“قد يبدو مبدأ غريبًا ليُصرّح به المرء بوضوح: المطلب الأول الرئيسي لأي مستشفى هو ألا يتم الإضرار بالمرضى”.

-رائدة التمريض الحديث فلورانس نايتينجيل

 

قديمًا، قِدم أجدادنا المصريين القُدماء أنفسهم، كانت فنون الطب والتمريض تَلقى اهتمامًا كبيرًا بين عموم المصريين وفراعنتهم؛ فالنقوش التي اكتشفت في العصر الحديث بيّنت بوضوح كيف تفوّق أجدادنا في العناية بالمرضى وذوي العاهات، حتى إنهم كانوا أوّل من صمّم كرسي الولادة الذي تجلس عليه السيدات أثناء عمليات الولادة.

كما أن أمحتب أو “إله الطب” مثلما كان يَدعوه القدماء المصريون، قد أقام معبدًا خصّص فيه بعض حجراته لإقامة الشعائر والطقوس الدينية والبعض الآخر لمداواة المرضى، وتعليم مهنتي الطب والتمريض، ناهيك عن تخصيص بعض حجرات أخرى لتحضير الأدوية والعقاقير والمواد التي تستخدم في عمليات التحنيط.

لذا، لم يَكن غريبًا أن يُطلق على مصر قبل 3000 عام لقب “بلد الأصحاء”؛ فكيف لبلد مثلها يولّي أهلها عناية قصوى بمحاولة إيجاد علاج للأمراض المستعصية وقتذاك، وتدوين آلاف الكتب التي تصف الأمراض وطرق علاجها وتشخيصها، تتداولها الأجيال تلو الأجيال، أن يَمرض فيها أحد؟!

ولكن، على ما يبدو، فإن كل هذا التاريخ المشرّف أصبح نسيًا منسيًّا بعد مرور كل هذه القرون؛ فـ “بلد الأصحاء” سابقًا باتت حاليًا مستوطنًا للأمراض، ويتمنى المريض فيها أن يموت سريعًا قبل أن يتعذّب من الإهمال والبيروقراطية والفساد، وأيضًا الجهل والفهلوة، وغيرها من آفات المجتمع المصري الحالي.

ولم يَعد غريبًا على الإطلاق قراءة خبر بإحدى الصحف المحلية يتحدّث عن واقعة إلقاء سيارة إسعاف تابعة لمستشفى جامعة طنطا لرجل مسنّ في أكوام القمامة أمام المستشفى للتخلّص منه، ليظلّ بين هذه الأكوام لأكثر من 24 ساعة بعد أن رفضت إدارة المستشفى دخوله أو استلامه لأنه “مجهول الهوية، ولا يوجد معه ما يستدل به على شخصيته”! والأغرب من هذا، لم يتم محاسبة أي مسؤول حتى كتابة هذه السطور، ولم يتم إقالة مدير المستشفى أو وزير التعليم العالي بوصف هذه المستشفى تابعة لجامعة طنطا، ولا نتوقع أن يحدث شيء جديد في هذا الأمر!

 

ولم يَعد غريبًا أيضًا علينا نحن جموع المصريين، أن نقرأ خبرًا مماثلاً عن لفظ مريض بمستشفى معهد ناصر أنفاسه الأخيرة بسبب عدم توفير غرفة عناية مركزة له، لأنه وبكل بساطة، لا توجد أماكن خالية في “العناية المركزة” بالمستشفى الحكومي؛ مما أدى إلى انتظار المريض 7 ساعات قبل أن يَلقى ربه. والأدهى من هذا، ردّ إدارة المستشفى على المراسل الصحفي لإحدى الجرائد الخاصة معلّقًا على هذه الواقعة، بأن “المريض وصل المستشفى في حالة متأخرة للغاية، وأنه حال ثبوت تقصير، سيتم محاسبة المسؤول عنه”!

وعلى الرغم من صدور قرار قبل أسابيع قليلة يُلزم جميع المنشآت الطبية الجامعية، والخاصة، والاستثمارية ،والمستشفيات التابعة لشركات القطاع العام، وقطاع الأعمال العام بتقديم خدمات العلاج لحالات الطوارئ والحوادث بالمجان لمدة 48 ساعة، قبل تخيير المريض بعدها أو أهله في البقاء بالمنشأة على نفقته الخاصة وبالأجور المُعلن عنها، أو النقل الآمن لأقرب مستشفى حكومي تتحمل فيها الدولة تكاليف العلاج، إلا أن تلك المستشفيات ابتكرت بدورها طريقة خاصة للدوران والالتفاف حول هذا القرار، فبكل بساطة إذا كانت هذه المستشفى استثمارية أو خاصة وعرفت أن المريض لا يملك مالاً، يقولون له أو لذويه: لا توجد أماكن أو أسرّة خالية في غرف العناية المركزة، أو للأسف لا يوجد عندنا الجهاز الطبي “الفلاني” الذي يحتاجه المريض، فيضطر المريض أو أهله خوفًا على حياته لنقله إلى مستشفى أخرى، إن لم تصعد روحه إلى بارئها قبل ذلك!

 

ولن يختلف الأمر أيضًا كثيرًا مع المستشفيات الحكومية، فالمسؤول الحكومي بوزارة الصحة لن يَلبث أن يَطلع علينا بتصريح بين الآونة والأخرى، مفاده أن المستشفيات الحكومية تعاني من نقص شديد في عدد الأسرّة والأجهزة والأطباء والأدوية والشاش والقطن وسمّاعات الكشف وصبغات اليود، ناهيك عن النقص الشديد في أدوات التعقيم والجراحة وخلافه، لأن الميزانية محدودة و…

“العين بصيرة واليد قصيرة”!

نصائح قصيرة للمواطن المصري:

– لا تَمرض إذا لم تكن تملك مالاً للعلاج، فعلى الأرجح ستموت بطيئًا في المستشفيات الحكومية لأسباب كُلنا نعرفها، وفي النهاية كُلنا سنموت، لذا يفضّل ألا تعذّب معك أسرتك وأهلك، اكتب في وصيتك أنك تفضّل الموت الرحيم إذا مرضت، فهكذا أفضل لك وللدولة!

– أما إذا ما اخترت خوض رحلة العذاب مع المستشفيات الحكومية، فمَني نفسك دائمًا بأن الجنّة في انتظارك، وكل ما عليك أن تفعله هو أن تَصمد وتتعذّب قليلاً، لأن في النهاية، مصيرك الموت هناك، ولكن سيأخذ الأمر بعض الوقت، اللهم إلا إذا كنت محظوظًا بدرجة كافية، وقامت الحكومة برفع الحرج عنك وعن أهلك، وقالت لكم إنه لا توجد غُرف للعناية المركّزة أو بعض الأجهزة المتخصّصة، عندها ستموت سريعًا، على الأرجح في غضون ساعات!

– وبالانتقال إلى هؤلاء المواطنين المطحونين الذين أصيبوا أو تعرّضوا لأزمات صحية غير خطيرة، فلا يتعجّب أحدكم إذا فقد عضوًا أو أصيب بداء ما إذا ما ذهب إلى أحد المستشفيات الحكومية للعلاج، فالأمر لن يعدو سوى أن يكون خطأ غير مقصود، وفي النهاية “قل لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا”.

– أما إذا كنت من ميسوري الحال – وهم قلّة في هذه البلد- ومرضت مرضًا شديدًا أو تعرضت لحادث كبير، فعليك أنت أو أهلك تدبير سفر عاجل لك لإحدى الدول المتقدمة التي تحترم المريض وتقدّره وترعاه بالقدر الكافي، كما تطوّر هناك أحدث طرق وأساليب العلاج التي لا تحتاج إلى “صوابع كفتة” أو غيره. ويُفضّل ألا تعود مجدّدًا للبلاد، خشية أن يقع لك حادث بجانب إحدى المستشفيات الحكومية، وتضطر الأخيرة إلى استقبالك لأن أحد المسؤولين بالحكومة كان، لحظك العاثر، مارًا وقتذاك يتفقّد الأحوال بهذه المستشفى، عندها “لا راد لقضاء الله” و”ما تدري نَفس بأي أرض تموت”، ولله الأمر من قبل ومن بعد!

– وإذا ما تعرّضت أيها المواطن “الثري” إلى حادث بسيط أو داء يحتاج لجراحة ذات نسب نجاح مرتفعة، فعليك بالمستشفيات الاستثمارية الخاصة، التي على الأرجح، ستنقل لك حالتك على أنها حياة أو موت، ولا تتعجّب إذا ما تم احتجازك بتلك المستشفيات لأيام أو لأسابيع، لأن “صحتك بالدنيا”، ويجب على الخبير الإيطالي ذي الأصول البريطانية والذي يمتلك جواز سفر أمريكي أن يفحصك من قمة رأسك حتى أخمص قدميك، ولا ضير من بعض الحقن الفيتامينية هنا وهناك واستئصال الزائدة الدودية حتى لو لم تَشتك منها، فالأهم سلامتك الآن ومستقبلاً!

ختامًا، يبدو أن الحكومة المصرية تؤمن إيمانًا عميقًا بمقولة “أبو الطب” على مر العصور “أبقراط”:

“التعافي ما هو إلا مسألة وقت، ولكنه أحيانًا، مسألة حظ أيضًا”!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صحة, طب, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد