وقفت أنظر إليه بانبهارٍ شديد وأفكر، من هذا الشخص؟ ومن أين أتى بكل تلك الشجاعة والإقدام لكي يتقدم للإمامة في وجود كل تلك اللحى المعفاة، والتي ملأ أصحابها ما يقرب من ثلاثة صفوف في مسجد عُرف عنه أنه تحت سيطرتهم، تقدم بثبات رغم كل تلك النظرات التي ترمقه بشدة ربما مقتًا أو غيظًا أو استخفافًا أو إنكارًا أو على الأقل تعجبًا، أما أنا فأخفيت إعجابي به وابتسامتي، والتي ربما كانت تشفيًا في هؤلاء الذين يعتقدون أنهم ورثوا الإمامة دونًا عن الناس، وأنهم أكثر تدينًا وفهمًا للدين من أهل هذا الحي الفقير مالًا وعلمًا.. والحقيقة أنني لا أُنكر عليهم لحاهم فهي سُنة بنص حديث النبي صلَّى الله عليه وسلم، ولكن اعتراضي على فكرة أن الإمامة أصبحت حكرًا على أصحابها، كل ما عليك فعله لتصبح إمامًا أن تطلق لحيتك، أينما توجد اللحية تقدم صاحبها للإمامة، إما بدعوة من الناس وإما تسلطًا عليهم.

نعود إلى صاحبنا والذي تقدم بثقة الذي يعلم ما عليه فعله، نظر إلى الخلف محل الأقدام.. قال استقيموا يرحمكم الله.. رفع يده.. كبر تكبيرة الإحرام.. حرك شفتيه بدعاء بداية الصلاة دون جهر به.. عيناي ترمقه دون أن تطرف.. توقفت شفتاه عن الحركة للحظة.. أغمضتُ عينيَّ استعدادًا للاستمتاع بهذا الصوت الذي رأيته ملائكيًا قبل أن أستمع إليه، ربما يشبه الشيخ عبد الباسط أو ربما مشاري بن راشد، لا لا أظنه السديس، ربما لا تنبع ثقته من جودة صوته، فلربما الرجل أفضلنا علمًا بأحكام التلاوة وعلم القراءات.. “الحمد لله رب العالمين”، قرأها قاطعا بصوته صوت أفكاري، “الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين…” إلى آخر آيات السورة التي إن سألت عنها أي طفل في الثالثة من عمره لقرأها أفضل منه، ليته لم يقرأ..

ليت أنفاسه الأخيرة خرجت بعد تكبيرة الإحرام.. لظل في نظري وليًا إلى يوم الدين.. لأقمت له مقامًا في موضع الإمام هذا ولجاءه الزوار والدراويش من كل مكان.. لنشرت قصته أينما ذهبت ولأصبح بطلًا قوميًا.. اللعنة على مخترع الميكروفون، لو علم أن اختراعه سَيُسهم في نشر صوت ذلك الرجل ما فكر في اختراعه.. لن أحدثكم عن شناعة الصوت ولا كمّ الأخطاء التي في القراءة، سأكتفي بقول أن كل شيء كان خاطئًا، هذا يصلح لأي شيء آخر إلا الإمامة أو ربما لا يصلح لشيء. فكرت أن أنسحب من الصلاة إلا أنني عدلت عن الفكرة، وفي تلك اللحظة جاءني هاجس، ما الذي دفع هذا الرجل لهذا الفعل؟ جاءني الرد من داخلي بصورة تعجبت منها، وكأن عقلي انقسم إلى نصفين أحدهما سأل, والآخر أجاب.. وكانت الإجابة: “بارانويا الجهلاء”!

ماذا؟! وهنا بدأ النصف الذي أجاب يبرهن على إجابته، استحضر عقلي كل المواقف التي حدثت معي في الفترة السابقة، تذكرت مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يغترون بأنفسهم لأن متابعيهم أصبحوا بالآلاف, أو أن منشوراتهم لاقت أصداء واسعة بين الناس، وتذكرت ما نشرته إحداهن على أحد هذه المواقع عن تهديدها لأحد العاملين بأحد محلات “الإكسسوارات” بأنها ستُشهر بهذا المحل على مواقع التواصل نظرًا لشهرتها إن لم ينفذ ما تريد.. وأنا لا أتحدث هنا عن المخطئ بقدر ما أتحدث عن الفكرة.. فكرة “أنت متعرفش أنا مين؟!” أو “أنت متعرفش أنا ممكن أعمل ايه؟”. الناس تسير خلفنا.. يقلدوننا.. نحن أصحاب نفوذ.. نستطيع تحريك الجماهير ضدكم.. أنا هنا أتحدث قطعا عن فئة معينة من هؤلاء المشاهير وليس الجميع, فهناك من يحترمون عقول الناس ويستحقون المتابعة.

هذه الفئة من مشاهير مواقع التواصل لا يختلفون كثيرًا في رأيي عن ذلك المطرب الشعبي الرديء الذي نسمعه في وسائل المواصلات يغني ليلًا ونهارًا عن الحياة التي تتعمد إذلاله, وكيف أن الظلم يلاحقه أينما وجد، والغدر يأتيه من أقرب الناس إليه وربما هو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره..

هم لا يختلفون حتى عن سائق التاكسي نفسه الذي يوهمه خياله المريض أن كل الناس تنظر له في “أكل عيشه” وتحسده على هذا “التاكسي أو الميكروباص”، فيكتب عليه إحدى الجمل التي “تُخزي العين” من عيّنة: “متبصليش يا عبيط دانا جايبه بالتقسيط” أو “مش هيعرف يبقي زيك هيكره الناس فيك”..

مواقف كثيرة جالت في خاطري ونتعرض لمثلها جميعًا بشكل يومي ولكن لا نفكر بها بهذا المنطق.. أتذكر أن أحد أصدقائي أقسم لي يومًا أن لديه القدرة والكفاءة لتدريب “ريال مدريد” والحصول على بطولات معه أكثر من مدربه الحالي.. يا لسذاجة فلورنتينو بيريز! ينفق كل هذه الملايين على هؤلاء المدربين الحمقى وصديقي لن يكلفه أكثر من علبتي سجائر، وستة فناجين قهوة يوميًا وإيجار السكن.

ثم تذكرت قريبي الذي حاول جاهدًا إقناعي بأن سحابة كانت تظله في سانت كاترين في أوقات الذروة والحر الشديد، وأنها كانت تسير معه أينما ذهب. على حد علمي أن نصف المصابين بالبارانويا في مستشفيات مجانين وطننا العربي يظنون أنهم المهدي المنتظر.. كيف لأطباء الطب النفسي أن يتركوا نبيًا يسير بيننا؟

تتابعت المواقف في رأسي وأصابني الأمر بالذهول، هل المرض منتشر إلى هذا الحد؟ هل جميعنا مصابون؟ هل هناك شخص آخر يكتب مقالًا عن المرض ويستشهد بي؟

سمعت كثيرًا عن ملوك ورجال دولة في تاريخ وطننا العربي أصابهم جنون العظمة، سمعت بمن منع شعبه أن يأكل الملوخية لأنه يفضلها، وعن من اعتقد أنه يملك البلاد والعباد في وطنه وكأنه ورثهم عن أهله، وسمعت حديثًا عمن قال أنه ملك ملوك أفريقيا وأمير المؤمنين والفيلسوف الأعظم و و و… وحتى من ادعى الألوهية مثل فرعون وغيره.. بطريقة ما يمكننا أن نجد لمثل هولاء بعض الأعذار، فقد يحدث هذا نتيجة اتساع الملك وتمجيد الحاشية وبطانة السوء وإعلام السلاطين، أما البسطاء فماذا يشفع لهم؟ العجيب أن أعراض المرض تتشابه في كل الحالات؛ الغني والفقير, الملوك والعامة… هل هو مرض نفسي أشبه بالأمراض العضوية التي لا تختلف أعراضها بين شخص وآخر، أم أنها حقًا بارانويا الجهلاء أيًا كان موقعهم ومكانتهم؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله.. انتبهت مفزوعًا إلى أن الإمام انتهى من الصلاة التي لم أُتم منها إلا حركات الجسد، كان حنقي على الإمام أشد من الجميع، إلا أنني فضلّت ألا أشارك في لغط ما بعد الصلاة الذي لا مفر من حدوثه، أسرعت لجلب حذائي وعدت إلى بيتي وكتبت هذا المقال..

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد