الفيروسات هي الأخطر في تفشي الأمراض حيوانية المنشأ بين البشر

لم يتفاجأ الباحثون والمتخصصون في علوم الأمراض المعدية والأوبئة باندلاع جائحة وباء فيروس «SARS-CoV-2» المتسبب في متلازمة كوفيد-19 بل هي أزمة متوقعة منذ سنوات عديدة، أزمة لا من مفر من حدوثها ولا جدوى من انكارها، وإنما الرهان الأكبر كمُن في مواجهتها وتحجيم سرعة انتشارها وتقليل خسائرها البشرية والاقتصادية.

كان العالم في انتظار «الحدث الكبير التالي أو Next Big One»، وأن ما توافر للبشرية من حسن حظ في المرات السابقة ليس بالضرورة وجوده في الجائحة القادمة، بل كانت دقة التوقعات تؤكد على انبثاقها من غابات أفريقيا الوسطى أو «سوق في شرق جنوب الصين» أو قد تأتي من فيروس شارد من مجموعة فيروسات كورنا أو فيروس جديد لا نعلم عنه أي شيء.

يعد كتاب «الفيض.. أمراض الحيوانات المعدية وجائحة الوباء التالية بين البشر» أو «Spillover Animal Infection and the Next Human Pandemic» لكاتبه الأمريكي ديفيد كوامن[1] والصادر في جزئين عام 2012 وقدمه للعربية الدكتور مصطفى إبراهيم فهمي[2] بعد عامين من صدوره ضمن سلسة عالم المعرفة الكويتية، واحدًا من كتابات عديدة، دقت ناقوس الخطر للجائحة المقبلة، وألقى نظرة عميقة على العالم البيئي وأنساقه ودور الإنسان في ظهور وانبثاق أمراض معدية ما كان العالم ليشهدها من قبل في عصوره القديمة والمتوسطة.

ليس الغرض عرضًا تفصيليا لما حواه فصول الكتاب، وإنما الوقوف على أهم النقاط الواردة فيه، والتي تسهم في فهم جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19»، وذلك من خلال عمل المؤلف كصحافي ومغامر، رافق العلماء والباحثين لسنوات في رحلاتهم البيئة، واطلع على جانب واسع من ظروف عملهم البحثية والاسكتشافية، في محاولة للبحث عن السبب الرئيس وراء كل فاشية مرضية، والتي غالبًا تكون مسبباتها جرثومة مُمرِضة أفاضت عدواها من حيوان إلى إنسان، ثم استطاعت لما لها من مكون جيني الانتقال بين المجموع البشري.

أمراض الحيوانات المعدية.. الفيروسات هي الأخطر

يعرض كوامن لمصطلح «أمراض الحيوانات المعدية أو المرض حيواني المنشأ» «Zoonosis»، ويقصدُ به عدوى لدى الحيوان قادرة على الانتقال لدى البشر كإنفلونزا الطيور، إنفلونزا الخنازير، الطاعون الدبلي، السارس، الإيبولا، فيروس نقص المناعة المكتسبة، كل أنواع الإنفلونزا البشرية، وقائمة طويلة من الأمراض المعدية التي تصيب الإنسان هي جميعها أمراض حيوانية المنشأ.

الأصل فيها تكون جرثومة ممرضة وثبت من حيوان مباشرة إلى إنسان أو مرت بين حيوان آخر ووصلت إلينا، بعضها يُحدث نسبة وفيات مرتفعة وبعضها تكون بسيطة.

يوضح كوامن أن الفيروسات هي المسبب الأخطر لأمراض الحيوانية المعدية؛ حيث قدرتها على التطور السريع ولا تؤثر فيها المضادات الحيوية كالبكتيريا، كما أنها لا تعيش إلا متطفلة، ويستلزم بقاءها وجود خلية حية، ومن ثم الدخول إلى الخلية وتوظيفها للتكاثر.

كما أنها تتبع سياسة الكمون والاختباء، أي إن هذه الفيروسات وغيرها من الجراثيم الممرضة، قائمة وموجودة بيينا، ولكنها تختبئ داخل الخلية الحية لعائلها الطبييعي وهو «الكائن الحي الذي يحمل الجرثومة الممرضة، ويؤويها على نحو مزمن دون أن يعاني هو أي مرض أو قليل من المرض لفترات زمنية كبيرة».

ومن هذه النقطة تحديدًا، يُفهم على نحو جلي أسباب اختفاء وارتداد أمراض بعينها، وبالتالي اختفاء أي مرض لا يعني بالضروة القضاء عليه، وإنما يعني أن المسبب يكمن داخل عائل خازن، أحد الجرذان؟ أحد الطيور؟ إحدى الفراشات؟ أحد الخفافيش؟». فالكمون أمر طبيعي طالما كان النظام البيئي مستقرا وغير مضطرب.

الجرثومات الممرضة تستطيع أن تتحول إلى هدف جديد

إذا كانت سياسة الكمون أمر طبيعي لدى الجرثومات الممرضة، فهذا يعني بقاءها ووجودها بيننا منذ زمن قديم وأنها تعيش في تكيف وتوائم مع عوائلها الطبيعية والتي لا تعاني أي مرض أو على الأقل قليل من المرض.. ماذا حدث جعلها أكثر شراسة وهجوما للبشر وهم مالم يحدث من قبل ولم يشهده التاريخ الإنساني على هذا النحو في الماضي؟

الإجابة يمكن إجمالها في عاملين الإخلال والاتصال:

العامل الأول هو «أنشطة النوع البشري في تمزيق النظم الإيكولوجية بسرعة كارثية مثل قطع الأشجار، التسكين وبناء الطرق، الصيد وأكل الحيوانات البرية، إزالة الغابات لخلق مراعي للماشية، استخراج المعادن، الاستيطان الحضري، تمدد الضواحي، والتلوث الكيميائي وتفريغ المواد المغذية في المحيطات، وتغييرات المناخ وكل ذلك من أنواع العدوان المتمدين على المشهد الخلوى الطبيعي» وهذا هو يمثل الإخلال.

العامل الثاني هو أنه ونتيجة هذا النهج البشري في تمزيق النظم الطبيعية وطرد الفيروسات والميكروبات من عوائلها الطبيعية، وجدت نفسها أمام حرب بقاء، ولم تجد إلا خيار القفز إلى عوائل جديدة، ومع تزايد الأعداد البشرية ووجود التلامس المباشر في الأسواق والحياة البرية، وتزايد فرص الاحتكاك المباشر، كان الإنسان هو العائل الجديد وهو ما يسمي الاتصال.

انتقال العدوى بين البشر

يشرح كوامن أن هناك أربعة عوامل متى اجتمعت في مكان وزمان واحد زادت احتمالات فرص فيض عدوى الأمراض الحيوانية.

أولاً: العوائل الخازنة وهي الكائنات التي تعيش فيها الجرثومة الممرضة في تكيف وتوائم تام لسنوات .

ثانيًا: العائل المضخم وهذا هو الكائن الحي الجديد الذي حاولت الجرثومة الممرضة أن تجعل منه بيئة جديد لها. هذا العائل الجديد غير قادر على استضافة الفيروس الممرض، ويكون بيئة لانتاجه بصورة كبيرة ما يجعله مضخمًا لحجم انتقال العدوى إما إلى حيوانات أخرى أو إلى الإنسان.

ثالثًا: الإنسان القابل للعدوى والذي يمثل عائلا جديدًا للفيروسات والجراثيم الممرضة.

رابعًا التغير الإيكولوجي نتيجة تصرف وسلوك النوع البشري نحو البيئة.

بحث الأسباب وراء العدوى البشرية

يمكن رصد عدوى مرض جديد حيواني المنشأ من خلال وجود عدد من الحالات البشرية أو غير البشرية تحمل نفس الصفات المرضية على نطاق جغرافي واحد أو متعدد، وفي إطار زمني قريب أو متزامن ما يسترعي انتباه المؤسسات الصحية بوجود شيء ما.

ثم تبدأ عملية البحث بتعيين الجرثوم الممرض لهذه العدوى أو العامل الرئيس لها، وهو الأمر الأكثر صعوبة والذي يتطلب معرفة طبيعة الجرثوم الجديد إن كان فيروسًا أو نوع آخر؟ ما أسباب انبثاقه ومن أين أتى ولماذا في هذا المكان؟ ولماذا الآن؟

تسير عملية البحث في اتجاهين:

الاتجاه الأول: هو الاتجاه المعملي أي البحث الباثولوجي في طبيعة وماهية الجرثروم الممرض من خلال دراسات عينات الحالات المصابة وتحليلها. ثم عزل الجرثومة في معامل بحثية ومختبرية على درجة عالية من الأمن، وتنمية المزيد منها أي ما يعرف بالمزرعة الجرثومية والفيروسات هي أكثرها صعوبة في زراعتها وعزلها.

الاتجاه الثاني هو البحث عن الفيروس في البرية وهي مهمة من نوع مختلف تمامًا، عمل استقصائي، يبدأ من خلال البحث عن الحالة المؤشر أو الحالة صفر والتعرف على تاريخها وموقعها البيئي وتحركاتها الأخيرة قبل الإصابة أو وقتها، ثم تعيين الأسباب وراء العدوى وتحديد المشتبهات بها من الحيوانات أو العوائل لهذا الفيروس، يتطلب هذا أخذ عينات من مئات وربما آلاف الحيوانات والطيور للبحث عن الفيروس أو الأجسام المضادة بما يقيم الدليل على وجود مسبق لها.

الصعوبة تكمن وراء الإجابة هل البحث يتم في المكان الصحيح أم لا؟ا وهل يتم في الوقت الصحيح أم لا؟ فربما الفيروس موسمي، أي يجيء ويروح بمقياس زمني معين.

أسئلة كثيرة وحيرة أكثر تفرضها ظهور أي عدوى مرضية جديدة، وربما تنجح الجهود البحثية في الإجابة على الأسئلة التي تفرضها الأوبئة أو لا، وقد تلعب الصدفة دورًا هاما في إيجاد اجابات وبعضها يصل إلى طريق مسدود.

المرض حيواني المنشأ أكبر تهديد للبشرية

استدل كوامن في كتابه بدراسة بحثية في مجلة «Nature» عام 2008، حيث تم مسح لأكثر من ثلاثمائة حدث من الأمراض المعدية المنبثقة ما بين عامين 1940 و2004. فقد وُجد أن 60.3% يكون لأمراض حيوانية مشتركة، وأن 71.8 من الأمراض الحيوانية المنبثقة المشتركة تأتي من الحيوانات البرية في تمييز واضح للحيوانات الداجنة.

يقول معلقًا «الأمراض الحيوانية المشتركة من الحياة البرية تمثل أكبر تهديد مهم متنام للصحة في كوكبنا بالنسبة إلى كل أحداث انبثاق الأمراض المعدية… نحن عندما نحاصرها، ونطوقها في ركن، وعندما نستأصلها ونأكلها، تصيبنا بذلك أمراضها». ثم يقول في موضع أخر متسائلا ما نوع الجرثومة الشريرة التي ستنبثق تاليًا؟ وبأي تأثيرات لاترحم؟. توصل إلى نتيجة مفادها أنه طالما ظل السلوك الإنساني مستمرًا في المضار بالبيئة والطبيعة فإن الجائحة قادمة وغالبا من الفيروسات، وقد كان.

حذرتنا كتابات الباحثين ودراساتهم في الدوريات العلمية، نشادتنا تجاربهم البيولوجية ونتائج دراستهم المعملية بالحيطة والحذر، كان صوت التنافس الاقتصادي والهيمنة السياسة أعلي من صوت الصحة ومستقبل البشرية، كانت قروع الحرب وأصوات البرود تصم آذان العالم وتعمي الأبصار عن الخطر الصحي والبيئي القادم أو تصحيحًا القائم بيننا متربصًا بنا وبمستقبل أجيالاً أخرى تالية.

خرجت الجائحة من الصين، وكان من الممكن لها أن تأتينا بوجهها المقيت من بلاد غرب وأوساط أفريقيا، تلك التي تعيش ظروف بيئية وصحية وسياسية صعبة، كانت من الممكن أن تأتي من بلاد نخرت في عظامها الحرب فأقعدتها عاجزة بلا حول منها ولا قوة، كان من الممكن أن تأتي من دولة آسيوية فيها تعد كبير على الحياة البرية. ولكن لا تزال الفرصة عظيمة أمام البشرية في حفظ بقائها وحماية مقدراتها، وسنتجاوز هذه الأزمة كما خرجنا من سابقيها، وسيبقي السؤال ماذا علينا أن نفعل لتجنب أي جائحة قادمة أو التحكم فيها؟


ديغيد كوامن، كاتب أمريكي متخصص في شئون البيئة والطبيعة، له مفالات عديدة في النيويورك تايمز، وناشاونال جيوجرافك.[1]

عالم متخصص وحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة لندن في الكيمياء الباثولوجية وله ترجمات عديدة في الثقافة العلمية.[2]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد