باريس، منارة الفن والثقافة، المدينة التي لطالما تغنى بها الفنانون، وكتب عن سحرها الكتاب والشعراء، والتي شكلت مكانًا مغريًا لإبداعات المسرح والسينما وباقي الفنون الأخرى. كما اعتبرت مسرحًا للعديد من الأعمال الأدبية الكبرى، «كأحدب نوتردام» و«البؤساء» لفيكتور ه,جو، ورواية «ثم تشرق الشمس»، العمل الأول لارنست همنغواي، و«مدار السرطان» لهنري ملنر، وفيها كتب بالزاك أبرز أعماله بـــــ«الكوميديا الإنسانية».

ومن كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» لرافعة الطهطاوي، وصولًا إلى «باريس كما يراها العرب» لفيصل جلول، كثر هم الكتاب العرب الذين كانت مدينة باريس مسرحًا لأحداث أعمالهم الأدبية والفكرية. ومن بين هؤلاء الكتاب من كتبوا سيرًا عن تجاربهم الحياتية في هذه المدينة، خصوصًا في فترة الشباب، بين من جاء إلى باريس طلبًا للعلم، أو سعيًا وراء حلم. كالكاتب اللبناني سهيل إدريس في رائعته «الحي اللاتيني»، والسيرة الذاتية التخييلية الساخرة، «كيف تصبح فرنسيًّا في خمسة أيام»، للصحافي المغربي جمال بدومة، وكتاب «عراقي في باريس» للكاتب العراقي صموئيل شمعون. فشكلت هذه الكتب إنتاجات روائية مميزة على عدة مستويات، سواء من خلال البناء أو اللغة أو الأسلوب.

الحي اللاتيني

رواية من الكلاسيكيات العربية، كتبت في خمسينيات القرن الماضي، يحكي فيها سهيل إدريس قصة شاب لبناني مجهول، لم يكشف الكاتب عن هويته، ذهب إلى باريس لمتابعة دراساته العليا، حيث يقطن بالحي اللاتيني الذي تجري فيه الأحداث الرئيسة للرواية. لتبدأ الهواجس والصدامات، صدام حضارتين، بيروت الشرق وباريس الغرب، وبين حاضره وأعباء الماضي، كل هذا من خلال عنصر محوري هو علاقته بالمرأة. حيث يبقى الكاتب مدة سجين غرفته وهواجسه. قبل أن يقرر التحرر من قيود الشرق، ويمضي قدمًا للبحث عن المرأة التي رسمها في خياله. فخاض تجارب عاطفية باءت بالفشل، ولم يدرك الحب إلا مع جانين الفتاة الفرنسية الشقراء. لتبدأ قصة حب بين هذا الشاب الذي يحمل معه إرث الشرق الثقيل وبين هذه الشابة الفرنسية المتشبعة بفكر الأنوار، والتواقة إلى الحب. لتكون هذه العلاقة بمثابة لقاء بين حضارتين مختلفتين حد التناقض.

مونولوج طويل يتحدث فيه البطل عن صراعاته الداخلية، ويكشف حجم الفوارق بين حياته السابقة والجديدة، فحتى عندما يعتقد البطل أنه تخلّص ونفض عنه غبار الأفكار الشرقية، تطرأ أحداث كثيرة تجعله يكتشف العكس، فيمضي عائدًا إلى بيروت تاركًا خلف ظهره جانين وباريس.

كيف تصبح فرنسيًّا في 5 أيام؟

«مضت أربعة أعوام كاملة وأنا في باريس… منذ جئت إلى هنا وأنا أحيا بشكل مؤقت: سكن مؤقت، عمل مؤقت، بطاقة إقامة مؤقتة، دراسة مؤقتة، وأحلام مؤقتة في بلاد مؤقتة».

رواية تحت إطار التخييل الذاتي لجمال بدومة، تطغى عليها السخرية والكوميديا السوداء، وتستحوذ على انتباه القارئ منذ الصفحات الأولى. شاب مغربي بعدما تقفل في وجهه كل الأبواب ببلده يهاجر إلى باريس ليتابع دراساته العليا. غير أن الصورة المثالية التي رسمها لحياته في باريس سرعان ما تضمحل لتتحول إلى صورة قاتمة، يعيش فيها التشرد والبؤس. رواية مكتوبة بأسلوب بسيط وساخر، يحكي فيها جمال بدومة عن حياته بصفته طالبًا في باريس، وعن بعض الظروف والمواقف اليومية التي يمر منها خلال هذه التجربة في قالب قصصي ممتع. رواية أشبه برسم كاريكاتوري، حيث يواجه فيها الكاتب أوجاعه ومشاكله بالسخرية والنقد الحاد، ويوجه فيها سهامه الناقدة الحادة نحو المغرب والفاعلين السياسيين في البلاد، كما ينتقد أوضاع المهاجرين وتعامل فرنسا معهم، بالإضافة إلى العديد من المواضيع الأخرى من هموم المواطن  والمهاجر المغربي.

عراقي في باريس

سيرة ذاتية للكاتب العراقي صموئيل شمعون، يحكي في الأول مساره قبل بلوغه باريس، انطلاقًا من بلدته الحبانية في العراق، مرورًا بدمشق وبيروت وعمان والقاهرة وتونس، ثم قبرص قبل أن يصل إلى عاصمة الأنوار. وعلى عكس الروايتين السابقتين، في هذه الرواية لا يهاجر الكاتب إلى باريس لغرض الدراسة؛ بل لملاحقة حلمه، بلوغ هوليوود وصناعة فيلم سينمائي. غير أن مقامه يطول في باريس، وتتحول من محطة عبور إلى محطة استقرار، فيصور شمعون مروره بهذه المدينة من خلال حكاياته ومغامراته اليومية في مقاهي المدينة وحاناتها، ومن تشرده والظروف القاسية التي يعيشها، وكذلك من رصد تفاصيل علاقاته الإنسانية مع المهاجرين العرب، ومع الفرنسيين.

ويعود شمعون في الكثير من فصول الكتاب بفلاش­­­­­­باك إلى ذكريات من طفولته، وولعه بالسينما مع معلمه، قورقيس، وكذلك علاقته الاستثنائية مع والده الأبكم. هي رواية جميلة قدمت في قالب إنساني بديع، حيث ينزع الكاتب عنه صفة البطولة، ويحكي عن تجربته الإنسانية بكل عفوية، فيصعب على القارئ أن ينتهي من «عراقي في باريس» من غير أن تتشكل الدمعة في عينيه، كما قال صموئيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كيف تصبح فرنسيا في خمسة أيام
عرض التعليقات