لو أنك ممن لم تدركهم  «نوبات الهلع» بعد فأنت محظوظ، إن كنت تعتقد أنني في مقالي هذا سأوافيك بالحل فأقول لك آسفة أنني لا أعرفه، نوبات الهلع أو ما يدعى بالـ«panic attack» هي نوبات مفاجئة تأتيك عادة وأنت في راحتك لتقول لك أنك لست آمنًا بهذه البساطة، وأنه عليك أن تنتبه لأنه ليس عليك أن تكون آمنًا في شعورك حتى بعد أن فقدت بداية أمانك الداخلي، هو شعور يباغتك بإحساس بأن روحك قد بلغت الحلقوم وأن ضربات قلبك تتسارع وأنفاسك تتباطأ، كل شيء يسير كما لا ينبغي.

ربما يشعر المرء أحيانًا أنه ليس آمنًا في سربه، وأن الدنيا لم تكن له بحذافيرها، وأنه فقد أهم ما يمنحه الشعور بالاطمئنان، ولكن ماذا إذا كان هذا الشعور ليس مجرد شيء خارجي أو أنه لا يتوقف عن مجرد التفكير به إنما يقتحم داخلك ليسيطر عليك بالكلية، فلا تستطيع التفكير أو النوم حتى مشاعرك تضطرب حينها، كأنه شعور بالإعدام ولكن يتوجب عليك مواجهته والتعايش معه.

المشكلة ياصديقي في أنك تواجهك مشاكل عدة تتهرب منها فتأتيك بكل أريحية في هذه الصورة لتملي عليك الجلوس معها، ابكِ ما أردت ولكن لن يمنحك هذا الشعور الذي تريده ولن يجعلها تهرب منك أبدًا.

يبدو أنه كتب عليك أن تصاحبها، أن تكون رفيقها الدائم، أتذكر أنها كانت تباغتني ليالٍ طوال إلى الحد الذي لا حد معه، حيث لم يكن هناك نوم ولا دراسة ولا جلوس مع الأهل، فقط السير لمسافات طويلة ذهابًا وإيابًا، ومحاولة الحديث – حتى هذه عادة ما كانت تنتهي بالفشل – حتى تعلمت التكيف معها.

قالت لي طبيبتي تعلمي التغلب عليها، خذي نفسًا عميقًا ثم أخرجيه بهدوء وعُدي الأنفاس وكرري هذا الأمر كثيرًا، لا أعلم أين تكمن المشكلة ولكن الأمر مع الأسف الشديد لم يتوقف، ربما لأنني كثيرة التفكير، لكن من قال إن التفكير كالأشياء المادية يمكن التحكم فيها بتلك البساطة، لاتفكري! كأنني أُعطي الأمر للأفكار بالمجيء في هذا الوقت والانصراف في الآخر، فليكن الحديث أكثر تفهمًا للوضع.

على كل حال إن كنت من أصحاب تلك النوبات ياصديقي، إذا تكالبت حولك الأفكار، فانشغل ما استطعت، لكن لا تنشغل بها، اتركها وحالها، وتجاهلها، وأغمض عينيك وابك لكن لا تتوقع أن تتركك فهي كثيرة الأيادي كالأخطبوط، في كل مرة كنت أبكي كنت أتصور أنها ستشفق بي وتتركني لحالي لكن لم يكن الأمر أبدًا كذلك، حتى أدركت أنه حينما نكون كالأطفال كثيري الطلب والبكاء تتشبث بنا الأشياء التي لا نحتاجها وتبتعد عنا حاجتنا، تزداد عندًا وعنفوانًا، فإذا استطعت فاتركها وشأنها وأظهر قوتك في مواجهتها.

أعلم كم هو صعب ألّا تكون آمنًا في شعورك حتى مع نفسك وأنت وحيد، ولكن هذا من خصوص الابتلاءات، ولربما لن يُجمع عليك في الآخرة خوف آخر فنكتفي من هذه الدنيا بهذا الخوف فقط ويتركنا بعد أن نرحل وشأننا، هذا أمر مطمئن وجميل إذا ما تعاهدنا أن نتحمل هذا التعب، يا صديقي لست وحدك فنحن شركاء فاطمئن!

الدنيا رفيقة البلوى والأرض لا تستقر إلا بأن ترانا فيها متعبين، إذ نرفضها فلا تخف لعل الله منجينا وشعورنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد