بين ثلاث طبقات اجتماعية يكشف لنا فيلم «طفيلي Parasite» عن الصراع الطبقي الذي كان وما زال الشاغل الأول للحكومات والسياسات على مستوى العالم، فالفيلم من إنتاج كوريا الجنوبية التي تدين بالرأسمالية من بعد دعم الولايات المتحدة الأمريكية لها في حربها مع كوريا الشمالية منذ خمسينيات القرن الماضي، ويتناول الفيلم ذلك الصراع الطبقي على مستويين أساسيين، الأول هو صراع الغنى والفقر، والثاني هو صراع الفقير والأشد فقرًا.

في الصراع الأول، الفقراء هم الطفيليات التي تهاجم جسد الرأسمالية بالكذب والخداع والتضليل تارة تلو الأخرى، تهاجم الجسد لتتغذى على غذائه، دون أدنى رحمة منها، فقد اختارت العيش كطفيليات رغم ما تمتلكه من مواهب خاصة ومتفردة في حد ذاتها، تمكنها من الارتقاء إلى الطبقات الأخرى في حالة استكمالها لتعليمها وتوظيف مهاراتها في الإطار التنظيمي المخصص لذلك.

هذا هو ما اعتمدته رؤية المخرج بونج جون هو، وفقًا للمدارس الفكرية التي تفسر الفقر، فقد اعتمد هنا على الرؤية الوظيفية للفقراء؛ إذ تنقسم النظريات المفسرة للفقر بين النظريات الوظيفية والنظرية الماركسية، وتفسر المدرسة الوظيفية الفقر بإرجاع الظاهرة إلى السمات والخصائص الذاتية التي يتمتع بها الفرد، فالفقير تبعًا لهذا المنظور فقير لأنه لم يتمكن من توظيف تلك القدرات وعجز بدوره عن استغلال الفرص التي تتاح إليه، حتى أن أصحاب هذا الاتجاه اعتبروا الفقر مسئولية فردية تمامًا، ولم يعتبروا الدولة سببًا من أسباب الفقر.

وكذلك تعتمد الحكومات الليبرالية والرأسمالية تلك الرؤية في تفسيرها للفقر، وفي نمط السياسات التي تتخذها، فالأولى هنا من وجهة نظرهم هو العمل على ترسيخ الوعي المجتمعي المقابل لثقافة الفقر، ففي فيلم «Parasite»، كان الابن كيفن والابنة جيسيكا، من عائلة كيتاك، يمتلكون فرصة لتوظيف قدراتهم من خلال الالتحاق بالجامعة، إلا أن الابن أصر على تأجيل الدراسة بالجامعة على أمل أن يعود لها مجددًا، والابنة كانت لها مهارات خاصة في التصميم والفنون، ورغم ذلك فقد اختاروا طريقهم الأيسر من خلال الطرق غير الشرعية.

الوظيفية في رؤيتها للفقراء

من أبرز علماء الاتجاه الوظيفي هو ماكس فيبر، فقد أكد فيبر على أن الهيكل الاجتماعي يختل في حالة محاولة الأفراد من الطبقات الدنيا تبني قيم وثقافة الطبقة العليا، وقد حدد في هذا الإطار ثلاث طبقات في المجتمع؛ الأولى هي الطبقة ذات الحظوة والثروة، وهي الطبقة التي تمتلك الثروات والأموال ووسائل التعليم اللازمة، والثانية هي الطبقة الوسطى، التي تتكون لديها «مقومات الثروة» ولكنها لا تعمل على توظيفها بشكل كبير وبالتالي لا تمتلك الثروة، كما تمتلك وفقًا لفيبر «إمكانيات الصراع»، وهي الطبقة التي تمثلت في عائلة كيتاك وليست الطبقة الأشد فقرًا في الفيلم، فهم من يصارعون وهم من يمتلكون القدرات والموهبة لامتلاك الثروة، ولكنهم لم يتمكنوا من الوصول إليها، والطبقة الأخيرة هي الطبقة الأقل ثروة «البروليتاريا الكادحة» وهي التي سنتناولها تفصيليًا.

أما «تالكوت بارسونز» -وهو من أنصار الاتجاه الوظيفي أيضًا- جاء ليؤكد على أن طبقة الفقراء تُكمّل النسق المجتمعي لتكفل بقاء مثل هذا النسق، فالعلاقات فيما بينهم علاقات تعاونية، وبالتالي «لا يهدد الفقراء المجتمع بأي شكل من الأشكال، بل على العكس تمامًا فهم يتكاملون مع المجتمع اقتصاديًا واجتماعيًا»، فكل ما تهدف إليه تلك الطبقات العمل على تعظيم الفائدة دون الدخول في صراع أيديولوجي مع الطبقات الأخرى، فلا يتجهون نحو الأفكار الراديكالية، لأن نظرتهم إلى الحاكم يسودها الاحترام والتقديس، فهو بمثابة الأب الروحي الذي لا يجوز معارضته، وقد كانت العائلة الثالثة «مدبرة المنزل وزوجها» من طبقة الفقراء التي أشار إليها بارسونز، فقد كان الزوجان يحملان تقديرًا قدسيًا لأصحاب المنزل، سواء كان المالك القديم «المهندس تامقونج» أو المالك الحالي «السيد بارك»، وقد كانا يعملان تحت ظلال المالك دون رغبة منهم في التغيير باختلاق صراع ما، ولم يبرز الصراع في شكله الواقعي إلا عند قدوم عائلة كيتاك».

صراع الفقير والأشد فقرًا

أما الصراع الثاني وهو صراع الفقير والأشد فقرًا فهو الأهم من وجهة نظري، فقد اعتمد الفيلم هنا على تصوير تلك الطبقة من الفقراء التي تعرضت للتشوه باندماجها داخل ترس الرأسمالية المجحف وهم وقود هذا الجسد، لتتغذى على الفتات، وترفض التغيير، وتدافع بكامل قواها الجسدية والعقلية عن أرباب العمل حد التقديس.

فحس الجهاز المناعي الذي أنتجه توغل الرأسمالية، وفي حالة هجوم الطفيليات (الفقراء) تدافع عن الجسد الرأسمالي، هي الطبقة التي تحللت داخل نفس الجسد (المنزل) لتعيش في قاعدته الخاصة بالطوارئ، لا يسمع عنها أحد من أصحاب المنزل ورؤوس الأموال، تخرج من جحرها فقط في حالة اعتداء الطفيليات الأخرى؛ لتواجه المعتدي باستماتة، حتى أنه بوفاتها ينقلع رأس هذا الجسد.

لم يتبنَّ الفيلم أيًا من الأفكار اليسارية، إذ يدعّم من المنظور الغربي الوظيفي والرأسمالي للفقر والفقراء، فالفكر الماركسي يرجع الفقر بشكل حتمي إلى النمو الاقتصادي الذي يتسم بعدم التكافؤ في إطاره الرأسمالي، فقد أرجع سان سيمون الفقر إلى سوء توزيع الثروة، وترفض النظرية الماركسية تفسير الفقر تبعًا لسمات الفرد الشخصية وهو ما يعول عليه أصحاب الاتجاه الوظيفي، فالفرد في الماركسية يرتبط بمكانة الطبقة التي نشأ بها، وتتحدد مكانة تلك الطبقة وفقًا للمزايا والإمكانيات التي تمنح إليها من خلال الإطار التنظيمي القائم في الدولة، فالمنظور الماركسي منظور راديكالي قائم على اعتبار الفقر نتاج لتطور المؤسسات الاحتكارية التي يمتلكها كبار الرأسماليين، ويتم إحلال ذلك النظام من خلال الثورة.

رغم ذلك، علينا ألا ننجرف نحو الاتجاه الوظيفي في تفسير الفقر، وهو ما عمل على تدعيمه بونج جون هو، من خلال فيلمه الأخير. أكد بونج على توافر فرص التعليم الشرعي لأسرة كيتاك الفقيرة، إلا أنهم وفقًا لرؤيته اختاروا العيش باعتبارهم طفيليات، عالة على أصحاب رؤوس الأموال ودون تكريس لقدراتهم سوى في الاحتيال والتزوير والخداع، فالفقراء هنا محتالون ومخداعون وانتهازيون، في أسوأ تصوير لهم وفقًا للمنظور الرأسمالي الذي لا يكترث سوى بتكريس الأموال لأصحاب رؤوس الأموال، والنظر بدونية للفقراء، طفيليات العصر.

فالمقصود هنا بالطفيليات هم عائلة كيتاك، الفقراء الذين يتغذون على غذاء العائلة الغنية، بينما تمثل العائلة الثالثة الأشد فقرًا (مدبرة المنزل وزوجها) حماة هذا الجسد وجهازها المناعي الذي يتغذي أيضًا من نفس المورد، فالأخيرة لم تنتشر لتحاول السيطرة على المنزل، ولكن عائلة كيتاك الفقيرة تمنت وحاولت ذلك بالفعل.

ليس غريبًا أن يحوز فيلم «Parasite» على إعجاب دولي من المهرجانات العالمية، سواء كان مهرجان كان الفرنسي بحصوله على جائزة «السعفة الذهبية»، أو على مجموعة من جوائز الأوسكار التي تتولاها الولايات المتحدة الأمريكية، فما من عمل يهين الفقر مثل هذا العمل، وما علينا باعتبارنا دولًا عربية أن ننحاز لهذا المنظور بشكل تام، فنسب الفقر في ارتفاع متزايد ولم تثبت مختلف السياسات جدواها في علاج مثل تلك الأزمة، كما أننا لا يمكننا أن ننكر مسئولية الدولة عن الفقر كما يرجعها الاتجاه الوظيفي، فقد حالت السيادة الرأسمالية دون ظهور الفقر بكونه نتاجًا لسياساتها، وجاء فيلم طفيلي ليؤكد ذلك الهدف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد