عندما كُشفت سوءات سيدنا آدم وحواء، فإنهما بشكل تلقائي طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وكأنها محاولة للعودة لمنزلة المقدس مجددًا بعدما عصى آدم ربه وغوى.

ولم يكن ذلك الحل مقبولًا؛ لذلك تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه. وينبغى إدراك المعنى الكامن هنا، فلم يمح خطيئة آدم ورق الجنة الذى اعتبره كل من آدم وحواء أن له قداسة ما ربما؛ بل كانت للكلمات هذا الأثر، والكلمات هى التى تخاطب الوعى، وهى الامانة التى حملها الإنسان، وهى الإيمان الذي وقر فى القلب وصدقه العمل.

ولا يتصرف الإنسان المعاصر بطريقة مختلفة فهو يدارى سوءاته فى كثير من الأحيان بأوراق الجنة تمامًا مثلما فعل سيدنا آدم وحواء عليهما السلام.

وبالرغم من تنوع السوءات التى يحاول الإنسان جاهدًا أن يداريها بورق الجنة، فإن نوعية الورق يختلف بحسب نوع الجنة بين جنة سماوية وجنة أرضية!

فالأمر هو نفسه، فلا اختلاف بين من يدارون سوءاتهم بنصوص من الوحي – الكتب المقدسة – أو من يدارونها بوحي من نصوصهم – القومية – حقوق الإنسان – الديموقراطية – الحرية … إلخ. إنها أبدًا لم تكن قواعد يضعها الإنسان لنفسه كى يلتزم بها؛ إنما كانت مجرد ورقة من ورق الجنة يغطى بها الإنسان سوته فحسب.

فلكي يداري الإنسان سوءات جهله بورق الجنة، فإنه يلجأ للتفسيرات الغيبية، وأما سوءات الفشل السياسي والاقتصادي فيخفيها خلف شعارات الوطنية والقومية.

والعالم الذى يتآمر علينا ويستهدفنا، بالرغم من أن دولنا فى الترتيب الأخير في أغلب مؤشرات التنمية! تلك القومية التى ينبغى ألا تتحدد بماضي الأمة بقدر ما تتحدد بواجبها، ولكننا نهمل الواجب ونداريه بالتغنى بروائع الماضي السحيق الذي نتخيله، وكأنه جنة أرضية!

وأما سوءات الاختيارات والقرارات، فشماعة النصيب التى يعلق عليها الإنسان سوء صنيعه، وسوء تدبيره هى أكبر ورقة من ورقات الجنة التى يستخدمها.

إقرأ أيضًا: النصيب وما أدراك ما النصيب

سوءات بعضها فوق بعض لا يكترث الإنسان بمحاولة علاجها قدر ما يتبع الطريق الأسهل، وهو طريق مدارة تلك السوءات بورق الجنة؛ بقشور القدسية التى يمنحها لنفسه كالدين من دون التعمق فيه وفهم معانيه، ودون العمل به، وبالتالى يتحول إلى مجرد ورقة لمداراة سوءاته، وربما كان ذلك سبب اتهام الدين بذنوب أتباعه الذين يتخذون من قشوره ستارًا لسوءاتهم.

لذلك نحن لا نرى بشرًا يخطئون، إنما نحن دائمًا محاطون بالملائكة الذين ينظرون للبشر من حولهم نفس نظرة الملائكة لآدم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء!

ولعله سيكون من سخرية القدر أن مصير هؤلاء الملائكة سيكون هو نفسه، فسيسجدون – بمعنى التعظيم والتقدير – لذلك الإنسان، بالرغم من سقوطه، وبالرغم من ضعفه، فهو أكثر إنسانية منهم.

إذن المسوح الدينية التي تشبه ورق الجنة لن تدارى سوءاتنا، ولن تكون سببًا لقداسة الإنسان، وعلى المرء أن يدرك أن إلحاق رأيه بالنص المقدس لا يجعل من رأيه رأيًا مقدسًا أبدًا، بل يظل مجرد رأي قد يكون شديد السذاجة والسفه، وذلك لا ينسحب أبدًا على النص المقدس أو أى سمت او مظهر ديني يتخذه ذلك الإنسان.

ويرى الفيلسوف كانط أن المبدأ الأخلاقي الحقيقي هو ما يدفع شخصيتك الانسانية على احترام الإنسان كإنسان، وألا نُسَخِر الآخر لخدمة مصالحنا، وذلك يختلف عن الأخلاق النفعية التى لا يكون فيها الآخر، إلا مادة استعمالية ووسيلة لغاية نعتقد أنها قد تبرر كل شيء، فالخير كما يرى كانط هو ما جاء وفقًا لما يأمر به الواجب بغض النظر عن نتائجه، فالمعيار لا يصح أن يرتبط بما يحققه الفعل من لذة ومنفعة تعود عليه، ولذلك فالإنسان لديه الإرادة، وهو كائن حر لا تتحكم فيه القوانين الطبيعية والحتميات المادية، ولو كانت دوافع السلوك الأخلاقي هى الأهواء والرغبات أو المصالح، فإن ذلك يُفسدها حتمًا.

  ارتكاب الخطيئة عمل إنساني .. لكن تبرير تلك الخطايا عمل شيطاني. ليو تولستوي

لم تكن الإشكالية فى الخطأ؛ فذلك جزء من الطبيعة البشرية، بل كانت الإشكالية، ولا تزال دائمًا فى مُدارة ذلك الخطأ بأوراق الجنة سماوية كانت أم أرضية.

وربط القيم الأخلاقية بمنافع مادية ودنيوية أدى إلى هشاشة تلك القيم وانهيارها عند أول بادرة من بوادر عدم الحصول على مبتغانا، فكثيرًا ما توضع قوانين صارمة تحث على العمل الأخلاقي، وتربطه بالعائد، والذي لا بد وأن يتحقق! بالرغم من أنه على العكس تمامًا، كثيرًا ما يؤدي بنا الفعل الأخلاقي إلى الخسارة والفشل والتضحية بمكتسبات مادية ودنيوية، وأى فعل أخلاقي يعود باللذة والمنفعة على صاحبه فسيفقد قيمته الأخلاقية بلا أدنى شك.

وينبغي الكف عن إخفاء السوءات بورق الجنة، وأن يدرك الإنسان كما أدرك آدم أن الكلمات التى تلاقاها من ربه هى التى ستتوب عليه، فهى لباس التقوي ولن يغنيه ورق الجنة شيئا. يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. [الأعراف:26]

ذلك الصدق مع الذات ومواجهتها بحقيقتها دون مبررات واهية، ودون التمسح بقيم مقدسة لا تكون إلا حجابًا يدارى سوءاتنا النفسية والاجتماعية والسياسية … إلخ، قيم لا نلزم بها أنفسنا بقدر ما نستخدمها للحصول على مزايا ومكتسبات.

وبداية التغيير الحقيقي تبدأ من التوقف عن خصف أنفسنا بأوراق الجنة، وأن نُصغى جيدًا، وبتدبر لتلك الكلمات التى تلقاها آدم ونحن من بعده؛ لأنه الهدى الذي إن اتبعه الإنسان؛ فإنه لا يضل ولا يشقي، وذلك كى يتوب الله علينا، إنه هو التواب الرحيم.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إنسانيات, دين, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد