ما زال مسلسل حرب النجوم يعرض على شاشات تلفازنا، ما زالت عوالم الفانتازيا الخيالية الأخرى تعرض داخل أفلامنا، بعيدًا عن ملياراتِ النجوم والكويكبات المُتعددة، بعيدًا عن البلايين من المجرات والثقوب السوداء والعوالم الكونية الأخرى المتوازية والمختلفة، وبعيدًا كل البعد عن عوالم «أسجارد» و«يوتينهايم» و«هجوارتس» و«عالم نارنيا» ومثيلاتها من القصص والخرافات الأسطورية الأخرى، المتمثلة في أفلام الخيال العلمي والمنتقمين والأبطال الخارقين وما غيرها، هناك عالمٌ متفردٌ بالسيطرة الحالية للتلاعب بأذهاننا دون أن نعي أية معية أو اهتمامًا لذلك، العالم الوحيد الذي يتلاعب بنا عن بكره أبينا دون أن نشعر، العالم الموازي الذي نعيشه وندخل عليه يوميًا بأعدادٍ غفيرة، إنها «السوشيال ميديا».

السوشيال ميديا والمتمثلة أغلبها بالطبع في «فيس بوك وتويتر والإنستجرام والواتس» ومثيلاتهم الأخرى من الحسابات والمتصفحات المختلفة، التي هي بالطبع تستحوذ حاليًا على أذهاننا ومعظم تركيزنا ووقتنا ومجهودنا، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جميعها جزءًا من حياتنا اليوميه شئنا أم أبينا، بل لقد أصبح للكثير منا بضع حسابات أحيانـًا على المتصفح الواحد، السوشيال ميديا هي ما نبدأ به يومنا وآخر ما نفعله قبل أن نخلد للنوم أحيانـًا، معظمنا لا يستطيعون النوم بعيدًا عن جوالاتهم، حتي فاق إدماننا لها إدمان الكحوليات والتدخين والمخدرات، ربما يفوق إدمانها أيضًا حد إدمان تناول الطعام، حد إدمان الحلويات والسكاكر.

الفيس بوك الذي أنشأه «مارك زوكيربيرج» كمشروعه الأمثل ليكون فقط وسيلة للتواصل الاجتماعي على العالم الافتراضي الذي أُنشئ عليه آنذاك، ولكن بدلًا من ذلك فقد حدث ما لا يُحمد عُقباه، قد حدث العكس تمامًا، تركنا أقاربنا وأصدقاءنا، تركنا تواصلنا الفطري والطبيعي مع بعضنا واتجهنا للمعايدات والتهنئات والاتصالات الإلكترونية التي قد نفعلها فقط ونحن جالسون على مؤخراتنا دون أي مجهود يُذكر، أصبحت مشاعرنا إلكترونية بحتة، يكفي أن تضغط على تعبير «إيموشن» حتى تُرسل ابتسامة أو ضحكة أو حتى تُظهر كَم الحزن الذي أنت فيه، يكفي أن تقوم بنشر منشورٍ مُعين لتبين كيف تشعر أو كَم أنت سعيد أو عدد الأماكن التي زُرتها أو مقدار البؤس والحزن الذي تعيشه.

يا الهي! مارك زوكربيرج هو بالتأكيد يستلقي الآن على حوضِ السباحة خاصته، يستغل وقته ومجهوده في شيء مميز كالقراءه والاطلاع على سبيل المثال أو مشاهدة أي محتوي مثري وممتع، يتناول فطيرة من التوت البري ويشربُ عصير البرتقال الطازج ويداعب كلبه من الفصيله النادرة، فقط ينظر بين الحين والآخر إلى شاشته العملاقه ليرى كم الدولارات التي دخلت حسابه بمجرد دخولنا إلى عالمه الافتراضي الذي أنشأه، ينظر فقط إلى كم العُتاه والمخبوليين يتصفحون موقعه الإلكتروني ببلاهة تفوق الواقع بأكمله دون أي تفكير يُذكر.

استخدامنا لذلك العالم الموازي يفوق قدراتنا واحتمالنا، فيكفي أننا نتصفحه ونزوره يوميًا، بل لا نكاد نتركه بالمرة، العالم الموازي هو إهدارٌ للوقت في حد ذاته، الوقت الذي نضطر فيه لمشاهده حياة الآخرين على التايم لاين أو مشاركته على محتوياتنا أحيانـًا، هو إدمانٌ ومرضٌ في حد ذاته، فقط يلهينا عن قراءة شيء مميز أو إنجاز أي شيء فعال وملهم، الأمر يزدادُ يومًا بعد يوم، فقد نجد أننا قد نضطر إلى متابعة أشياء والاهتمام بها وقد كنا نبغضها يومًا ما، نجد أنه يزداد اهتمامنا بمنشورات وإعجابات وتعليقات معينة، بل متابعة صفحات أو أشخاص لم نكن نظن أننا سنتابعهم يومًا ما، لكن فضولنا وكثرة ظهورها أمامنا هما ما أديا لذلك.

ناهيك أنه كفيلٌ بإصابتنا بالإحباط واليأس اليومي والكآبة عن طيب خاطر، فقد نشعر بالتوتر أحيانـًا إذا نفذت بطارية هاتفنا، نضطر أيضًا إلى اصطحابه معنا في دورات المياه ونصطحب الشاحن معنا طوال الوقت، معظم الوقت قد نجد أنفسنا أمام عشرات الصور والمنشورات التي تظهر كم أصدقائنا مرحى وسعداء بالأماكن التي تواجدوا بها، حياتهم الصاخبة والمليئة بالمتعة والسفر والرحلات، بالأكلات التي يأكلونها، الحفلات والأعياد التي يقيمونها، نحن نقارن حياتنا البائسة اللعينة بتلك اللحظات التي نراها، قد يصيب ذلك أغلبنا باليأس والإحباط وعدم الرضا مقارنة بما يراه، أليس كذلك؟

العالم الموازي قد يجعلنا عادهً نتعامل مع بعض الأشخاص عديمي الفائدة، بعض الأشخاص السُمج والبلهاء، مُتخلفي المجتمعات الساقطة ومُتصفحي محتويات السوشيال ميديا والمنتديات الهابطة، كَم كبير من المحتويات والحسابات المزيفة الوهمية، التي تصيبنا بضحالة الفكر وانعدام الأخلاق والغوغائية والحماقة الأبدية يومًا بعد يوم، الكثير أيضًا من المنتديات والمواقع والصفحات والمعلومات التافهة عديمة النفع التي نجدها لقاء المشاركة المستمرة عليه، كم كبير من الجدالات والصراعات السياسيه والكروية والدينية التي لا تنتهي ولا جدوى منها ولا نفع.

العالمُ الافتراضي يصبح حياتنا بأكملها، انظر إلى ما يقوله لك فيس بوك دائمًا ويظهره أمامك «ما الذي تود مشاركته؟»، انظر إلى ما يرشحه لك دائمًا «أشخاص قد تعرفهم!» هو بالتالي يُرغمنا على مشاركة أفكارنا وصورنا وحياتنا بأكملها على مختلف سيرفراته وخوارزميته، هو يتلاعب بنا، لا نحن من يتلاعب ويتحكم به.

الجديرُ بالذكر أن ترك العالم الموازي قد يكون أكبر شيء إيجابي وفعال قد فعلته بالمرة طوال حياتك، ترك العالم الافتراضي كفيلٌ بأنه يضمن لك إقامه حياة اجتماعية خالية من الصخب والمزيفات، خالية من الضغوط والكبت والتوتر، خاليهٌ من الكذب والأوهام والغوغائية، قد يضمن لك مكالمة الآخرين والتحدث إليهم ومشاركتهم حياتهم الفعلية والاستفادة الحقيقيه من كل وقتك وعدم إهداره، يضمنُ لك بالتواصل الحقيقي بالأشخاص المقربيين من حولك، والتعامل معهم بجدية وبصورة حقيقية مؤكدة ليس بها نوع من الزيف ولا الرياء، قد لا أنصحكم بالترك الدائم له أيضًا، فقد يبدو ذلك صعبًا من الوهلة الأولى على أغلبنا، ولكن قد أنصحكم بالمجازفة بالقليل من الابتعاد فقط لفترة موجزة، لعدة أيام أو شهور أو ربما سنوات، لتلاحظ الفرق بنفسك، فترة ربما تستعيد فيها عافيتك التي قد سلبت منك مسبقـًا، قد تستعيد حياتك التي تم التلاعب بها والتحكم فيها، حاول يا عزيزي أن تتركه حتى يتركك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد