانية وعزل المصابين به. ومن ثم ظهر فيروس ميرس بعد تسع سنوات في الجزيرة العربية، وبالتحديد في عام 2012، حيث ضرب الفيروس قطعان الجِمال ومنها إلى الإنسان، إلا أن الفيروس بقي محدود الانتشار بسبب الطبيعة الاجتماعية للمجتمع البشري الذي ظهر فيه.

وعلى نفس المنوال ظهرت فيروسات تاجية أخرى كادت أن تتسبب باندلاع جائحة مشابهة لجائحة كوفيد-19، مثل أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير. وعلى الرغم من الاختلافات التي ميزت كل فيروس، إلا أن جميع الفيروسات تشابهت من حيث ظهورها المفاجيء. وقد تعالت الأصوات منذ عام 2005 بضرورة وضع الخطط اللازمة لمواجهة أية جائحة. خطط عمل لا تستثني أيًا من القطاعات الحكومية وغير الحكومية والتي يتوجب عليها تخمين الأضرار المتوقعة على قطاع النقل وسلاسل التوريد، وخاصة تلك المتعلقة بالمواد الدوائية والمستلزمات العلاجية والوقائية.

علاوة على ذلك، فقد كان لاندلاع وباء إيبولا في غرب القارة السمراء دورًا مهمًا في إبراز تقصير الاستثمار العالمي بمجال تصنيع اللقاحات ضد الأوبئة الإقليمية مثل إيبولا وحمى لاسا وفيروس مرض نيبا. ولو كانت التمويلات المالية قد صُبت في صالح تطوير لقاحات فعالة ضد وباء سارس عام 2003 وضد وباء ميرس عام 2012، لكان العلم اليوم أقرب إلى تطوير لقاح ضد كوفيد-19 ولكان العالم قد وفر الكثير من الوقت وقلل الكثير من الخسائر البشرية والاقتصادية.

ولعل أبرز ما طرحه كاتبا  وقائع وباء معلن» كان قد تمثل بالمقاربة التي اقترحها المقال في مواجهة الجائحة، حيث اقتبس الكاتبان مقولة لوزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد عام 2004 والتي جاء فيها: «إننا نحارب بما لدينا من جيش، وليس بالجيش الذي نريده أو نتمناه»، فالرسالة التي حملتها مقولة رامسفيلد تنطبق على واقع حال القطاع الطبي وهو يواجه جائحة كوفيد-19 دون خطط عمل تضمن توفير مستلزمات الوقاية الشخصية أو كوادر طبية كافية أو مرافق طبية قادرة على استيعاب الحالات أو سلاسل توريد قادرة على توفير المواد الطبية والعلاجية والوقائية بشكل كفوء أو مجتمع مهيأ ومستعد لمواجهة الجائحة.

فأية جائحة تجتاح العالم مستقبلا قد تجعل من جائحة كوفيد-19 غير ذات أهمية مقارنة بما ستخلفه من خسائر بالارواح والاقتصاد، بما يجعل العالم يركع على ركبتيه أمامها. لذا يقترح كاتبا المقال تبني بعض المفاهيم العسكرية في التخطيط لمواجهة أية جائحة مستقبلية. فالإستراتيجيات العسكرية تركز على المرونة والامداد والاستعداد وقراءة الوقائع. وهذه الإستراتيجية يجب أن تشمل جميع القطاعات وعلى جميع المستويات، بدءًا من رأس هرم السلطة والى محال بيع المواد الغذائية، من خلال خطط لإدارة الأزمة على مدى عامين، يكون فيها صناع القرار مهيأون نفسيًا لمواجهة تداعيات الأزمة.

فالجيوش لا تنتظر إعلان الحرب لتبدأ بشراء أو تصنيع الأسلحة والطائرات المقاتلة، وكذلك لابد أن تتبنى الدول هذا النوع من التفكير والتصرف عند بناء خططها في مواجهة أية جائحة مستقبلًا. وحيث إن الجراثيم والفيروسات لا تحترم الحدود الوطنية للدول ولا تمنعها قيود السفر، يصبح من الواجب اتباع مقاربة عالمية شاملة في مكافحة الفيروسات ومسببات الجوائح العالمية، بنفس النهج الذي يحكم المناورات العسكرية التي تجريها الدول، ولكن بمشاركة دولية أكبر ونطاق عالمي أوسع.

لقد تمكن العالم من هزيمة مرض الجدري والقضاء عليه، وذلك لأن قطبي القوى العالمية – أمريكا والاتحاد السوفيتي – أبديا التزمًا حقيقيًا بالقضاء عليه، عقب النداء العالمي بهذا الشأن عام 1958. لذا فبدون هذا النوع من الالتزام الحقيقي لدول العالم، فسيكون من المستبعد أن نرى عالمًا قادرًا على مواجهة أية جائحة مستقبلًا بشكل يعمل على تقويض الخسائر البشرية والاقتصادية التي ستخلفها.

وعلى الرغم من تركيز «وقائع وباء معلن» على قطاع الخدمات الصحية، إلا أننا يجب أن لا نغفل عن أهمية دور بقية قطاعات الحياة. ونخص بالذكر هنا قطاع مؤسسات المجتمع المدني ودورها في التعامل مع الجائحة من النواحي الإنسانية والاجتماعية. لذا يجب أن ينتبه صناع القرار السياسي إلى دور هذا الفاعل في الدولة، على اعتبار أنه جزءٌ مكملٌ لدور بقية القطاعات بالدولة في استعداداتها ضد اندلاع وباءٍ ثانٍ قد يضرب العالم في أي وقت مستقبلًا.

وتعد المشاكل المجتمعية والصحة النفسية في أوقات الأزمة من العناصر المهمة التي يجب أخذها بالحسبان في جهود مقاومة آثار الجائحة. وهذا ما يستدعي أن تكون مؤسسات المجتمع المدني قادرة على استيعاب التداعيات التي تخلفها أية جائحة على المجتمع، ومتمكنة من التعامل مع تلك التداعيات بشكل يدعم قدرة المجتمع على التأقلم والتفاعل الإيجابي مع جهود مكافحة الجائحة.

وعلى سبيل المثال، فلقد أشارت بعض التقارير العالمية إلى أن نسب حالات العنف المنزلي قد تضاعفت عالميًا بشكل عام، حيث أشارت بعض مؤسسات حماية المرأة إلى أن نسبة الاتصالات الواردة على خطها الساخن قد وصلت خلال جائحة كوفيد-19 إلى 180% عما سجلته بالاشهر السابقة للجائحة. ومما تجدر الإشارة إليه أن العنف الأسري بشكل عام يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة يتحملها اقتصاد الدولة. لذا فإن مسالة القدرة على التعامل مع ارتفاع نسب العنف المنزلي هي بحد ذاتها مسألة توفر دعما لاقتصاد الدولة، وغالبًا ما يكون قطاع مؤسسات المجتمع المدني هو من يعمل على التصدي لمشاكل العنف الأسري وغيرها من المشاكل المجتمعية.

ومن هذا المنطلق، فإن الاستعداد لمواجهة جائحة أخرى يعتمد أساسًا على استيعاب الدروس التي مر بها العالم خلال جائحة كورونا، من خلال مقاربة شمولية متعددة الأوجه تنظر إلى الإنسان كقيمة سامية تتناهى إليها جميع القيم الاقتصادية والمعرفية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

وباء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد