«كنا عادة نتشاجر كالكلاب والقطط, لكن هذا الأمر قربنا من بعضنا البعض. فلدينا الآن هدف مشترك  والهدف هو مواجهة الكارثة».

هكذا علقت إحداهم على ما يسمى بـ(علة الألفية). وهي الكارثة التي قربتهم من بعضهم البعض, وأبعدتهم عن المشاجرة كالكلاب والقطط.

وقبل التحدث عن التشاجر كالكلاب والقطط، والذي سيتبلور إلكترونيًا مع قدوم العام 2000, لابد أن نتحدث أولًا عن علة الألفية.

علة الألفية يمكنها أن تضرب أجهزة الفيديو, والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وأشياء أخرى كثيرة. والمنجمون يقولون إنها نهاية العالم.

ما هي علة الألفية؟ وما الذي سوف يحدث بحلول العام 2000؟

تتمثل مشكلة العام 2000 في أن الكثير من كمبيوترات العالم ودوائر الرقائق الدقيقة microchip circuitry، وهي الدوائر التي تدير كل شيء بدءًا من آلات صرف النقود الإلكترونية، وأجهزة الفيديو المنزلية وحتى الشبكات الكهربائية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات, تتضمن عيبًا في البرمجة يجعلها عاجزة عن قراءة التاريخ 2000.

فالكمبيوترات عامة تستخدم الرقمين الأخرين فقط لتمثيل العام. وعندما ينتهي عام 1999 عام 99 بلغة الكمبيوتر سيتحول التاريخ في منتصف الليل إلى العام (00) وتتصور الكمبيوترات التي لن يتم إصلاحها أن التاريخ هو 1900. وسيؤدي هذا العيب إلى عدد لا حصر له من المشاكل والاختلالات في كل المجالات, وليس فقط في المجالات المرتبطة باستخدام التواريخ.

كل جيل يعتقد أنه يشهد نهاية العالم!

كانت مشكلة العام 2000 هي النقطة التي انطلقت منها التنبؤات الدينية, التي تؤكد بأن العالم أوشك على الانتهاء.

وقد ظل الأصوليون المسيحيون ــ بل الأصوليون في جميع الأديان ــ يتنبؤون طوال عقود عدة بأن هذا النوع من الانهيار الشامل للمجتمعات أصبح على مرمى حجر.

المثير للدهشة أن هذا النوع من التنبؤات (والنزعة الدينية) لطالما ارتبطت  بالاختراعات الحديثة!

فعندما انطلق أول قطار في تاريخ البشرية, نشر أحد رجال الدين الإنجليز بحثًا يقول فيه إن هذا القطار ضد الدين, الناس قد أصابهم الغرور لأن القطار لم يرد في الكتاب المقدس ومعنى ذلك أن الإنسان يعرف أكثر مما يعرفه الأنبياء, وطالب القس بالقضاء على هذه الخرافة التي تحطم العلاقة الإنسانية والصلات الروحية بين المؤمنين.

هل نهاية العالم مرتبطة بخلل تقني فقط؟

تظهر على السطح بين الحين والآخر, مثل تلك التوقعات المفتعلة على غرار (مشكلة العام 2000).

فهناك من يروج الآن لمشكلة العام 2038! ومن دون أن نخوض في تلك المشكلة المزعومة.

أعتقد أن انتهاء العالم متوقف على خلل في عقل الإنسان؛ سوف يؤدي إلى خلل في كل أدواته. فهلاك الإنسان يتوقف على عبث استخدامه لتطوره, وليس بسبب التطور في حد ذاته!

وهناك رأي يعبر عن ما أقصده بصورة أوضح، فيقول (إدوارد يارديني) ــ من أكبر الاقتصاديين في الولايات المتحدة ــ «صحيح أن ما أغرق التايتانيك هو تلك الضربة التي تلقتها في منتصفها من جبل الجليد فانفجر برشام اللحام. لكنه لم يقطعها مثل فتاحة العلب فقد كان برشام اللحام معيبًا. والآن اعتبروا الكمبيوترات برشام لحام الاقتصاد الكوني. وهي معيبة. لكننا ننطلق بأقصى سرعتنا في قلب الليل في المحيط الأطلسي رأسًا نحو جبل الجليد, بينما البرودة القاتلة في الخارج, ونحن نرقص ونتناول عشاء فاخرًا على سطح السفينة».

دلالات رمزية تثير الهلع أكثر من أي مشكلة (تقنية)!

جاء العام 2000 ولم يأتِ معه ذلك الخلل المتوقع! ولكن قبل نهاية العام 2001 جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لتعلن عن بداية هلع من نوع خاص وطرفا (الهلع) أو الصراع هما (الرأسمالية والإرهاب) وما زلنا نعيش تداعيات ذلك الهلع حتى الآن.

والحقيقة ليس هناك طرف يستحق الازدراء أكثر من الآخر, فكلاهما سواء. فالأمر أشبه بكمان يضرب عليها بقوتين كل منهما مغايرة للأخرى, لإصدار أصوات مشوشة ومضطربة.

في كتاب عنوانه (تاريخ نقدي لسنوات التسعينيات) ناقش الفصل الختامي في هذا الكتاب, ما وصفه المؤلف بـ(عشر سنوات من العولمة السعيدة).

وكوني طفلة في تلك الفترة, فلم أدرك ما هي العولمة ولا السعادة التي تنبثق منها. كنت في بداية رحلتي مع مجانية التعليم, في الوقت الذي ينعم البعض بمجانية العولمة. والآن أستطيع أن أرى بوضوح مَن يعانون مِن مجانية التعليم ومجانية العولمة؛ يتشاجرون إلكترونيًا ــ المشاجرات سالفة الذكر ــ كالكلاب والقطط.

الغريب أيضًا بعد العام 2000 أن عروض شركات الاتصالات أرخص من عروض الحكومة, فيتوفر للمرء القيام بجولة إلكترونية, لكن من الصعوبة توفر الأكل والشرب. هل من سيأتي ويؤرخ ــ بعد ذلك ــ لهذه الحقبة, سيطلق عليها سنوات الإلكترونات الحزينة؟!

أخيرًا؛ الخوف ليس من المستقبل, بل من عدم استعداد الناس, ومن يتحكم في استعدادهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد