سمعت أبًا يسب ابنه ويعيره بقوله: «إنني ساخط عليك إلى يوم الدين». لأنه قال له كلمة حق، قال له بالحرف؛ والدي إنك أكثر من أن تقول كلامًا بذيئًا لأمي وقد صبرت معك طيلة هذه السنوات.
لم ينبس الابن ببنت شفة، واكتفى بالصمت خوفًا من أن يعبر بكلمة أقبح من تلك التي وصفها بها أبوه، كان في حيرة من أمره بين أن يصمت فينعم، وبين أن يتكلم فيسمع وابلًا من الشتائم بغير وجه حق!
أتساءل متى كان واجب الأبناء أن يطيعوا آباءهم إن كانوا ظالمين أو بعيدين عن طريق الصواب! «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا».
كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين؛ دعوة واضحة إلى الجهر بالحق وإن كان على نفسك التي بين جنبيك ومن يقدر على لوم نفسه إلا شجاع، وقول الحق وإن كان على والديك، فلماذا لا يتقبل بعض الآباء الحق ويعقون أبناءهم ويقسون عليهم؟ هل اهتم الآباء بحقوق أبنائهم عليهم ونسوا الواجبات؟
إن الظن أن الرأي الأوحد للآباء فقط دون أبنائهم من صور العقوق التي يمارسها الآباء على الأبناء، فكم من حق ضاع في هذه الجزئية التي يعتقد فيها أن الصغير دائمًا على خطأ، وأن الكبير هو صاحب العلم المطلق، والقدرة الكاملة، وهي في الحقيقة تسيء أيما إساءة لحق الابن وتحدث فجوة كبيرة بينه وبين والديه وإن لم تكن ظاهرة.
الاستبداد بالرأي معضلة نمت عند بعضنا، وهي خصلة لا توحي إلا بالتخلف والجهل، فلكل زاوية ينظر منها، ولا يؤمن بالاختلاف إلا جاهل. ورحم الله من قال إن الاختلاف لا يفسد للود قضية. فلماذا يصر البعض على أن يجعله مكسرًا للأبواب!

حاجاتنا الملحة أن يكون للجميع آباء يسمعونهم ويحترمون قراراتهم، وأن يتقبلوا النصيحة كما يقبلها الأبناء منهم، لا أن يعاملونهم بقسوة وجفاء، ويشددون عليهم الكلام وإن كانوا بريئين براءة الذئب من دم يوسف، حاجة الأولاد أن يتعاملوا معهم باعتباره إنسانًا لديه روح، وابنًا يحتاج إلى من يحنو عليه لا باعتباره سيدًا وعبده.
أن يكونوا سندًا لا أن يزيدوا الوجع، فهم الكتف الذي يسند عليهم الرأس في هذه الحياة عند المسرات والشدائد.

إنها ليست دعوة لعقوق الآباء بقدر ما هي دعوة إلى الآباء ببر أبنائهم، لقد وصى الله عن الوالدين وجعل لهما منزلة رفيعة ووعد من يحسن إليهما بالجزاء الحسن «وقل لهما قولا معروفا». لذلك فمهما فعل الآباء فواجب علينا طاعتهم بالمعروف. فها هو خليل الله إبراهيم يتعامل بمنتهى اللطافة واللباقة مع أبيه آزر، وهو الجاحد الناكر لوجود الله، ويقول سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد