تعرفت على ابن عربي من خلال بعض مقولاته التي طالعتها على «السوشيال ميديا»، مما جذبني إلى قراءة كتبه، فذهبت لإحدى المكتبات في صنعاء لأقتني كتابه الفتوحات المكية، لكني فوجئت برد صاحب المكتبة: هذا ملحد وزنديق، لا نبيع كتبه هنا، فاجأني رده وجعلني أبحث أكثر عن ابن عربي، بل أقرأ له كتابه الفتوحات المكية، فوجدت بأن هناك فريقًا من الفقهاء كفروا ابن عربي بسبب فكرة وحدة الوجود.

ما هي وحدة الوجود؟

صدر فكر وحدة الوجود عن حالتين إما نتيجة تأمل فلسفي (أي أن الله موجود في كل شيء) أو عن تجربة روحية وجدانية (أي لا يرى في الوجود أساسًا إلا الله )، فالحالة الأولى أخذ بها الفلاسفة والحالة الثانية أخذ بها المتصوفة، لكن نجد اختلاف تفسيرها أو تعريفها بين الفلاسفة أنفسهم أو حتى المتصوفة.

كما أن فكر وحدة الوجود هي أطروحة تاريخية عالمية غير مقيدة بزمن أو عقيدة معينة، فنجدها في الفكر الهندي القديم، وتمثلت لدى المذهب الرواقي في الفلسفة اليونانية الذين يرون أن الله هو العالم، وبرز في العصر الحديث لدى الفيلسوف سبينوزا وشيلر حيث رأوا أن الله – سبحانه وتعالى عما يصفون – والكون واحد، بينما في التاريخ الإسلامي ظهر فكر وحدة الوجود لدى المنتسبين الى التصوف من أمثال الحلاج وابن عربي وابن سبعين. ونجد أن وحدة الوجود تتباين تفسيرها وتطابق أحيانًا من مذهب الى آخر ومن فلسفة إلى آخرى.

من هو ابن عربي؟

هو محي الدين ابن عربي الأندلسي ولد بمرسية في الأندلس عام 506هـ، أخذ العلم والتصوف عن جملة من علماء عصره، وقد ظهر ابن عربي في عصر ازدهار الفكر والحضارة الإسلامية، وارتحل في العالم الإسلامي حتى استقر به المقام في دمشق، وتوفي بها عام 638هـ، وله العديد من المؤلفات أشهرها الفتوحات المكية انظر (المناري، مناقب الشيخ الأكبر، ص73). لكن هذه المؤلفات سببت انقسام الأقدمين والمعاصرين حوله، وذلك بسبب فكرة وحدة الوجود، بالرغم من أنه لم يستخدم لفظ وحدة الوجود في مؤلفاته، إلا أنه أخذت عليه عبارات من كتابه الفتوحات المكية، مثل فسبحان من أظهر الأشياء، وهو عينها، وقوله كما أن الروح روح لبدنه، فكذلك الحق تعالى روح للعالم، وبالرغم من هذه النصوص المنسوبة له فهناك نصوص مناقضة لها حيث يقول في ذات الكتاب: فلا يجتمع الخلق والحق أبدًا في وجه من الوجوه فالعبد عبد لنفسه، والرب رب لنفسه، وكذلك وصف من يقول بالحلول بجهل الحقائق، فقال إن الله لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء، إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ويقول في موضع آخر: أنت أنت، وهو هو، فاحذر أن تقول كما يقول العاشق: أنا من أهوى، ومن أهوى أنا. ومن خلال هذه العبارات نرى تناقض نصوص ابن عربي في المؤلف الواحد، وهي أهم إشكالات كتاباته حيث تتسم بالتعقيد، ومنهجه مركب من عناصر شديدة التنوع والاختلاف؛ مما يصعب تفسيرها وفهمها.

موقف الفقهاء من ابن عربي؟

أشهر موقف للفقهاء كان من شيخ الإسلام ابن تيمية – وذلك بحكم قرب المسافة الزمنية بينهما – حيث فسر نصوص ابن عربي بمنهج النظر الفلسفي العقلي؛ فاعتبر نصوص ابن عربي تمثل وحدة الوجود ويقول ابن تيمية فإن قالها عن نشوة ذكر فلا شيء عليه، وإن قالها وهو في صحو عقلي حوسب عليها، كما اعتبر أن ابن عربي أول من ظهر منه هذا الفكر مخالفًا لأهل التصوف حيث جمع بين الفلسفة والتصوف، ويرى الباحث أبو الوفا الغنيمي أن ابن تيمية لم يفهم أيضًا كثيرًا من عبارات ابن سبعين القائل بالوحدة المطلقة، ورد عليها بناء على فهمه الخاطئ.

ولقد سار أغلب الفقهاء على فهم ابن تيمية لنصوص ابن عربي، ومن هنا ظهر تكفير ابن عربي نسبة لفهم نصوصه بالمنهج العقلي لفكرة وحدة الوجود.

هل هناك من الفقهاء من له رأي آخر؟

هناك فريق من الفقهاء دافعوا عن ابن عربي وأبرزهم جلال الدين السيوطي ألف كتاب بعنوان تنبيه الغبي إلى تتريه ابن عربي، كما ذكره الإمام ابن مسدي المعاصر له بالفضل والعلم وأيضًا سبط ابن الجوزي، كما ترجم له ودافع عنه الفيروز آبادي صاحب قاموس المحيط، إضافة الى ابن حجر الهيثمي والمقري في كتابه نفح الطيب. وهناك فريق ثالث من الفقهاء لا يعتقدون بابن عربي ولا ينتقدونه ومن هؤلاء الإمام النووي.

الخلاصة:

نستخلص مما ذكرناه إن نصوص ابن عربي فُسرت باتجاهين الاتجاه الأول هو الفلسفي العقلاني وهو ما أخذ به فريق ابن تيمية فتم تكفيره، وأما الاتجاه الثاني هو التجربة الروحية الوجدانية وأخذ به الفريق الذي دافع عن ابن عربي، أي أنها تجربة قلبية لابن عربي مستدلين كذلك بنصوصه التي تناقض فكرة وحدة الوجود.

لكن نلحظ بأن ابن عربي اختزل في عباءة الصوفية ولم يتناول كفيلسوف، وهو عكس تناول الباحثين الغربيين له حيث يرون بأن ابن عربي أثر في الفلسفة الغربية ويرجحون أن هيجل تأثر به لكثرة نقاط الالتقاء بين فكر ابن عربي وفلسفة هيجل المثالية، كما أنه حظي باهتمام ودراسة كبار الباحثين الغربين انظر (هدى مطاوعة، ميراث الأمة المنسية ابن عربي).

سيظل ابن عربي محل جدل دائم بين الباحثين، ولكنه رمز من رموز الحضارة الإسلامية، أو كما قيل إذا كان هيجل من فلاسفة التاريخ فإن الشيخ محيي الدين بن عربي أستاذ فلسفة التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الوجود, وحدة

المصادر

تحميل المزيد