إن العقوق بشموله وأشكاله المتعددة داء لا بد له من دواء، المهم حسن التوصيف بعيدًا عن التعقيد اللفظي، وتهويل الأمور، وكأنه لاحل، وهذا في نظري من ضمن أخطاء البعض، وعليه فإن اليسر في التوجيه بداية مهمة في تحديد العلاج لهذا الداء.

وعليه فإن العلاج يتكون من عدة خطوات عملية:

أولًا: دعوة مع كل سجدة

إن هذا المشروع من عوامل الصلاح حتمًا؛ فأقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، فالمرء الذي يسجد لربه يوميًّا ويتضرع إليه أن يهدي له أولاده ويجعلهم صالحين، لهو جدير بالاحترام والتقدير، وهو في ذاته والد يعي ما عليه، وواجباته تجاه أولاده، وأن الأمر ليس إنفاق اموال فقط، للأكل والملبس والحياة، لكن حياة شمولية، متابعة، ومراقبة، وإنفاق، ودعاء، وفضفضة، ورفيق طريق.

والجميل في هذه النقطة أن الأب هو المستفيد منها؛ فصلاح حال الابن في دنياه يجعله صالحًا، ومن ثم يكون من عوامل الراحة والنعيم للوالد في قبره، فلا ينقطع عمله كما قال النبي: «وولد صالح يدعو له»، فتلك معادلة علاجية آثارها في الدنيا ممتدة، وصلاحها أيضًا بعد رحيل الوالد.

ثانيًا: الوئام الزواجي

إن العقوق لا يفرق بين أب وأم، ولا بين شاب أو فتاة؛ لأنه غير مقيد بالنوع أو السن، وعليه فإن الاتفاق البيتي الزواجي بين الزوجين على طريقة محددة لتربية الأبناء، وعقد العزم على مسار تربوي صالح له أضلاع، وأطروحات، وأفكار، وتدريب، كل هذا من مقومات زوال هذه الآفة من الأبناء عاجلًا أو آجلًا، حتى إن ظهرت بدايتها بالتأفف فإنها لا تلبث أن تزول، ويعود الابن إلى حضن والديه نادمًا، بفضل فهم الوالدين للتربية، وعملهم على إظهار كل ما يشجع الأبناء على البر، من خلال الحب والوئام بينهما، والتوافق الشامل، فهذا الحب نتاجه استقرار نفسي للأولاد، وراحة بال للآباء.

ثالثًا: الإحاطة العاطفية

إن الإحاطة العاطفية هي سيل من الحب والحنان ينهمر على الأبناء من قبل الآباء، بداع أو بدون بسبب، فهذا من أسرار التربية القويمة، وتكوين الشخصية الناجحة، وتجعل مراحل التربية للطفل منذ البداية صحيحة وسليمة، فلا يكون من الابن أمام هذه العاطفة إلا الاستقامة، ومبادلة الحب بالانصياع، والتوقير، والعزم على عدم العصيان، أو فعل أي شيء يغضب آباءهم، المهم في ذلك ألا يتصنع الآباء هذا الأمر؛ لأن الحب خصوصًا إذا تصنعه صاحبه فإنه يظهر ويكشف، ومن السهل أن يعرف الأبناء ذلك، فلا نجد أثرًا طيبًا، أو انصياعًا ومبادلة لهذه العاطفة.

رابعًا: التواصل المستمر بين البيت والمدرسة

قلنا إن المدرسة هي المحضن الثاني بعد البيت، وعليه فإن حتمية التواصل بينهما أمر لا مفر منه، والوالد والمدرس هما المنبع الذي يستقي منه الأبناء كل ما هو مفيد وقيم، فلا عنف هنا أو هناك؛ لذلك فالتواصل بين الأب ومدرسة ولده، إدارة ومعلمين، أمر غاية في الخطورة؛ فقد يكون هناك تقصير في البيت فيجبره المدرس، وهكذا، المهم هو أن تتضافر الجهود بشكل احترافي، كله حرص على أخلاق الابن، بعيدًا عن الروتين ومرارة الواجب؛ فالجميع مستفيد من صلاح الأبناء، وأيضًا الكل متضرر من انتشار مفاسد الأخلاق، وفي القلب منها العقوق.

خامسًا: فن الحوار

إن العقوق دومًا ما يظهر في منطقة الوجه، سواء اللسان، أو العين، فقد يأمر الأب ابنه بأمر فيرد الابن بعقوق، إما برفض الأمر، و إما الجدال، وأحيانًا الصوت العالي، وهذه منطقة اللسان، وإما العين، فقد يرفض الابن كلام أبيه، فيعرض عينه عنه، أو يحتد في النظر بشكل عنيف، وعليه فإن الأب معني بأن يتعلم فن الحوار مع أولاده؛ حتى يزيل عنهم أي شبهات، ويدرك معنى أن يقنع الابن بما يريده، فلا يظل يأمر فقط وينهي دون جدال أو نقاش، بل فوائد النقاش تريح بال الابن؛ فيجد أمامه أبًا عملاقًا قادرًا على اكتشاف ما تقوله عين الابن، وما ينتوي قوله ولا يجهر به، وكل هذه الأمور مهمة عمومًا في الحياة، فما بالنا بالتربية الموجهة لأولادنا، الذين هم فلذات أكبادنا.

ختامًا

نحن نجتهد أن نضع أيدينا على كل مواطن الظواهر الغريبة والمرفوضة، التي يعاني منها الأبناء، أملًا وسعيًا في علاجها، ليظل البيت في حالة استقرار وسعادة، وبلا مشكلات تؤثر على رسالته في تنشئة جيل صحيح العبادة، سليم القيادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة