ليل خارجى، سفح جبل الأوليمب، بروميثيوس يفكر بقلق، ينظر إلى السماء مترددا ويحادث نفسه: هل أترك البشر يأكلون لحما نيئاً؟

 

 

 

لكنها إرادة زيوس وهو يعلم أكثر طبائعهم، لكنى لا أستطيع هذا الطفل يكاد يموت من البرد، كل مخاوف زيوس لا أساس لها من الصحة، سوف يستخدمون النار فى طهى الطعام، إنهم خيرون بفطرتهم، لن يستعملوها فى شر، سوف آتى لهم الليلة بجذوة من النار وليكن ما يكون

 

 

 

 

تميز الباحث الأمريكى فيلو فرانسوورث بالتفوق فى مجالات العلوم والطبيعة، وكان يلفت نظر معلمية منذ 1911م باهتمامه بشرح نظريات أينشتاين علاوة على اهتمامه بالبحث عن تطبيق عملى للعلاقة بين الكهرباء والضوء حيث كان أينشتاين أشار إلى أن مرور حزم ضوء في دائرة كهربائية متوترة، يؤدي إلى خلق صور متنوعة من الموجات الكهرومغناطيسية،

 

 

 

وبالتالى يمكن أن تنقل أشكال ورسوم وهو ما عمل عليه وبه تشكلت فى رأسه الفكرة، جهاز ينقل الصور والأشكال من مكان الى مكان، هل تدرون ماذا يحقق ذلك، تمر الصور إلى قرية من قرية أخرى يعرف الناس بعضهم بعضا، هل تتخيلون ماذا يحدث لشكل المستقبل؟

 

 

 

 

 

لم  يكن عمر فرانسوورث 14 عاما حتى قرر أن يحقق هذه التجربة كل ما يحتاجه 3 أشياء:

 

 

 

 

 

جهاز يحوّل صور الكاميرا إلى خطوط الكترونية ، وأداة لتحويل تلك الخطوط إلى موجات كهرومغناطيسية ، وجهاز يتجاوب مع تلك الموجات الكهرومغناطيسية، فيعيد تحويلها إلى خطوط الكترونية صغيرة تتطابق مع الصور الأصليه. وخلال مسيرته العلمية، استطاع فرانسوورث أن يصنع اثنين من تلك الأشياء الثلاثة.

 

 

 

 

 

فقد ابتكر جهازاً لتقطيع الصور إلى خطوط مستقيمة صغيرة، وسماه ″ايميج ديسكتور” عام 1927م. وصنع جهازاً لإعادة إدماج تلك الخطوط وسماه فيوزر عام 1929م ، وهو الذي سمح فعلياً بصنع التليفزيون الالكتروني.

 

 

 

 

بروميثيوس يسرق قبس من هذه النار المشتعلة لا تنطفأ ويهرول بها الى معبد دلفي حيث تحافظ عليها العذارى ويطلب منهم أن يأخذ قبسا من النار من الفانين البشر، يجلب وعائه إلي المعبد ليأخذ فيه بعضاً منها.

 

 

 

 

ليل داخلي فى منزل فرانسوورث، يجرى تجربته الأولى يضع جهازه فى طرف ويجعل في الطرف الآخر جهازاً يُشبه لمبة الإضاءة، يقدر على تحويل تلك الخطوط التى ينتجها الأول إلى موجات. وفي غرفة ثانية، وضع فيلوفرانسوورث ما يشبه الشاشة لاستقبال الصورة. وعند تشغيل الأجهزة، انتقلت صورة الخط المرسوم في المربع إلى الغرفة الثانية.

 

 

 

 

معجزة  أداة تقطيع الصور إلى خطوط الكترونية تعمل، وكذلك جهاز تحويل تلك الخطوط إلى موجات كهرومغناطيسية، تُشبه موجات الراديو. لدينا ناقل للصورة عبر الموجات كالراديو تماما.

 

 

 

 

 

 

وجد التليفزيون لنقل الصور والمعارف لتقريب الثقافات المتباعدة ولتحقيق مزيدا من التسامح بين البشر، فالانسان عدو ما يجهل، تخيل الشاب الامريكى الصغير أنه يقدم عملا جليلا للإنسانية لقد أتى إليهم بابتكار يكشف لهم إلى أى مدى يتشابه الناس فيما بينهم رغم اختلاف الأديان والثقافات والأعراق، ابتكار سيأتى لك فى منزلك بقصص الصين والنرويج والهند فى مكان واحد وأنت لم تغادر منزلك ، إه خير كامل للبشرية . كيف يمكن أن يُساء استخدامه؟

 

 

 

 

ليل خارجى ، قمة جبل الأوليمب، زيوس ثائرا تتطاير الشرر من عينية، يردد إلى هيرا ، كيف يفعل ذلك ؟ أيخالف إرادة ملك السماء والصواعق، إنه لا يعرف البشر وسوف يندم.

 

 

 

 

وفي عام 1939 نال فرانسوورث براءة اختراع كرست إسهامه في ابتكار التلفزيون وتوالت الابتكارات بعدها فى دمج الصوت والصورة وصلت بالتليفزيون إلى شكله الرقمى الحالى.

 

 

 

 

يدخل هفستوس ملك الحرفة والصناعة مهرولا ينتظر أمراً من زيوس، يخاطبه زيوس قائلا: أريدك أن تصنع لى أجمل فاتنة سمها باندورا أريدها نموذجا بها الجمال والإقناع وعزف الموسيقى، أعطيت باندورا الكثير من الهدايا من أفروديت وهيرميز والكارايتات وهوري.

 

 

 

 

 

 

حذر بروميثيوس شقيقه إبيميثوز غير أن إبيميثوز لم يصغ وتزوج باندورا التي كانت تمتلك صندوق أعطاها زيوس إياه، وأمرها ألا تفتحه، غير أن باندورا فتحت الصندوق وخرجت كل شرور البشر منه.

 

 

 

 

من حيث المحتوى تنوعت أنماط وأشكال متنوعة من البرامج والمسلسلات، وتزايج استهلاك البشر، واتضح أن الجهاز العبقري، ليس مجرد آداة للتعليم والتثفيف وحسب، بل هو مشروع رأسمالى مربح أكثر من الإتجار بالمخدرات أو السلاح، فهناك الاستهلاك والترويج والإعلان، الناس تصدق التليفزيون، الناس أحبت الابتكار الجديد وأقبلت عليه، ورأس المال يجنى الأرباح فيتوسع أكثر وأكثر، والصندوق ممتلئ لا ينفد.

 

 

 

 

 

 

تشير الدراسات إلى أن الدراما التليفزيونية تتربع على عرش المحتوى بنسبة 80% ، وفى 300 حلقة أبدع الكتاب فى صياغة قصص الحب والارتباط واكتشاف الارتباط وإخفاء الارتباط وفك الارتباط وإعادة الارتباط فى مصفوفة رياضية تجعل جميع أبطال العمل الدرامى يرتبط ويفك الارتباط ويكتشف الارتباط ويكذب الارتباط ويعيد الارتباط بجميع بطلات العمل على نحو هندسى رياضى محكم، لقد فهم المعلنون أن هذه القصص وحسب دون غيرها ما تلقى المشاهدة.

 

 

 

 

أما ما يرتبط بكل هذه الارتباطات فهى إعلانات استهلاكية لمستحضرات تجميل لتنعيم وتخفيف وتثقيل وتطويل وإطالة واستطالة وإدارة واستدارة جميع مفردات وثنائيات الجسم البشرى، وفى الأثناء بين الاعلانات عن المنتجات والإعلانات عن بداية الإعلانات والإعلانات عن انتهاء فقرة الإعلانات.

 

 

 

 

لكن هذا ليس بكاف، المنافسة شديدة والجمهور يمل بسهولة، فلنبحث عن جديد فى الصندوق،  أب اغتصب ابنته المراهقة مرارا وها هى حامل فى طفل؟ ممتاز ذيييييع … نفرد لها ساعات من التغطية الإعلامية وتستضيفها المذيعة اللوذعية ونضع تراكات موسيقى حزاينى.

 

 

 

وها هى حالة أخرى لعجوز شاذ جنسيا يقتله شاب قام بزيارته وممارسة الجنس معه، قبل أن يقتله ويسرق محتويات الشقة ويلوذ بالفرار ممتاز ذيييييع ..

 

 

 

 

ننتقل لمكان الحادث  ونغطى ونعمل إنترفيوهات حصرية لسكان المنطقة .. وها هى حالة أخرى لمجموعة مراهقين اغتصبوا صديقهم وألقوا به فى مبنى مهجور وهكذا تتسارع الكاميرات تحت ضغط المنافسة واللهفة وراء المشاهدة ومن ورائها الإعلانات لتنقب فى الصندوق عن كل ما هو بذيء وشاذ ومريض ، لتقتل فى المشاهد أى شعور بإنسانيته وتغرس به على المدى الطويل نفسية الغابة حيث سفك الدماء والتوحش هو القانون.

 

 

 

وبانتهاء فقرة المأساويات تلك، تقرر المحطة الترفيه عن الجمهور، موسيقى؟ لا، لا تكفى، بل نشعل الموسيقى ولا تشغل بالك عزيزى باسم الأغنية أو بكلماتها الجمهور لا يعنيه ذلك هو معنى بالمرأه ومهتم بمشاهدتها عارية مستلقية تصرخ وتتأوه.

 

 

 

 

لم يترك فرانسوورث وراءه سوى مقابلة تلفزيونية منفردة، كرر خلالها انتقاد هيمنة التلفزيون على الحياة اليومية. ووصف ذلك بأنه: ″أمر مؤلم جداً” ولاحقاً، تحدثت زوجته، التي توفيت في العام 2004م، تكراراً عن وجع فرانسوورث من التلفزيون الذي ساهم في ابتكاره وانتشاره.

 

 

 

 

 

 

 

 

وذكرت أنه وصف ذلك الجهاز بأنه ″نوع من الوحوش، متنكر على هيئة أداة للترفيه عن الناس”. ونقلت عنه أيضاً خشيته من أن يُضعف التلفزيون القدرات العقلية لابنه. وفي العام 1971م، توفي فرانسوورث، بعد أن بات شبه منسي!

 

 

 

 

غير أن باندورا بعد أن فتحت الصندوق وتسارعت الشرور لتخرج أسرعت بإغلاقه، ولم يبق فيه إلا قيمة واحدة لم تخرج هي الأمل.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد